اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-16 02:00:00
وفي قراءة سوسيولوجية نقدية عميقة لواقع التسيير الترابي بالمملكة، حلل الدكتور إدريس أيطلهو، أستاذ علم الاجتماع الترابي بجامعة القاضي عياض بمراكش، تداعيات تجربة الجهوية المتقدمة بعد عقد ونصف من انطلاقتها الدستورية، معتبرا أن المغرب يعيش حالة من “الزمن الضائع” نتيجة الفجوة الكبيرة بين جودة النصوص القانونية وعدم قدرة الممارسة الميدانية على مواكبة الطموحات الكبرى. وشدد أيطالهو، الذي حل ضيفا على برنامج “إيمي ن عغرام” على منصات صحيفة “الأعماق”، على أن دستور 2011 قدم صياغة “جيدة جدا” للجهوية المتقدمة والموسعة. لكن المسار السياسي والإداري منذ العام 2013 شهد تراجعاً في تداول مفهوم «الإقليمية الموسعة» لصالح «المتقدمة» في ظروف معينة. وأوضح أنه رغم صدور ترسانة قانونية مهمة سنة 2014 عملت عليها المجموعات الإقليمية، فإن النتيجة النهائية بعد 15 سنة لا تزال بعيدة عما يطمح إليه المغرب. ويرى الخبير السوسيولوجي أن تأخر قطار الجهوية لم يكن بسبب خلل داخلي بحت، بل أملته سياقات جيوستراتيجية وإكراهات خارجية ضاغطة، بدءا من ملفات الجوار مع الجزائر وتطورات قضية الصحراء المغربية، وصولا إلى تقلبات السياسات الدولية التي لا تأتي دائما بما تشتهي السفن الوطنية، إضافة إلى الكوارث الطبيعية الصادمة مثل زلزال الحوز الذي أنهك جهود الدولة. لكن ايتلاهو يؤكد أن الجهود المبذولة، رغم جسامتها، تظل غير كافية ما لم تقترن بإرادة سياسية حقيقية قادرة على تفعيل المبدأ الدستوري الغائب في الواقع، وهو “ربط المسؤولية بالمحاسبة”. وأوضح أن المحاسبة اليوم تفتقر إلى الجرأة والوضوح، إذ يدعو إلى الانتقال من الأنظمة الجماعية الشمولية إلى “فكر فردي ممنهج” يراد منه مأسسة المساءلة بحيث تحاسب المؤسسة في شخص مسؤولها المباشر وفق ضوابط دقيقة، على غرار النماذج المتقدمة في ألمانيا وإسبانيا وأمريكا، بعيدا عن النسخ الأعمى للنموذج الفرنسي الذي ظل المغرب حبيس فلسفته وعلم اجتماعه منذ عهد الاستعمار. وفي تشخيص دقيق للعلاقة بين السلطة والمنتخبين، كشف أيطلهو عن وجود “غموض قانوني متعمد” يعيق استقلالية القرار المحلي، مشيراً إلى أن الانتقال من السيطرة العشائرية إلى السيطرة عن بعد لم يحرر المجموعات الترابية، بل أبقى المنتخبين في “قبضة الولاة والعمال” الذين يمارسون سلطة فعلية تتجاوز أحياناً إرادة المجالس المنتخبة. وأدى هذا الوضع، على حد تعبيره، إلى إفراغ مبدأ «التبعية» وحرية إدارة محتواها. ورغم أن الدستور ونموذج التنمية الجديد نصا على منح الحرية للإداريين المحليين، إلا أن الواقع يثبت أن الدولة لم تترك للجماعات المساحة الكافية للتحرك بشكل مستقل. وينعكس هذا الالتباس أيضاً في المشهد النضالي، حيث انتقد أيطالهو ازدواجية خطاب بعض الناشطين الذين يرفعون شعارات “مناهضة المركزية”، في حين تتسم ممارساتهم وسلوكهم داخل الأحزاب والجمعيات بالمركزية المفرطة ومعاداة الوحدة الإقليمية بامتياز. ولم يتجاهل أستاذ علم الاجتماع الترابي الجانب المالي الذي اعتبره جوهر الصراع التنموي، إذ سجل غياب الشفافية والعدالة في إعادة توزيع الثروة والمال العام. وضرب مثالا صارخا على الظلم الضريبي الذي يعاني منه سكان المناطق النائية مثل النيف وحسياء، حيث يدفع المواطنون نفس الضرائب التي يدفعها سكان مراكز الثروة مثل الدار البيضاء والرباط، وهو ما يرفضه منطق العدالة الترابية. ودعا في هذا السياق إلى ضرورة إقرار الحوافز والإعفاءات الضريبية لصالح المواطنين في المناطق الجغرافية الهشة لتحقيق توازن حقيقي، مؤكدا أن الخروج من نفق التراكمات السلبية يتطلب شجاعة سياسية للتوجه نحو “دستور جديد” مكتوب بكل وضوح يمنع التفسيرات المعرقلة، ويقطع مع ظاهرة تأخر القوانين التنظيمية التي غاب بعضها منذ سنوات، مؤكدا أن إصلاح القوانين الحالية هو المفتاح الوحيد لتجنب الكوارث الاجتماعية الطبيعية وبناء جهوية حقيقية. ويصالح المواطن مع ترابه.




