اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-15 08:00:00
في صباح 4 فبراير 2026، في واحة إيش المغربية على الحدود مع الجزائر، استيقظ السكان على مشهد مليء بالدلالات الرمزية، عندما اقتحمت عناصر من الجيش الجزائري الحقل الزراعي للسكان، وأطلقوا الرصاص في الهواء، حاملين أجهزة قياس وعلامات ميدانية، وشرعوا في تركيب حجارة مطلية لتحديد مواقع جديدة على أرض يعرفها أهلها شبرًا شبرًا، ويرثونها كما يرثون أسمائهم وذكرياتهم. إن ما حدث، في نظر الناس، لم يكن مجرد تحرك روتيني على خط حدودي، بل عمل استفزازي يستحضر تاريخا طويلا من التوترات، ويصدم ضمير منطقة كانت في الماضي حاضنة للمقاومة الجزائرية، عندما كانت هذه الأحياء ملجأ للجرحى وممرا للسلاح ومخزنا للمؤن وملجأ للفارين من بطش الاستعمار الفرنسي. ولا يمكن فصل هذا الحدث عن سياقه العام، فهو حراك استعراضي خال من المضمون الاستراتيجي، يهدف إلى الاستفزاز وخلق التوتر أكثر من تحقيق أي مكسب حقيقي على الأرض، خاصة في ظرف دولي وإقليمي يواجه فيه النظام الجزائري ضغوطا متزايدة تتعلق بملف الصحراء، وهو الملف الذي استنزف موارد هائلة على مدى عقود من الزمن دون تحقيق النتائج التي اعتمد عليها. ومن هنا، فإن هذه التحركات تفهم على أنها محاولة لخلق مشهد حدودي متوتر سيستغله إعلاميا، وليس تحركا عسكريا محسوبا، لأن المملكة المغربية تدرك طبيعة هذه المناورات وتتعامل معها بدرجة عالية من الانضباط الاستراتيجي. إنها مستعدة للدفاع دون تردد، لكنها أذكى من أن تنجر إلى استفزازات تكتيكية منعزلة. حادثة قصر العش ليست صدفة، بل هي حلقة جديدة في سلسلة تاريخية طويلة من الأعمال العدائية التي اتسمت بالغدر الجزائري مقابل الدعم المغربي اللامشروط. ومنذ سنة 1844، دفع المغرب ثمن موقفه الداعم للمقاومة الجزائرية بقيادة الأمير عبد القادر، عندما واجهت الجيش الفرنسي في معركة إيلاي يوم 14 أغسطس من ذلك العام. لقد كانت مواجهة غير متكافئة انتهت بهزيمة عسكرية أعقبتها ضغوط قاسية وقصف للمدن المغربية وفرض معاهدة للا مغنية في 18 مارس 1845، التي رسمت حدودا غامضة وقيدت دعم المغرب للمقاومة، مما جعل تلك اللحظة راسخة في الذاكرة الوطنية المغربية كدليل مبكر على تحمل المغرب ثمن الدماء والتراب دفاعا عن الجزائريين قبل أن تولد الجزائر الحديثة نفسها. وتتكرر الصورة بعد قرن من الزمان، وأثناء حرب تحرير الجزائر بين عامي 1954 و1962، لم يكن المغرب مجرد جار متعاطف، بل كان قاعدة خلفية حقيقية للثورة: فقد فتح حدوده لعبور الأسلحة، واستضاف معسكرات التدريب، وعالج الجرحى، واستقبل اللاجئين، كما استخدم دبلوماسيته للدفاع عن استقلال الجزائر. وفي أبريل 1958، استضافت طنجة مؤتمرا تاريخيا جمع زعماء المغرب العربي الذين أعلنوا تأييدهم لتحرير الجزائر. وفي ذروة التوتر الدولي آنذاك، أدان الملك محمد الخامس علنا التجارب النووية الفرنسية التي أجريت في الصحراء الجزائرية، بدءا بتفجير الجربوع الأزرق برقان في 13 فبراير 1960، ثم التفجيرات اللاحقة في نفس الموقع، ثم تجارب عين إيكر ابتداء من نوفمبر 1961، معتبرا تلك التجارب خطرا على الإنسانية وعلى المجال المغاربي برمته، رافضا تحويل أرض الجزائر إلى مختبر للإشعاع. وسجلت المراسلات الدبلوماسية والمواقف الرسمية احتجاج المغرب على هذه التفجيرات، تلتها أزمة دبلوماسية بين المغرب وفرنسا. وفي ما يتعلق بقضية الصحراء الشرقية، تشير الشهادات التاريخية إلى أن فرنسا، في عهد شارل ديغول، أبدت استعدادها لمراجعة وضعية بعض المناطق الحدودية التي كانت قد ضمت إلى الجزائر الاستعمارية مقابل تخفيض المغرب دعمه للثورة الجزائرية أو التفاوض المباشر معها. لكن الملك محمد الخامس رفض أي ترتيب من هذا النوع، مفضلا أن تحل القضية لاحقا في إطار التفاهم الأخوي مع قادة الجزائر المستقلة، بدلا من أن يكون ذلك على حساب نضال شعبها. وتم التوصل إلى اتفاق بين المغرب ورئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة آنذاك فرحات عباس، تضمن الاعتراف بوجود مشكلة حدودية موروثة من عهد الاستعمار، والتعهد بمناقشة تسويتها بعد الاستقلال. لكن مباشرة بعد استقلال الجزائر عام 1962، تمسكت القيادة الجزائرية الجديدة بمبدأ الحدود الموروثة عن الاستعمار، وهو ما شكل تراجعا عن الاتفاقيات السابقة. ثم تصاعد التوتر سريعا إلى مواجهة عسكرية في خريف 1963، حيث اندلعت حرب الرمال ابتداء من 8 أكتوبر، بعد مناوشات سابقة بدأها الجانب الجزائري. وتركزت الاشتباكات في المناطق الحدودية، بما فيها حاسي البيضاء وتنجوب، قبل إعلان وقف إطلاق النار في 5 نوفمبر 1963، رغم تفوق الجيش المغربي، دون إراقة الدماء. وتلقت الجزائر خلال تلك الحرب دعما عسكريا من أطراف خارجية، من بينها مصر وكوبا، التي أرسلت مئات الجنود مع المعدات العسكرية، فضلا عن دعم سياسي ولوجستي من المعسكر السوفييتي. ثم جاء حدث 18 ديسمبر 1975، يوم عيد الأضحى، ليترسخ في الذاكرة المغربية كأحد الفصول الأكثر إيلاما، عندما تم ترحيل آلاف المغاربة قسرا من الجزائر، خلال أيام قليلة، فيما عرف بالمسيرة السوداء، تاركين وراءهم ممتلكاتهم وأحيانا أفراد أسرهم. ولا يزال هذا الحدث حاضرا في الضمير الجماعي، كجرح إنساني عميق، يتجدد كلما طرح موضوع الثقة بين البلدين. ومنذ ذلك التاريخ، مرت عدة مراحل من القطيعة والتوتر: نزاع الصحراء المغربية منذ عام 1975، وإغلاق الحدود البرية عام 1994، ثم قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغسطس 2021. إلا أن مجمع الصحراء يمثل قلب هذا المسار ومفتاح تفسيره. ومنذ انسحاب إسبانيا عام 1975، جعلت الجزائر من هذه القضية محور سياستها الخارجية. واحتضنت جبهة البوليساريو على أراضيها، وأعطتها قواعد خلفية، وزودتها بدعم سياسي ودبلوماسي وعسكري واسع، وحشدت لها منصات دولية، ووجهت لها إمكانات مالية ضخمة على مدى عقود. ووصف الرئيس الجزائري نفسه حجم الأموال التي أنفقت في هذا السياق بـ”أموال قارون”، في إشارة إلى حجم الموارد المخصصة. ولم يكن هذا الاستثمار الضخم أبدا تضامنا أوليا، بل كان خيارا استراتيجيا طويل الأمد استنزف قدرات الدولة الجزائرية وأموال شعبها في صراع خارجي، وجعل من قضية الصحراء أولوية ثابتة في سياستها الخارجية. ومن هنا يمكن اعتبار أن تصلب الموقف الجزائري كلما اقترب الملف من مراحل الحسم ليس إلا انعكاس لحجم الرهان الموضوع عليه منذ نصف قرن. ولعل المشهد الأبرز الذي يشير إلى اختلاف النوايا في العلاقة بين المغرب والجزائر هو المقارنة الرمزية بين موقفين يفصل بينهما أكثر من نصف قرن: في 9 ديسمبر 1957، كان الملك محمد الخامس يدافع عن استقلال الجزائر في خطابه بالأمم المتحدة ويطالب بإنهاء الاستعمار عنها، بينما نجد حاليا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في خطاباته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، يؤكد دعم بلاده لأطروحة انفصال الصحراء عن الصحراء. المغرب! ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الإرث المشحون بالتوترات، يظل المغرب ملتزما بخيار اليد الممدودة. وتكررت دعوات الملك محمد السادس الصريحة لفتح صفحة جديدة مع الجزائر، حيث دعا إلى طي صفحة الماضي وإجراء حوار مباشر وصريح وإعادة فتح الحدود وإطلاق تعاون ثنائي شامل. وهذا التوجه يظهر في الرؤية المغربية، ليس كمجاملة دبلوماسية، بل كخيار استراتيجي حازم يقوم على القناعة بأن مستقبل المغرب الكبير لا يمكن بناؤه إلا من خلال التفاهم بين البلدين. وهكذا، فإن العلاقة مع الجزائر لا تبدو وكأنها مجال خلاف سياسي ظرفي، بل هي مسار تاريخي غير متوازن: دعم تاريخي وتضامن باهظ الثمن، يقابله الجحود والقطيعة المستمرة. وحادثة العش دليل على أن الأزمة ليست قضية حدودية عابرة بقدر ما هي أزمة بنيوية متجذرة في طبيعة خيانة النظام الجزائري ومذهبه العدائي تجاه المغرب. تشير الأبحاث في العلوم المعرفية إلى أن بعض الخصوم يميلون إلى المخاطرة في مواجهة الفشل، أو أن الخصم الذي يواجه خطر احتمال اندلاع أزمة داخلية قد يعتبر أن البدء بالهجوم أكثر أمانا… إلا أن الخطاب المغربي لا يزال يصر على أن اليد التي مددت الدعم لا تزال ممدودة للحوار، وأن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على الرد، بل بقدرتها على ضبط النفس في مواجهة الاستفزاز مع اليقظة والاستعداد الكاملين. وهذا نهج استراتيجي يعتمد بالطبع على قوة الردع والمدى الواقعي للردع. *أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء




