اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-30 04:00:00
اليوم العالمي للتعايش السلمي، الموافق 28 يناير من كل سنة، يعيد فتح ملف شائك وعميق في المشهد المغربي. ملف لم يعد مجرد قضية عابرة، بل تحول إلى بنية مجتمعية قائمة بذاتها: الهجرة. إن السؤال التقليدي حول ما إذا كان المغرب بلد عبور أم بلد توطين لم يعد كافيا للتعبير عن تعقيدات الواقع. بل إننا أمام مشهد «هجين» يختبر قدرة المجتمع والدولة على إدارة التعددية وقبول الآخر. تتأرجح قراءة مشهد الهجرة في المغرب بين رؤيتين متكاملتين: فبينما يلاحظ عبد الحميد جمور تشكيل “نموذج هجين” يجمع بين استمرار وظيفة العبور وظهور مؤشرات شغل واستقرار اقتصادي ملموس للمهاجرين داخل المدن، يحتفظ حسن بن طالب بهذا التوصيف، معتبرا أن ما يبدو استقرارا هو في جوهره واقع فرض تحت الإكراه نتيجة انسداد المنافذ إلى أوروبا، محذرا من هشاشة التعايش السلمي. لا يزال يحكمه تمثيل “الضيف المؤقت” وهامش ضيق من القبول المجتمعي. مما يجعل من التجربة المغربية ورشة مفتوحة بين الاندماج الواقعي والتحدي القانوني. وفي هذا السياق، أشار عبد الحميد جمور، الباحث في الديناميات السكانية والتنمية جنوب جنوب، إلى أن طرح السؤال في حد ذاته يفرض مقاربة تحليلية معقدة تستحضر الجغرافيا البشرية والجغرافيا السياسية الإقليمية. وتكمن خصوصية الحالة المغربية، حسب رأيه، في الجمع بين خاصيتين متداخلتين وديناميكيتين: المغرب بلد عبور نشيط، وفي نفس الوقت بلد استقرار فعلي ومتنامي. وشدد جمور على أن المجال المغربي لا يزال يؤدي وظيفة محورية ضمن منظومة الهجرة الدولية بحكم موقعه الجغرافي كواجهة متوسطية وأطلسية قريبة بنيويا من أوروبا. ويتجلى ذلك في استمرار محاولات الهجرة غير النظامية عبر مسارات متعددة، من شمال البلاد عبر سبتة ومليلية وساحل البحر الأبيض المتوسط، إلى الجنوب الغربي نحو جزر الكناري من المناطق الجنوبية. وتؤكد هذه المسارات، بحسب الباحث، أن المغرب يظل فضاء عبور ضمن شبكة هجرة عابرة للقارات، تتقاطع فيها التدفقات جنوب جنوب وجنوب شمال. لكن جمور أضاف أن الاقتصار على قراءة المغرب كبلد عبور فقط، لم يعد ينسجم مع التحولات الاجتماعية المكانية الملموسة داخل المدن المغربية. وتكشف المراقبة الميدانية عن تزايد مؤشرات الاستقرار، من خلال اندماج عدد لا بأس به من المهاجرين في الأنشطة الاقتصادية، خاصة في القطاع غير الرسمي، وإنشاءهم لشبكات اقتصادية صغيرة، وحصولهم على الخدمات المصرفية، وإبرامهم عقود السكن والعمل، وهو ما يعكس انتقالهم من منطق العبور المؤقت إلى منطق التوطين الوظيفي والمكاني. ويبرز اللقاء العائلي، في هذا السياق، كأحد أقوى مؤشرات الاستقرار، لأنه يعكس إعادة بناء المشروع الحياتي داخل الفضاء المغربي، وتحول المدن المغربية إلى فضاءات للاستقبال والتفاعل الثقافي، تتشكل فيها أنماط جديدة من التعايش اليومي. ومن الناحية الجيوسياسية، اعتبر جمور هذا التحول نتيجة تقاطع عوامل كثيرة. ومن بين هذه التحديات تشديد السياسات الأوروبية، وإعادة توجيه مسارات الهجرة، واعتماد المغرب لمقاربة إنسانية وتكاملية لإدارة الهجرة، الأمر الذي أعاد وضعه كلاعب إقليمي في إدارة التحركات البشرية. وخلص إلى أن المغرب لم يتحول بشكل نهائي من بلد العبور إلى بلد الاستقرار، بل طور نموذجا هجينا يجمع بين الوظيفتين، وهو نموذج يطرح تحديات حقيقية تتعلق بالاندماج والعدالة المكانية واستدامة التعايش السلمي. في المقابل، قدم حسن بن طالب، الباحث المتخصص في قضايا الهجرة واللجوء، قراءة أكثر تحفظا لمفهوم “بلد الاستقرار”، إذ يرى أن هذا الوصف يبقى موضع نقاش أكاديمي، مشيرا إلى أن معيار الاستقرار يفترض أن السكان المهاجرين يمثلون نسبة كبيرة من الهرم السكاني؛ ولا ينطبق ذلك على الحالة المغربية، حيث لا تتجاوز نسبة المهاجرين، بحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، نحو 0,04 بالمئة. وأشار بن طالب إلى أن قسما كبيرا من المهاجرين المتواجدين بالمغرب يستقرون بالإكراه، بعد أن توقفت آفاق العبور إلى أوروبا، وليس على أساس مشروع هجرة يهدف إلى الاستقرار الدائم. أما بالنسبة للتعايش، فقد أكد الباحث أنه موجود بالفعل. لكنه يبقى تعايشاً هشاً، تحكمه تمثيلات اجتماعية وقوالب نمطية تجعل قبول الآخر مشروطاً ومحدوداً. وأوضح أن هذه المشكلة لا تقتصر على العلاقة بين المغاربة والمهاجرين؛ كما يمتد الأمر إلى العلاقات داخل المجتمع المغربي نفسه، حيث يطرح مسألة القدرة على قبول الاختلاف الثقافي والديني والسياسي. وأشار إلى أن بعض الأحداث الظرفية تكشف عن وجود توترات كامنة، رغم أنها لم تأخذ طابعا عنيفا واسع النطاق. وخلص بن طالب إلى أن الخطاب السائد، خاصة في الفضاء الرقمي، يعكس تصورا يعتبر المهاجر “ضيفا مؤقتا” أو “مواطنا من الدرجة الثانية”، مطالبا بالاندماج بصمت دون المطالبة بحقوقه الأساسية، في ظل غياب نقاش عام حقيقي حول قضايا الهجرة منذ سنوات. وبين هاتين القراءتين، يتبين أن تجربة المغرب في مجال الهجرة والتعايش السلمي هي تجربة معقدة، تتشكل على أرض الواقع، وتتطلب دعما مؤسسيا وأكاديميا متواصلا. وبين من يراه نموذجا هجينا ناجحا ومن يعتبره وضعا انتقاليا محفوفا بالهشاشة، يبقى الرهان الأساسي على ترسيخ التعايش السلمي المبني على الحقوق والواجبات، انسجاما مع قيم هذا اليوم العالمي ومع التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع المغربي.




