اخبار العراق- وطن نيوز
اخبار العراق اليوم – اخر اخبار العراق
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-29 20:46:00
شفق نيوز – بغداد لم تعد كلمة “الفساد المالي” ومرادفاتها غريبة عن حياة العراقيين، بل أصبحت جزءا من أحاديثهم اليومية، إذ لم تخلو أي حكومة متعاقبة من اتهامات بالفساد من قبل أركان الحكومة نفسها، مجلس النواب أو القضاء أو هيئة النزاهة. لكن في أغلب الأحيان، تدور الدوائر حول أموال الدولة ومؤسساتها، لتكون الضحية الأولى والأخيرة. لكن وزارة الكهرباء في الحكومة الحالية، وتحت غطاء التوجه نحو “تعظيم إيرادات الدولة غير النفطية”، تجاوزت خزينة الدولة لتصل إلى جيوب المواطنين عبر ما أسمته “رسوم طباعة القائمة”، ثم “رسوم اشتراك الكهرباء”، وكلاهما أدخلا الوزارة في “مأزق” وكشفت ملف فساد مالي يصل إلى عشرات مليارات الدنانير “يدفعها المواطن شهريا”، بحسب مسؤول في الوزارة نفسها. في الوقت الذي تسير فيه المؤسسات الحكومية، بما فيها وزارة الكهرباء، بوتيرة سريعة نحو الأتمتة والتحول الرقمي مع الاعتماد الواسع على أنظمة الدفع الإلكترونية، برزت مفارقة مثيرة للدهشة، إذ تواصل وزارة الكهرباء فرض رسوم إضافية تحت مسميات متعددة أبرزها “طباعة ورق الجباية” رغم التحول إلى الدفع الإلكتروني لأجور استهلاك الطاقة. وتتزايد الانتقادات حول مشروعية وجدوى هذه التكاليف الإضافية والغرض منها، كونها تفرض أعباء مالية على المواطنين مقابل خدمة لم تقدم على أرض الواقع. «ورقة التحصيل» ليست أكثر من بند مالي يضاف إلى رسوم السداد، من دون أي عائد ملموس. واستطلع مراسلو وكالة شفق نيوز آراء المواطنين في مناطق مختلفة من العاصمة بغداد، لكن تم اختيار سكان مجمع بسماية جنوب شرقي بغداد لكونها المنطقة السكنية الأكثر التزاما بدفع رسوم استهلاك الكهرباء. وقالت المواطنة ملاذ عاصم من مجمع بسماية، في حديث لوكالة شفق نيوز: “منذ عدة أشهر كنا ندفع ألفي دينار إضافة إلى قسيمة أجر الكهرباء وهي ثمن طباعة الورقة التي لم نرها من قبل”. وأضاف: «مؤخراً ارتفع المبلغ وأصبح ثلاثة آلاف دينار لهذه الورقة، رغم أنني أدفع الأجور إلكترونياً ولم أحصل على أي سندات أجور ورقية». أما المواطنة سعدية ناصر وهي أيضاً من مجمع بسماية، فتتساءل: «لا نعلم أين الجهات الرقابية من هذه الإجراءات، أم أن هدف الأتمتة ليس حماية المواطنين من التلاعب والنصب والاحتيال والحفاظ على المال العام؟» وتؤكد في حديثها لوكالة شفق نيوز، أن الرسوم الإضافية تحت مسمى “ورق الطباعة” ما هي إلا “باب للفساد واستغلال المواطنين بسبب غياب المتابعة والرقابة الحقيقية، حيث أصبحت أبواب استنزاف جيوب الناس مفتوحة”. وبحسب نتائج التعداد العام للسكان 2025، فقد بلغ عدد الوحدات السكنية الخاصة ثمانية ملايين و340 ألف وحدة سكنية، من منازل وشقق ووحدات سكنية أخرى. وبضرب عدد الوحدات السكنية بمبلغ ثلاثة آلاف دينار تصبح الإيرادات الشهرية 25 مليار و20 مليون دينار شهريا، أي 300 مليار و240 مليون دينار سنويا تدخل خزينة وزارة الكهرباء دون الكشف عن مصيرها حتى وقت إعداد هذا التقرير. أما الوحدات التجارية فالمبلغ خمسة آلاف دينار. تشمل الوحدات التجارية أي نشاط تجاري، سواء كان كشكًا بسيطًا أو محلًا تجاريًا أو مطعمًا أو كافتيريا أو مكتبًا قانونيًا أو تجاريًا أو عيادة طبية وغيرها، ورغم وجود إحصائيات دقيقة إلا أنها تقدر بالآلاف. وكذلك الحال بالنسبة للوحدات الصناعية والزراعية ودوائر ومؤسسات الدولة، ما يعني زيادة بعشرات مليارات الدنانير تضاف إلى إيرادات الوحدات السكنية. وحول مشروعية هذه الأجور التي تفرضها وزارة الكهرباء بشكل شهري على المواطن، يؤكد عضو اللجنة العليا لتنفيذ الإصلاح الضريبي الحكومي خالد الجابري لوكالة شفق نيوز، أن “الأتمتة الحالية هي تحويل العملية من النظام الورقي إلى النظام الإلكتروني، ولا تتم إضافة أي أموال إلا بقانون يشرعه مجلس النواب العراقي وفق المادة 28 من الدستور”. ويوضح أن “رفع الأداء الوظيفي لأي جهة أو زيادة إيراداتها لا يجب أن يتحمله المواطن، وحتى لو كان هناك تقاطع مشترك بين الإيرادات والمواطن، فلا يجب أن يتحمل المواطن تكلفة الأعباء المالية”. وفي 22 يناير/كانون الثاني 2024، بادرت الحكومة الحالية “حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد شياع السوداني” إلى الجباية الإلكترونية لتسهيل خدمة المواطنين، فيما عرض محافظ البنك المركزي علي العلاق بالتفصيل أهداف ومزايا مشروع الجباية الإلكترونية. وينص قانون هيئة النزاهة الاتحادية على اتخاذ “موقف صارم” تجاه أي رسوم إضافية تستوفي من المواطنين دون سند قانوني، معتبرة ذلك “استغلالا وظيفيا يضر بالمال العام”. ويقول مصدر مسؤول في وزارة الكهرباء، إن هذه الرسوم الإضافية ليس لها أي مبرر مالي أو قانوني، وليس لإيراداتها نطاق محدد، وتأتي في إطار توجه الحكومة نحو تعظيم إيرادات الدولة غير النفطية. وأوضح لوكالة شفق نيوز: أنه “مبدئيا تم فرض مبلغ ألفي دينار تحت بند رسوم طباعة قوائم الكهرباء، رغم عدم وجود مثل هذا البند في قسائم الكهرباء، بل هناك فقرة (رسوم أخرى)”. ويتابع: “إن هذا الجدولة وضعت الوزارة في حرج كبير لأنها بالأساس تعمل بنظام التمويل الذاتي إضافة إلى تخصيصاتها من الموازنة الاتحادية، وبالتالي الوزارة ليست بحاجة لهذا المبلغ لتغطية نفقات الطباعة”. وأضاف: “بعد الموافقة على تحصيل رسوم الطباعة، لاحظت الوزارة العثرة التي واجهتها، حيث تزامن ذلك مع توجه الوزارة نحو الجباية الإلكترونية، التي تستغني عن الطباعة الورقية، فتغير الاسم من رسوم الطباعة الورقية إلى (رسوم اشتراك الكهرباء)، وحتى هذه التسمية ليس لها فصل، بل تدخل ضمن (رسوم أخرى)”. وأضاف المصدر: “حتى اسم (رسوم اشتراك الكهرباء) مضحك. فما يدفعه المواطن شهرياً هي رسوم استهلاك الطاقة الكهربائية وهو مشترك فيها بالطبع. وبالتالي فالأمر ليس أكثر من فساد جديد يدفعه المواطن وليس خزينة الدولة ومؤسساتها، لكن الوزارة تجاوزت ذلك وذهبت إلى جيوب المواطنين”. ويتابع المصدر: “حتى فقرة (الأجور الأخرى) الموجودة في قسيمة أجور استهلاك الكهرباء هي في حد ذاتها جدولة للفساد المالي، فما طبيعة هذه الأجور الأخرى ولماذا يتحملها المواطن أصلاً وهي لا تكلف سوى نفقات الكهرباء على الدولة؟” ويرى المصدر أن هذه الأجور الإضافية هي رد فعل على فتح هيأة النزاهة ملفات الفساد المالي في وزارة الكهرباء “لدفع عشرات وربما مئات المليارات من الدنانير التي اختلسها موظفون ومسؤولون في الوزارة طوال السنوات الماضية، من رسوم استهلاك الكهرباء وما يعرف في الوزارة بـ (لجنة مدينة الأحلام)، أو جمعية إسكان موظفي الكهرباء”. يذكر أن هيئة النزاهة الاتحادية بدأت عام 2024 بفتح ملفات الفساد المالي في وزارة الكهرباء وأصدرت عدة أوامر قضائية بحق المتورطين في تلك الملفات. وكان آخرها ما يعرف بـ”لجنة مدينة الأحلام” التي تعلقت بتسوية مبالغ تصل إلى مليارات الدنانير كرسوم استهلاك الكهرباء في عدد من المجمعات التجارية والمولات في بغداد مقابل دفع مبالغ اعتبرت “ضئيلة” مقارنة بالأجور الفعلية. وكذلك قضية الجمعية التعاونية لإسكان موظفي وزارة الكهرباء، والتي المتهم الرئيسي فيها هو رئيس الجمعية والمتحدث الرسمي السابق للوزارة مصعب المدرس. وفي مارس 2026، صدرت بحقه مذكرات توقيف ومنع من السفر وحجز أموال، في قضية تقدر فيها أيضا مبالغ الاختلاس بالمليارات. وهذا ما يتفق معه الخبير القانوني حسن زياد الركابي، إذ يرى أن فرض أجور إضافية على المواطنين دون تقديم خدمة فعلية يتعارض مع المادة 28 من الدستور العراقي. وأوضح لوكالة شفق نيوز، أن “هذه المادة تقضي بأن تفرض الرسوم بقانون واضح، وبالتالي فإن فرض هذه الرسوم يخالف مبدأ حماية المال العام المنصوص عليه في المادة 27 من الدستور، والذي يقضي بمراجعة هذه الإجراءات للتأكد من عدالتها وشفافيتها”.




