W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-01-08 09:31:32
آخر تحديث:
بقلم: سمير داود حنوش
ولم يكن يريد ولا يطمع من قادته وسياسيه ورؤساء الأمة إلا الحياة الرغيدة والخبز مع بعض الماء الصالح للشرب. وطبعاً ليس مجانياً، فهو معتاد على دفع إيجار كل شيء في وطنه، حتى قطعة الأرض التي يسكنه وأسرته، يدفع ثمنها مقدماً لأنه يعيش على الإيجار. وكان يغني أمام أبنائه عن حبه للوطن، وكيف سرق منه ذلك الوطن أفضل سنوات حياته التي قضاها بين الخدمة في التعليم وسنوات العمل. كان منتشياً بحب وطنه، رغم أنه كان يكره السياسة وعالمها. بدشداشته البيضاء، كان يجلس مع أصدقائه القدامى في ذلك الزقاق الضيق الذي تفوح منه رائحة الماء الثقيل. ولم يكن هناك مفر من الاستسلام لشروط الدولار والاعتراف به. أدرك الرجل أنه مخطئ، ولم يعد للدينار مكان في حياته ما دامت حياته كلها رهينة للآخرين. ولم يدرك هذه الحقيقة إلا متأخرا. وكان الجميع يتذكرون كلمات المطرب العراقي حضيري أبو عزيز الذي توفي عام 1973 والذي كان صوتاً للعراقيين عندما غنى لهم “عم يا أبو التموين”. لقد حملت الكثير من المعاناة والبؤس للشعب العراقي. وتقول كلمات الأغنية: “عمي أبو التموين الماشي العريض / والسمر اللي بعده (الشاي) مرض / الشكر (السكر) غالي / أتمنى أجيب التالي، وال الشكر غالي الثمن، طاب حالي.”
صديقي المتقاعد رجل بسيط لم يعرف قط عملة اسمها الدولار. كان يحب الدينار العراقي ولا شيء غيره، ورغم أن طبع الدينار وألوانه وقيمته تغيرت على مدار الأنظمة السياسية، إلا أنه رفض الاعتراف بأي شيء آخر، حتى بعد أن وصلت قيمة الدينار في زمن الحصار المفروض على العراق. العراقيون من امريكا. لدرجة أن الناس كانوا يزنون العملة بميزان الفواكه والخضروات عند شراء بعض الأشياء. ورغم انكشاف الدينار، كان الرجل يحاول تغطية عورته بالدفاع عن العملة الوطنية للبلاد. استيقظ الرجل السبعيني من نومه خائفا في صباح أحد أيام الديمقراطية التي ألبستها أمريكا زي العراقيين. إلى أصوات زوجته وأبنائه يشتمون ويلعنون زمن الفساد والسرقة والحياة الصعبة، زادها قسوة ومرارة ارتفاع سعر الدولار وفساد رجال السلطة بين اللصوص.
ولم تعد أعذار الرجل تقنع الغاضبين، فاضطر إلى مغادرة منزله للقاء رفاقه. وفي الطريق نظر إلى كل الوجوه التي تتحدث عن أزمة الدولار وأضرارها على حياتهم. حاول إرضاء عائلته ببعض الحاجيات التي حملها لهم عند عودته من أحد المتاجر القريبة من منزله، فوجد أن الأسعار قد تضاعفت. وأخيرا، أدرك الجميع حقيقة الدولار الذي يحكم ويتحكم في المصائر، الدولار الذي إذا ضحكت على صورة بنجامين فرانكلين ابتسمت الحياة، وإذا كان العكس فالويل والخراب ينتظر. وسمع صوت صاحب عربة يبيع اسطوانات الغاز وهو يتشاجر مع جيرانه بسبب ارتفاع سعر القنينة مع… ارتفاع سعر الدولار. حتى سائق التوك توك اعتذر منه عن قبول الأجرة القديمة، مطالباً بزيادة تماثل ارتفاع سعر الدولار.
وكان جنون الأسعار يطارد الرجل أينما توجه وارتحل. وأخيراً أدرك أنه لا مفر من الاستسلام لشروط الدولار والاعتراف به. أدرك الرجل أنه مخطئ وأنه لا مكان للدينار في حياته ما دامت حياته كلها رهينة للآخرين. ولم يدرك هذه الحقيقة إلا متأخرا. جلس مع أصدقائه حول هذا الموضوع. وفي الزقاق الضيق، وهو يتحدث بألم وندم وندم كيف كان سعر الدينار الواحد في عصره الذهبي يعادل ثلاثة دولارات، وكيف فرض الدينار هيبته عندما سافر صاحبه به حول العالم، ورأى الإنسان أنه خدع في كرامته وقوة الدينار.
وأخيرا، أدرك الجميع حقيقة الدولار الذي يحكم ويتحكم في المصائر، الدولار الذي إذا ضحكت صورة بنجامين فرانكلين ابتسمت الحياة، وإذا كان العكس فالويل والدمار ينتظر. ولم يدرك الرجل أنه رهينة الدولار وأن فوقه سلطة رهنت الوطن والمواطن وحتى الأرض بالدولار. في كل حالة. جولة: الدولار انتصر على الدينار. ولعل العيب ليس في الدينار. وعاد الرجل إلى منزله بعد أن تجول في الشوارع وشاهد ردود أفعال الناس وهم يلعنون غلاء الأسعار وارتفاع الأسعار بسبب الدولار، فيما كان يردد حاله «عاش الدولار.. عاش».
العراق اليوم
يوميات مواطن عراقي في زمن الدولار – شبكة أخبار العراق