اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-22 03:00:00
إذا جلست في صالون فخم بأحد أحياء الرباط الراقية، أو في بيت طيني في قرية وسط جبال الأطلس، أو حتى في خيمة وسط رمال الصحراء المغربية، فإن القاسم المشترك الذي لن يفوتك هو كوب من الشاي المغربي. هذا السائل السحري، الذي تعود أصوله إلى أكثر من 50 عاما، والذي يحتفل بيومه العالمي يوم 21 ماي من كل سنة، لا يمكن فصله عن المزاج الجمعي للمغاربة. في الواقع، يعتبر رفض كوب الشاي المقدم في الثقافة الشعبية المحلية بمثابة وقاحة غير معلنة. وفي الحالة المغربية، فإن الشاي ليس مجرد مشروب يومي مفضل لدى الكثيرين، بل أصبح طقسا مجتمعيا يتم فيه طرح القضايا المجتمعية على طاولة المفاوضات، وتكوين الصداقات، وحل العداوات. يتمتع هذا المشروب بقدرة مذهلة على التكيف مع مشاعر المغاربة، فهو حاضر في أحزانهم وأفراحهم، ويكون دائما لسان حالهم. كما يعتبر تناوله إعلانا عن قبول الاندماج في المجموعة، وبالتالي تحويله إلى أداة لتعزيز الروابط الاجتماعية والتضامن المجتمعي، وهو ما تنعكس في الأمثال الشعبية المغربية مثل: “عمر أتاي لا يشرب بدون جماعة”، أو “تعال على الحزن يا برد الرزا.. ولا تحل جلستك إلا براحة وجمعة وتركيز”. طقوس وتحولات قال خالد التوزاني، أستاذ جامعي ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، إن “الشاي والطقوس المصاحبة له في المغرب تتجاوز مجرد كونها وسيلة “لتمضية الوقت”. إنها مساحة طقسية بامتياز لإنتاج وإدارة المناقشات العميقة. في المقاهي الشعبية والتجمعات الخاصة، يعد تحضير الشاي وشربه فرصة ذهبية لتحويل المواضيع اليومية إلى نقاشات سياسية ساخنة، أو تأملات اجتماعية، أو تبادل الذاكرة الثقافية وتاريخ الآباء والأجداد. تقديم وشرب الشاي يمثل “البرلمان”. “بالتوازي، حيث تطرح قضايا المجتمع بحرية، ويتم عقد التحالفات، وحل الخلافات”. وأوضح التوزاني، في تصريح لهسبريس، أن “الشاي يحمل في المخيلة المغربية شحنة نفسية واجتماعية فريدة؛ فهو صديق لجميع الفئات الاجتماعية ومختلف المواقف والمواقف: في الأفراح (الأعراس، النجاح، الولادات، الزيارات) يقدم الشاي مع التمر والحلويات تعبيراً عن الكرم والفرح المشترك. أما الأحزان (العزاء، الشدائد، الفراق) فالشاي هو «معزّي الوحدة» و«شفاء القلب»؛ “يتم تقديمه باليدين كطقوس. عزاء يعيد التوازن النفسي ويذكر الحاضرين بأن الحياة مستمرة رغم الألم. هذه الازدواجية تجعل من الشاي وسيلة لاحتواء التناقضات.” وردا على سؤال حول اختفاء الطقوس الدقيقة لإعداد الشاي داخل المجتمع المغربي لصالح تغيرات في إيقاع الحياة، ذكر نفس المتحدث أن “انحسار الطقوس الدقيقة (مثل تبخير الزهور، والسكب من ارتفاع، وتقديمه في الثلاجة ثلاث مرات، وترتيب الأكواب بعناية) لصالح “الشاي السريع” (أكياس الشاي أو تحضيره في الغلايات الكهربائية) يعكس التحولات الهيكلية في المجتمع المغربي”. وأضاف موضحاً: «تشير هذه التغيرات إلى تسارع إيقاع الحياة بسبب ضغوط العمل والحياة في المدينة والتعليم الحديث، وتحول العلاقات الأسرية من العلاقات الأفقية الممتدة (الأسرة الممتدة والجيران) إلى العلاقات العمودية النووية، حيث يتناقص وقت الزيارات الطويلة، إضافة إلى زيادة الاستهلاك الفردي، إذ لم يعد الشاي بالضرورة طقوساً جماعية، بل يمكن استهلاكه بمفرده أثناء التنقل، وتأثير ثقافة العولمة والاستهلاك السريع الذي يجعل حتى لحظات التباطؤ خاضعة لضغوط منطق كسب الوقت”. واختتم خالد التوزاني قائلا: “لكن الطقوس التقليدية لم تمت تماما، بل لا تزال حية في المناسبات الدينية والوطنية والعائلية الكبرى، وكممارسة احتفالية يتم استعادتها بقصد التباهي بالهوية. فالشاي السريع لم يلغي الشاي العائلي أو الجماعي، بل خلق تعددا في الأساليب يتناسب مع تعدد جوانب الحياة المغربية المعاصرة. وهذا في حد ذاته يعكس مرونة الثقافة المغربية وقدرتها على التطور والتكيف مع كل الظروف والتطورات”. عادات ومناسبات أوضح محمد حبيب، عالم النفس الاجتماعي، أن “هناك عادات وتقاليد وعادات متجذرة منذ سنوات طويلة مرتبطة بالشاي وجلساته، وواقع الأمر أن مكانة الشاي عند المغاربة لا تقتصر على كونه مجرد مشروب يومي أو حالة إدمان حسب تصنيف الدليل الإحصائي للتشخيص والاضطرابات النفسية، بل هي ثقافة أعمق مرتبطة بطقوس وجلسات اجتماعية خاصة ومميزة”. وأضاف حبيب، في تصريح لصحيفة هسبريس الإلكترونية، أن “القيمة الحقيقية تكمن في “جلسة الشاي” نفسها وما يصاحبها من جمع عائلي وحوارات ونقاشات تدور حول الطاولة، فهذه الجلسة هي الأساس والأساس الذي يجتمع عليه الناس، ورغم أن المرء قد يكتفي بشرب كوب أو كوبين، إلا أن الجلسة نفسها قد تمتد لساعة أو ساعتين أو حتى ثلاث ساعات. كما يعتبر تقديم كوب الشاي لكل من يدخل المنزل ركيزة أساسية للكرم والضيافة بين الناس”. المغاربة.” وتابع عالم النفس الاجتماعي أن “الشاي أصبح الأساس الذي تقوم عليه الجلسات في المجتمع المغربي، حيث يستخدم كوسيلة مثالية للم الشمل والتواصل وأحيانا لإدارة الصراعات والخلافات. كما أنها حاضرة بقوة في جميع المناسبات الاجتماعية، بما في ذلك حفلات الزفاف والجنازات. وأضاف موضحا: “كما أن الشاي يجمع على طاولة واحدة وفي مناسبات عديدة جميع أفراد الأسرة أو المجتمع مهما كانت فئاتهم وظروفهم الاجتماعية، ليشمل في الوقت نفسه الفقراء والأغنياء على حد سواء حول طاولة واحدة تختفي عليها هذه الظروف المتباينة وتتناغم الفئات المختلفة، خاصة أن هذا المشروب في متناول الجميع بغض النظر عن مستواهم الاجتماعي”. وأكد محمد حبيب أن “الطقوس التقليدية للشاي لا تزال حية وبصحة جيدة على الرغم من التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وحتى الثقافية في بعض الأحيان، التي شهدها المجتمع المغربي. وأهل الصحراء، حتى لو انتقلوا للعيش في المدن الداخلية، يأخذون معهم أواني الشاي والأدوات الخاصة وحبوب الشاي المفضلة لديهم، للحفاظ على طقوسهم وإحيائها أينما ارتحلوا، وهو ما يؤكد ارتباط الشاي الوثيق بكل تفاصيل الحياة اليومية.




