اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-02 05:00:00
يحتفل العالم في الأول من يونيو من كل عام باليوم العالمي للآباء، تقديرا لدورهم المحوري في بناء الأجيال ورعاية الأسرة، النواة الأولى للمجتمع. وبمناسبة هذا اليوم، يطرح سؤال مركزي حول منظومة القيم العائلية داخل المجتمع المغربي، الذي عرف منذ زمن طويل بتماسكه وعمق روابطه الدينية والاجتماعية. لكن التحولات الكبرى التي يعيشها المغرب اليوم، خاصة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، تطرح إشكالية جوهرية: إلى أي مدى تأثرت “السلطة الرمزية” للوالدين داخل الأسرة المغربية بهذه التحولات؟ ما هو مصير القيم التقليدية القائمة على الطاعة والاستقامة في مواجهة مصادر التأثير المتعددة داخل المجتمع؟ وفي قراءة لواقع الأسرة المغربية، يقول خالد التوزاني، أستاذ جامعي ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، إن “الأسرة المغربية لم تفقد جوهرها الصلب، لأنها قامت على أساسين: النسب والدين. كما أن بر الوالدين مثلا بالنسبة لنا ليس “عادة”، بل هو فريضة قرآنية جاءت بعد التوحيد مباشرة، وهذا يظهر في أمثلة كثيرة: في رمضان والأعياد، لا نزال نرى مشهد التجمعات العائلية، حيث الأطفال والأعياد” ويجتمع الأحفاد حول مائدة الأب والأم، حتى لو كانوا متزوجين ومستقلين”. ولذلك فإن الأمر يتعلق بطقس ديني اجتماعي يقاوم الفردانية”. وأضاف التوزاني، في تصريح لهسبريس، أن “التحدي هو أن هذه القوة الدينية تتعرض لثلاثة ضغوطات: غلاء المعيشة الذي يؤخر الزواج، وقوة الهاتف الذي يسرق وقت الجلسة العائلية، والخطاب الذي يصور الطاعة قهرا”، لافتا إلى أنه “في الأسرة الممتدة، للأب “سلطة المؤسسة”، وقراراته يؤيدها العم والجد والخال”. لكن اليوم في الأسرة النووية تراجعت سلطة الأب من هيبة القائد إلى هيبة القدوة”. وتابع رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي: “إذا تم استخدام هذا التحول بشكل مفرط فإنه يؤدي إلى إضعاف “السلطة الرمزية” رغم تعزيزها لجانب “السلطة العاطفية”. الأب الذي كان يخشى أصبح صديقا. وتحدث المشكلة عندما لا يملك الأب أدوات الحوار، فيترك فراغاً يملؤه التيك توك والفيسبوك وباقي مواقع التواصل الاجتماعي أو صحبة السوء. وهنا يظهر دور الدين كمرجع: لقد وصف الله العلاقة الزوجية بـ”المودة” والرحمة، التي يجب أن تحكم العلاقة بين الوالدين والأبناء”. وخلص خالد التوزاني إلى أن “قوة تعلق المغاربة اليوم بوالديهم لا تكمن في مظاهر الإحسان إليهم، بل في عمق الإيمان بأهمية استدامة البر في حياة الوالدين وبعد رحيلهم. المجتمع الناجح هو الذي يترجم آية “وبالوالدين إحسانا” إلى أمر أخلاقي قبل أن يصبح مضمونا دينيا أو شرعيا، ويترجم حديث “كلكم رعاة” إلى برنامج تكوين أسري. هكذا نحافظ على الأسرة المغربية باعتبارها حصنا صامدا، وليس مجرد سكن أو معاملة حسنة”. من جانبه، أوضح محمد حبيب، الأخصائي الاجتماعي والباحث في علم النفس، أن “واقع الأسرة المغربية اليوم يمكن قراءته كواقع انتقالي، أي أن الأسرة لم تعد كما كانت من قبل، لكنها في الوقت نفسه لم تفقد جوهرها. فهي تشهد تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية سريعة، مرتبطة بالتحضر، وارتفاع مستوى تعليم المرأة، ودخول المرأة إلى سوق العمل، والهجرة الداخلية والخارجية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على العلاقات داخل المنزل. ولا تزال قيم الرعاية والتضامن والاحترام والشعور بالواجب تجاه الأطفال والآباء ووجود الروابط الأسرية حاضرة بقوة. إلا أن هذه القيم لم تعد تمارس بنفس الطريقة القديمة. في الماضي، كان التضامن الأسري يتم ضمن مساحة واسعة شملت الأجداد والأعمام والعمات والأعمام، أما اليوم فيتم غالبا داخل أسرة صغيرة ذات موارد محدودة”. وأضاف موضحا أن “الانتقال من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية يعد من أهم التحولات التي شهدها المجتمع المغربي، حيث أصبح الوالدان أكثر مركزية داخل المنزل، لأن القرار اليوم غالبا ما يكون في يد الأب والأم وحدهما، دون تدخل واسع من الأسرة الممتدة. لقد تراجعت السلطة الرمزية التقليدية للوالدين، لأن الأطفال اليوم لم يعودوا يتلقون القيم والمعايير من الأسرة فقط، بل من المدرسة والهاتف والأصدقاء والمؤثرين والمنصات الرقمية. ولذلك لم تعد السلطة الأبوية تعتمد فقط على السن أو الحالة أو الأوامر والنواهي، بل أصبحت تتطلب شرعية جديدة. وهذه الشرعية تبنى من خلال الاستماع والحوار والحضور العاطفي والقدوة والعدالة بين الأطفال وضبط الحدود دون عنف أو طغيان”. وذكرت الأخصائية الاجتماعية والباحثة في علم النفس أن “هناك انتقالا من السلطة الأبوية العمودية القائمة على الطاعة إلى السلطة التربوية التفاوضية القائمة على الإقناع والمرافقة. وهذا لا يعني بالضرورة ضعف الوالدين، بل يعني أن دورهما أصبح أكثر تعقيدا، ويتطلب كفاءة نفسية وتربوية أكبر”، مؤكدا “أهمية تعزيز الاستقرار الأبوي وتبني إصلاح قانوني ناجح لا يتحيز ضد الرجل أو المرأة، بل ينحاز إلى الأسرة العادلة والطفل والاستقرار النفسي والاجتماعي”. وحماية الأسرة اليوم «لن تكون بالعودة إلى النماذج الجامدة، ولا بتفكيك كل الضوابط، بل ببناء توازن جديد بين الحرية والمسؤولية، بين الحقوق والواجبات، بين العدالة القانونية والاستقرار الأسري».




