المغرب – العالم والصراعات العسكرية.. البراغماتية الاقتصادية تراجع في ميزان القوى

أخبار المغرب29 يونيو 2026آخر تحديث :
المغرب – العالم والصراعات العسكرية.. البراغماتية الاقتصادية تراجع في ميزان القوى

اخبار المغرب – وطن نيوز

اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-29 02:00:00

واليوم يبدو أن النظام الدولي قد دخل مرحلة تاريخية جديدة، تتسم بإعادة تشكيل تدريجية لتوازن القوى وعودة البراغماتية الاقتصادية كمبدأ منظم للعلاقات الدولية. فبعد سنوات عديدة هيمنت عليها التوترات الجيوسياسية، والمنافسات الاستراتيجية، ومنطق المواجهة والصراع، بدأت القوى الكبرى تدرك التكلفة الباهظة للصراعات المفتوحة على الاستقرار العالمي، والأسواق المالية، وسلاسل الإنتاج والتوريد. وهذا التحول لا يعني اختفاء المسابقات الدولية، بل يعكس تغيرا في طبيعتها وأدواتها. إن العالم لا يتحرك نحو السلام الدائم بالمعنى التقليدي، بل نحو إدارة عملية للخلافات والتناقضات، حيث تحتل الاعتبارات الاقتصادية، والطاقة، والتجارية مكانة مركزية متزايدة. ولم تعد الدول تسعى بالضرورة إلى إزالة خلافاتها بقدر ما تحرص على منعها من الإضرار بالتوازنات الضرورية لاستمرار النمو الاقتصادي. وفي هذا السياق، أصبحت الاقتصادات الوطنية والأسواق العالمية أدوات رئيسية لتنظيم التفاعلات الجيوسياسية. وأصبحت التدفقات التجارية، والاستثمارات الاستراتيجية، وأسواق الطاقة، والتقنيات المتقدمة، وسلاسل التوريد، وسائل نفوذ أكثر تأثيرا من العروض العسكرية أو الإيديولوجية وحدها. ولا تزال القوى الكبرى تدافع عن مصالحها الوطنية ومناطق نفوذها. لكنهم ينجذبون على نحو متزايد إلى أشكال غير مباشرة من المنافسة القائمة على التفوق التكنولوجي، والقدرات المالية، والابتكار، والشراكات الاقتصادية عبر الحدود. ويُفسَّر هذا التحول إلى حد كبير بالعواقب السلبية المتراكمة للأزمات الأخيرة؛ من جائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، والحرب الإيرانية الأمريكية، والصراعات في الشرق الأوسط، وارتفاع معدلات التضخم، وأزمات الطاقة، وتعطل سلاسل التوريد، والتباطؤ الاقتصادي العالمي. وقد أدت هذه التطورات إلى إضعاف الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء، وجعلت الاستقرار الاقتصادي ضرورة استراتيجية لا غنى عنها. ولم تعد الحروب الطويلة مكلفة عسكريا فحسب، بل إنها تفرض أيضا تكاليف باهظة على الأسواق والاستثمارات والنمو العالمي. والتوتر بين الولايات المتحدة وإيران مثال واضح على ذلك. ويعكس التخفيف التدريجي لبعض الصراعات الدولية إرادة ضمنية للحفاظ على الآليات الأساسية للترابط الاقتصادي على المستوى العالمي. وتدار الآن العديد من الملفات الجيوسياسية الحساسة وفق منطق «ضبط النفس»، حيث يسعى اللاعبون الدوليون قبل كل شيء إلى تجنب القطيعة التي قد تؤدي إلى صدمات اقتصادية كبيرة. وتسلط تداعيات إغلاق مضيق هرمز على التجارة العالمية وأسعار الوقود الضوء على أهمية هذا المنطق العملي. وتجسد العلاقات الصينية الأميركية بشكل خاص هذا التحول نحو الواقعية الاقتصادية. وعلى الرغم من التنافس الاستراتيجي العميق المستمر بين الولايات المتحدة والصين، وخاصة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، وقضية تايوان، فإن البلدين يظلان مرتبطين بدرجة عالية من الاعتماد الاقتصادي المتبادل. وهذا يحد من احتمالات حدوث قطيعة شاملة بينهما. ويبدو أن الهدف الأساسي للعاصمتين ليس تسوية كافة خلافاتهما نهائيا، بل منع اندلاع موجة تصعيد جديدة من شأنها أن تزيد من اضطراب الاقتصاد العالمي. وبعد الزيادات الجمركية الكبيرة التي أقرتها الإدارة الأميركية عام 2025، والإجراءات الصينية الانتقامية التي أعقبتها، فضل الطرفان اعتماد استراتيجية استرضاء جزئية تهدف إلى حماية مصالحهما الاقتصادية المشتركة. وحتى في غياب اتفاق شامل، فقد سمح استئناف الحوار بالحفاظ على القنوات الدبلوماسية والتجارية الأساسية. كما تناولت المناقشات بين الطرفين عدداً من القضايا الجيوسياسية الإقليمية المهمة. ومن بينها العلاقات الأميركية الإيرانية، وأمن مضيق هرمز، وتوازنات الطاقة العالمية. وفي هذا السياق، تؤكد اللقاءات الأخيرة بين القيادة الصينية والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ظهور نظام دولي أكثر تعددية في مراكز القوى، تحتل فيه الصين موقعا محوريا لا يمكن إنكاره. كما اتخذت بكين قرارًا رائعًا بإعفاء الدول الأفريقية من الرسوم الجمركية على عدد من المنتجات. مما يعزز مكانتها كلاعب أساسي ليس فقط في الاستقرار الاقتصادي العالمي، بل أيضاً في إدارة عدد من الأزمات الإقليمية والدولية. وهكذا يبدو العالم اليوم متجهاً نحو شكل من أشكال البراغماتية الجيواقتصادية، حيث تظل المنافسة بين القوى الكبرى قائمة؛ ولكن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يفرض حدوداً على المواجهة المباشرة. ولم تعد التحولات الكبرى في النظام الدولي تتجلى فقط من خلال الخطابات الإيديولوجية أو استعراض القوة العسكرية؛ وهي تظهر أيضاً من خلال الاستثمارات، والاتفاقيات التجارية، والشراكات التكنولوجية، وإعادة التنظيم التدريجي للمصالح الاستراتيجية. ومن ثم، فإن فهم هذا الهيكل الدولي الجديد يتطلب قراءة متأنية للديناميكيات الاقتصادية العالمية إلى جانب التطورات الدبلوماسية والتكنولوجية والعسكرية. ولم تعد موازين القوى المعاصرة تقتصر على القدرات العسكرية أو النطاق الجغرافي للدول، كما كان الحال خلال الحرب الباردة أو في المراحل التقليدية للصراع الإيديولوجي. كما أصبحت السلطة تمارس من خلال آليات أكثر تعقيدا وأقل وضوحا؛ مثل السيطرة على سلاسل التوريد العالمية، والسيطرة على موارد الطاقة والمواد الخام الاستراتيجية، والهيمنة على التقنيات المتقدمة، والنفوذ النقدي، والقدرة على الاستثمار على المستوى الدولي. وفي هذا السياق الجديد، فإن الدول الأكثر نفوذاً ليست فقط تلك التي تمتلك جيوشاً قوية، بل وأيضاً تلك القادرة على فرض المعايير التكنولوجية، والسيطرة على البنية التحتية الرقمية، والسيطرة على الشبكات المالية العالمية، وتوجيه تدفقات التجارة الدولية. وتجسد المنافسة على أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والبيانات الرقمية، والمعادن النادرة، وشبكات الطاقة، هذا التحول العميق في طبيعة القوة الدولية. وبالتالي، اتخذت الصراعات المعاصرة أشكالا هجينة، حيث تصبح المصالح الاقتصادية، والتمويل، والأمن السيبراني، والابتكار العلمي، والدبلوماسية التجارية أدوات استراتيجية لا تقل أهمية عن الوسائل العسكرية التقليدية. ويفسر هذا التحول أيضاً ظهور حالة من الترابط المتناقض بين القوى الكبرى. وحتى عندما يواجه كل منهما الآخر سياسيا، فإنهما يظلان مرتبطين بالمصالح الاقتصادية المشتركة التي تجعل أي تمزق مفاجئ مكلفا. وكما يقول المثل المصري: «تصالح المصالح». فالولايات المتحدة والصين، على سبيل المثال، منخرطتان في منافسة استراتيجية واسعة النطاق، في حين تظلان مترابطتين إلى حد كبير تجارياً ومالياً وتكنولوجياً. وهذا الواقع يفرض توجهاً أكثر واقعية في إدارة الصراعات الدولية، يقوم على تنظيم التوازنات وليس على منطق الإقصاء أو المواجهة العسكرية. ومن ناحية أخرى، عززت العولمة الاقتصادية دور الجهات الفاعلة غير الحكومية في تشكيل العلاقات الدولية. واليوم، تتمتع الشركات المتعددة الجنسيات والصناديق السيادية والمؤسسات المالية الدولية وعمالقة التكنولوجيا الرقمية بنفوذ قد يفوق قدرة بعض الدول. كما أن القرارات التي تتخذها المنصات الرقمية الكبرى أو الأسواق المالية العالمية قد يكون لها تأثيرات مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والسياسي لمناطق بأكملها. وقد طور عدد من الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأبرزهم جوزيف ستيجليتز، أفكاراً تؤكد، بشكل مباشر أو غير مباشر، أن المصالح الاقتصادية تلعب دوراً محورياً في سلوك الدول وفي تشكيل النظام الدولي. ويعتقد ستيجليتز أن العولمة والاعتماد الاقتصادي المتبادل أصبحا من العوامل الهيكلية التي تحكم الحوكمة العالمية. وعلى الرغم من انتقاداته لبعض جوانب العولمة، إلا أنه يعتبر أن القضايا الاقتصادية أصبحت في قلب السياسة الدولية المعاصرة. وفي هذا السياق، يخضع مفهوم السيادة نفسه لعملية إعادة تعريف عميقة. ولم تعد السيادة مقتصرة على حماية الحدود الجغرافية؛ بل يشمل القدرة على ضمان الاستقلال في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والغذاء والفضاء الرقمي. واليوم، تسعى البلدان إلى تأمين سلاسل إنتاجها، ومواردها الاستراتيجية، وبنيتها الأساسية الحيوية، للحد من هشاشتها في عالم يتسم بالترابط الاقتصادي المكثف والمنافسة المستمرة. لقد سلطت مناقشات قمة مجموعة السبع الأخيرة الضوء على الأولويات الاقتصادية الاستراتيجية للدول الغربية في سياق دولي متوتر، والذي قد تخلف تداعياته المحتملة على أسواق الطاقة، والتجارة العالمية، والتوازنات الإقليمية عواقب عميقة. وفي اقتصاد عالمي شديد الترابط، تؤثر التطورات الدبلوماسية بشكل مباشر على الاستراتيجيات الصناعية وتدعو إلى إعادة التفكير في مسارات التحول التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

اخبار المغرب الان

العالم والصراعات العسكرية.. البراغماتية الاقتصادية تراجع في ميزان القوى

اخبار اليوم المغرب

اخر اخبار المغرب

اخبار اليوم في المغرب

#العالم #والصراعات #العسكرية. #البراغماتية #الاقتصادية #تراجع #في #ميزان #القوى

المصدر – أحدث المستجدات والتحليلات السياسية – Hespress