اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-25 08:00:00
وفي رواية «Le Pain des Français» الصادرة سنة 2025، تقول الكاتبة الفرنسية من أصل جزائري sais pas vivre «زهرة.. أنت لا تعرفين كيف تموتين، كما لا أعرف كيف أعيش». وهذه العبارة ليست مجرد صياغة أدبية، بل هي المفتاح لفهم القضية برمتها. والمقصود ليس أن الطفلة تجهل الموت، بل أن موتها لم يكن كاملا لأنها لم تدفن بكرامة كإنسانة، وتم حفظها كقطعة في الأرشيف. لذلك، يبدو كما لو أنها حُرمت من الموت الحقيقي، بينما يعترف بأنه غير قادر على عيش حياة كاملة، ما دام هذا الماضي يثقل كاهله ويحرمه من السلام. وهكذا يلمح النص إلى فكرة واضحة: ذاكرة الموتى لا تحفظ بالشعارات بل بالأفعال، ومن لا يستطيع أن يضمد جراح ميته يبقى أسير ذاكرة مجروحة وتاريخ لم يستقر بعد… هذه الصورة الأدبية تقود مباشرة إلى واقع أليم. ويحتفظ متحف الإنسان في باريس بحوالي 500 إلى 536 جمجمة من أصل جزائري، تعود نسبة كبيرة منها إلى القرن التاسع عشر، زمن الاحتلال الفرنسي، حيث كانت رؤوس بعض الموتى تؤخذ أحيانا كغنائم حرب أو مواد للدراسة. الأنثروبولوجيا في سياق النظريات العنصرية في ذلك الوقت. وعادت القضية إلى الواجهة عام 2011 عندما كشف الباحث الجزائري علي فريد بلقاضي عن وجود جماجم لمقاومين ضمن مقتنيات المتحف. وأطلق عرائض ودراسات أعادت القضية إلى الجدل الأكاديمي والإعلامي. ثم تم تعزيز الضغط من خلال الحملات الجامعية وحقوق الإنسان. ومن بينها عريضة عام 2016 وقعها نحو 30 ألف شخص، وتصريحات لمؤرخين تطالب بإعادة الرفات ودفنها بكرامة. وتحت هذا الضغط تحرك المسار السياسي. وفي ديسمبر 2017 أبدت فرنسا استعدادها لإعادة الجماجم في إطار ما يعرف بالفرنسية باسم travail de mémoire (ملف الذاكرة)، وتقدمت الجزائر بطلب رسمي عام 2018. وبعد تشكيل لجنة علمية مشتركة، أُعلن في 3 يوليو 2020 عن نقل 24 جمجمة إلى الجزائر في حفل رسمي حضره كبار المسؤولين، وسط طقوس احتفالية جسدت أقصى درجات التبجيل والتقديس. تقديس. وتم استقبال النعوش ملفوفة بالأعلام وحملها حرس الشرف العسكري، مع إطلاق إحدى وعشرين طلقة مدفعية، فيما كان سرب من الطائرات يحلق فوق المطار. ثم عُرضت في قصر الثقافة قبل أن يتم دفنها في 5 يوليو – عيد الاستقلال – في ساحة الشهداء بمقبرة العالية كرفات “أبطال المقاومة الشعبية”. ومن الأسماء التي تم الترويج لها شخصيات تاريخية مثل الشيخ بوزيان قائد ثورة الزعاطشة عام 1849، والشريف بوبغلة، وغيرهما من رموز انتفاضات القرن التاسع عشر. لكن صورة هذه الأجواء الاحتفالية اهتزت بعد عامين فقط، حيث كشفت تحقيقات صحفية دولية عام 2022 أن الصورة كانت أكثر تعقيدا، إذ ذكرت صحيفة نيويورك تايمز (17 أكتوبر 2022) أنه “تم التعرف بوضوح على ست فقط من الجماجم المعادة على أنها مقاتلين مقاومين”. أما البقية فهي غير مؤكدة أو من أصول غامضة، بينهم أسرى وثلاثة جنود جزائريين خدموا في الجيش الفرنسي”، مضيفة أن كل تلك الجماجم لا تزال من الناحية القانونية ملكا لفرنسا رغم تسليمها، وأن الحكومتين لم تعلنا عن هذه التفاصيل علانية في وقت كانتا تسعيان فيه لجني مكاسب دبلوماسية من العملية، وأكدت لوموند (21 أكتوبر 2022) بدورها أن “رفات ثلاثة مساعدين في الجيش الفرنسي دفنت في الجزائر مع مقاتلي المقاومة”. فيما خلصت صحيفة لاكروا (18 أكتوبر 2022) إلى أن “ستة فقط من الجماجم المستردة كانت لمقاتلين مقاومين”، مشيرة إلى أن من بينها “لصان مسجونان وثلاثة جنود مشاة جزائريين خدموا فعلا في الجيش الفرنسي في وحدات الرماة (tirailleurs) والزواف التي كانت في خدمة الاستعمار”. ووصل الجدل إلى مؤسسات القرار في فرنسا نفسها، حيث وجهت السيناتور كاثرين موران دوساي انتقادات صريحة في مجلس الشيوخ لسلامة الإجراءات والطبيعة القانونية للعملية، متسائلة عن سبب اعتماد صيغة “الإيداع” بدلا من “التعافي” ومدى اكتمال التحقق العلمي من الهويات ودور البرلمان في مراقبة مثل هذه الملفات الحساسة. أبرزت المناقشة أن الجماجم لم يتم انتشالها بشكل قانوني؛ بل تم إيداعها في الجزائر بعد تشكيل لجنة مشتركة استمرت 18 شهرا وحددت 24 جمجمة يمكن تسليمها من أصل 45. لكن السيناتور علق بأن الإلحاح الدبلوماسي أوقف عمل اللجنة العلمية واستبعد البرلمان ووزارة الثقافة، مطالبا بإعادة تنظيم الملف على أسس قانونية وعلمية واضحة. ومن هنا برز البعد القانوني باعتباره الحلقة الحاسمة في القضية. ووفقا للقوانين الفرنسية المتعلقة بالمجموعات الوطنية، لا يمكن نقل ملكية الرفات بشكل دائم إلا بموجب قانون يصوت عليه البرلمان. ولذلك تم تسليم الجماجم على شكل وديعة مؤقتة لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، دون عودة نهائية. وضع القانون الفرنسي رقم 1251-2023، الصادر في 26 ديسمبر 2023، إطارًا عامًا لإعادة الرفات البشرية الموجودة في المجموعات العامة، ويتطلب تقديم طلب رسمي محدد وإثبات علمي. وهو ما جعل أي عملية جديدة رهينة ملفات موثقة، وليس مجرد مبادرات رمزية. أما آخر المعطيات حتى بداية 2026، فتؤكد أن النظام الجزائري لم يتحرك، وأن القضية لا تزال في حالة من الركود، إذ لم تشهد عودة جماعية جديدة منذ 2020. وأشعلت رواية لوكلير 2025 الجدل من جديد، خاصة أنها أعادت إلى الواجهة قصة الجمجمة الحقيقية التي ألهمت الشخصية الرمزية “الزهرة”، بالتوازي مع حملات وعرائض مدنية تطالب بإعادة رفات جزائريين مجهولين. تجمع احتجاجي نظمته الجالية الجزائرية بباريس يوم 15 فبراير 2026 للمطالبة بإعادة كافة الجماجم. كما دعت شخصيات سياسية فرنسية، مطلع عام 2026، إلى العودة الشاملة للبقايا والممتلكات الثقافية كخطوة أولى نحو توطين الذاكرة. لكن الردود الرسمية تشير إلى عدم وجود طلب جزائري تفصيلي محقق للشروط العلمية المطلوبة بعد قانون 2023؛ بينما يصر المتحف على أن أي إعادة إضافية إلى الوطن تتطلب ملفات دقيقة وتحليل الأدلة. وهكذا، يتبين أن القضية لم تكن مجرد حكاية جماجم مخزنة في متحف؛ بل هو اختبار واضح لمصداقية نظام يرفع راية «المبادئ الثورية» ويلجأ إلى تضخيم ذكرى الشهداء وتضخيم أعدادهم، حتى ظهر -على ضوء ما كشفته تحقيقات الصحافة العالمية- عاجزا حتى عن التحقق من الذين كرموهم، عندما تحولت مراسم التأبين المهيبة إلى مشهد بائس اختلطت فيه رفات من وصفوا بالأبطال بآخرين قيل إنهم مجهولو الهوية أو خدموا في صفوف الاستعمار! والسؤال هنا لا يتعلق فقط بالذاكرة؛ بل يتعلق الأمر بشرعية من يدعي تمثيله والتحكم في روايته…!




