اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-24 11:26:00
الجدل الدائر اليوم حول تسوية ما بعد الحرب في السودان ليس مجرد ترف فكري أو حوار عابر حول المحاصصة، بل هو محاولة وجودية لرسم خارطة طريق لدولة تآكلت معالمها تحت نيران المدفعية، وتفككت مؤسساتها في غضون أشهر قليلة. إن المقترحات المطروحة حاليا، والتي تتضمن بنية معقدة تبدأ بمجلس سيادي بتمثيل نسبي وحكومة تنفيذية موسعة تضم تسعة وعشرين وزيرا، مرورا بمجلس عسكري هجين وانتهاء بمنح حصانات لقيادات عسكرية مقابل انسحابها من المشهد، لا تمثل مجرد ترتيبات إجرائية، بل هي محاولة لانتزاع «سلام الضرورة» من مخالب حرب وجودية. لكن يبقى السؤال الجوهري مطروحا بقوة: هل هذه الهندسة السياسية قادرة على استعادة الدولة السودانية، أم أنها مجرد صياغة جديدة لأزمات قديمة تم ترحيلها إلى المستقبل؟ على السطح، تبدو هذه البنية وكأنها عقد اجتماعي مؤقت يهدف في المقام الأول إلى وقف إراقة الدماء وإعادة إرساء الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي. لكن تفكيك مكوناته يكشف عن مشاكل بنيوية عميقة. إن التوسع العددي للحقائب الوزارية، وإن كان يعكس رغبة في استيعاب كافة الأطياف السياسية والمناطقية، يحمل في طياته خطر تحويل الحكومة من «آلة إنجاز» تكنوقراطية إلى «ساحة محاصصة» يفقد فيها الوزير استقلاله المهني ليصبح وكيلاً لمصالح حزبه أو كيانه. الأمر الذي قد يصيب الدولة بالشلل التام في لحظة تتطلب قرارات ثورية وحاسمة. ويمتد هذا القلق إلى “المجلس العسكري الهجين”، وهو النموذج الذي يترك مسألة السيادة معلقة. وقد أثبتت التجارب التاريخية أن هذه المجالس غالباً ما تنهار عند أول اختبار حقيقي لحل النزاعات ما لم تكن هناك حدود دستورية صارمة تمنع المؤسسة العسكرية من ممارسة “الفيتو” الفعلي خلف واجهة مدنية هشة. وتبرز معضلة «الحصانة» كواحدة من أكثر القضايا الشائكة في هذا المسار، فهي تمثل الثمن الباهظ الذي تفرضه الواقعية السياسية مقابل فتح أبواب السلام المغلقة. وبينما يرى البراغماتيون أن هذه الحصانات مخرج آمن يضمن خروج القادة العسكريين من المشهد، فإن هذا التوجه يتعارض بشكل مباشر مع مبادئ العدالة الانتقالية التي يطالب بها الضحايا والشارع السوداني. إن تجاوز الانتهاكات الجسيمة دون آليات حقيقية لكشف الحقيقة ومعالجة الأضرار قد يحول هذه التسوية إلى قنبلة موقوتة، حيث يظل الاستقرار المبني على الإفلات من العقاب بمثابة استقرار ممزق يغذي ثقافة العنف في المستقبل. هذا الصراع في الرؤى يعكس صراعاً أعمق حول «شكل الدولة» وليس حول «من يحكم». وبحسب الساحة السودانية اليوم، فهي منقسمة بين تيارات ثورية ترفض أي تسوية لا تفكك البنية الطبقية والسياسية الفاشلة للدولة، وقوى يسارية تخشى خداع النخب التي تلتف على القواعد الشعبية، وبين إسلاميين يتحركون ببراغماتية عالية لإعادة تموضعهم عبر الثغرات القانونية، وقوى براغماتية ترى في وقف الحرب غاية تبرر الوسيلة. ومن دون بناء «الكتلة الحرجة» التي توازن هذه التناقضات، سيبقى أي اتفاق معلقاً في فراغ، من دون الحاضنة الاجتماعية التي تحميه من الانهيار والارتهان للإرادات الخارجية. وفي نهاية المطاف، علينا أن ندرك أن التسوية غير الكاملة قد تكون أسوأ من عدم التسوية، لأنها تضفي الشرعية على الترتيبات غير العادلة، وتجمد الصراع بدلاً من حله. إن تحويل الكيانات المسلحة إلى أحزاب سياسية دون معالجة جذور التهميش الاقتصادي وعسكرة الموارد يعني ببساطة استبدال البندقية بورقة حزبية مع بقاء العقلية القتالية كما هي! ولا يحتاج السودان إلى حكومة بالمحاصصة الوزارية فحسب، بل يحتاج إلى “عقد تأسيسي جديد” يجيب بصدق على أسئلة توزيع الثروة، وعقيدة الجيش الواحد، والعدالة التي لا تستثني أحدا. وبدون ذلك فإن هذه الهندسة المعمارية سوف تظل مجرد “استراحة للمحارب” قبل جولة جديدة من الصراع، وربما أكثر دموية من الجولة السابقة. zuhair.osman@aol.com




