اخبار العراق- وطن نيوز
اخبار العراق اليوم – اخر اخبار العراق
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-10 19:09:00
2026-02-10T16:09:31+00:00 الخط تفعيل وضع القراءة A- A A+ شفق نيوز – اربيل/سليمانية/كركوك مع بداية فصل الشتاء واقتراب فصل الربيع، تعود زهرة النرجس لتحتل مكانتها الخاصة في المدن والمناطق الكردية، باعتبارها الزهرة التي ارتبطت بهوية الكورد وذاكرتهم الجماعية، لدرجة أنها أصبحت تعرف شعبيا بأنها الزهرة المفضلة لديهم. هذه الزهرة البيضاء ذات القلب الأصفر لا يتم شراؤها للزينة فحسب، بل تحمل في رائحتها قصص القرية والجبال والطفولة، وتتحول كل عام إلى طقوس موسمية تتكرر في المنازل والأسواق، كإشارة غير مكتوبة إلى أن الشتاء يستعد للرحيل. وفي جولة ميدانية لوكالة شفق نيوز شملت أسواق كركوك وأربيل والسليمانية، تبين أن أزهار النرجس لا تزال تحافظ على حضورها رغم تغير نمط الحياة وانتشار الزهور المستوردة. كركوك في سوق كركوك الرئيسي، خاصة في محيط رحيم آوه ومداخل السوق القريبة من المستشفى الجمهوري، يقف بائعو النرجس منذ الساعات الأولى من الصباح حاملين باقات زهور صغيرة مربوطة بخيوط بسيطة أو موضوعة في أوعية بلاستيكية، فيما تتصاعد رائحة الزهرة مع ازدحام السوق، وتختلط مع أصوات البائعين وحركة المتسوقين. ويقول بائع النرجس في سوق كركوك، كاوا رسول، إن الطلب على النرجس يبدأ في الساعات الأولى من الصباح، مبينا أن سعر الباقة الواحدة يتراوح بين 3000 دينار عراقي (2 دولار) إلى 4500 دينار عراقي (3 دولارات)، بحسب حجمها ونضارتها، وهو السعر الذي ظل مستقرا خلال المواسم الماضية. وأضاف رسول لوكالة شفق نيوز، أن أغلب الزبائن لا يناقشون السعر، لأن شراء النرجس لهم يرتبط بالحنين أكثر من كونه عملية بيع وشراء، مبينا أن بعض الزبائن يأتون خصيصا للسؤال عنه حتى قبل وصوله إلى السوق. والتقت وكالة شفق نيوز، خلال الجولة، بأم دلشاد، وهي امرأة خمسينية من كركوك، كانت تحمل باقة صغيرة من أزهار النرجس. وقالت إن هذه الزهرة تعيدها إلى أيام طفولتها في القرية، عندما كانت تجمعهم مع عائلتها من السفوح القريبة. وتضيف أم دلشاد أن وضع أزهار النرجس في المنزل يمنح الشعور بالراحة والهدوء، خاصة خلال أيام الشتاء الطويلة، وكأنه يعيد بعضاً من دفء الريف إلى المدينة الصاخبة. أربيل وفي أربيل، تأخذ تجارة النرجس شكلاً أكثر تنظيماً، خاصة في أسواق القلعة والقيصرية وشارع الإسكان، حيث يتم عرض باقات النرجس إلى جانب أنواع أخرى من الزهور المحلية والمستوردة. ورغم هذا التنوع إلا أن الطلب على أزهار النرجس لا يزال مرتفعا، إذ يقول أحد بائعي الزهور في سوق القيصرية ويدعى سربست عمر، إن أزهار النرجس تبيع نفسها، وبمجرد وصولها إلى السوق يبدأ الطلب عليها، خاصة في عطلات نهاية الأسبوع. وأشار عمر في حديث لوكالة شفق نيوز، إلى أن الكثير من الزبائن يشترونه كهدية، فهو رمز بسيط لكنه معبر. وفي أحد أزقة السوق التقت وكالة شفق نيوز بالطالب الجامعي عزيز كريم، الذي قال إنه يحرص على شراء زهرة النرجس في كل موسم لوضعها في منزل العائلة، لأن رائحتها تعيد أجواء الريف إلى المدينة، وتعطي شعورا بالدفء لا توفره الزهور الأخرى، لافتا إلى أن هذه الزهرة أصبحت جزءا من ذاكرة العائلة، ولا يكتمل الموسم بدونها. السليمانية: في السليمانية، لزهرة النرجس حضور مختلف، إذ ترتبط بالثقافة والشعر والأغنية الكردية. وفي أسواق السراي ومولوي وكاني با، تبدو عملية بيع النرجس مصحوبة بمحادثات طويلة بين البائعين والعملاء، تتشابك فيها الذكريات مع القصص التقليدية. ويقول آلان محمود، بائع النرجس في سوق السراي، إن الكثير من الزبائن يشترون النرجس لأنه جزء من هويتهم الثقافية، وليس للزينة فقط. وأضاف محمود لوكالة شفق نيوز، أن رائحة النرجس تذكر الناس بالأشعار والأغاني القديمة التي طالما ارتبطت بهذه الزهرة في الوجدان الكردي. وتبين الجولة الميدانية أن معظم كميات النرجس المعروضة في الأسواق الثلاثة تأتي من المناطق الجبلية والريفية القريبة، أو من بساتين صغيرة يديرها مزارعون محليون، ما يجعل الزهرة طازجة ولكنها تذبل بسرعة، مما يدفع الناس إلى شرائها فور توفرها. ويؤكد بعض البائعين أن سرعة الذبول هذه هي جزء من جمال النرجس، لأنها تجعله موسما عابرا لا يمكن تخزينه أو تأجيله. ورغم انتشار الزهور المستوردة ذات الألوان الزاهية والأشكال المتنوعة، إلا أن النرجس يحتفظ بمكانته، لأنه لا ينافس الشكل بقدر ما ينافس الرائحة والرمزية. في المنازل الكردية، لا تحتاج باقة النرجس إلى ترتيب خاص، إذ غالباً ما يتم وضعها في حاويات بسيطة بالقرب من النوافذ أو في غرف المعيشة، مما يملأ المكان برائحة تذكر بالطبيعة والجبال، ويخلق حالة من الهدوء والحنين. ويتفق من التقت بهم وكالة شفق نيوز، على أن النرجس ليس مجرد زهرة موسمية، بل ذكرى مؤثرة من الجبال إلى الأسواق، ومن الأسواق إلى البيوت. وهكذا، من كركوك إلى أربيل وصولاً إلى السليمانية، تتكرر القصة ذاتها كل عام، إذ تبقى زهرة النرجس رمزاً بسيطاً لكن عميقاً، يجمع بين الجمال والطبيعة والحنين، ويؤكد أن بعض التفاصيل الصغيرة قادرة على حمل هوية شعب بأكمله، وأن زهرة واحدة قد تكون كافية لإحياء ذاكرة جماعية لا تتلاشى مع الزمن.


