اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-23 07:00:00
عندما تبيع المنصات ما تبقى من العقل، أي بطولة هذه التي تقيس الشجاعة بعدد الإعجابات، وتزن الكرامة بمقياس الرعاة؟ أي عبقرية هذه التي تحول الهاتف إلى مكتب وساطة، والصفحة إلى واجهة منافقة، والضمير إلى زر تشغيل وإيقاف؟ فهل بدأ بعضهم بفتح الكاميرا كما يفتح البائع بالمزاد كتيب المزاد: من يرفع السعر أولا، ومن يشتري الصمت التام، ومن يحجز جرعة المديح بخدمة التبرير المجانية؟ فكيف أصبح الحديث كثيرا والفكرة نفسها دخلت المجلس مرتجفة وغريبة ولم تتعرف على أحد؟ فمن قال إن كثرة الوجوه تعني الحضور، وإن كثرة التعليقات تعني التأثير، وأن التألق يمكن أن يستر هذا الخراب الذي يلتهم الذوق والثقة معًا؟ كل شيء وارد..حتى العدم. تنمو قنوات اليوتيوب هذه الأيام كما ينمو الفطر بعد هطول أمطار مشبوهة. لا أحد يعرف مصدرها، ولا ما الذي يغذيها. في كل دقيقة يظهر “صانع محتوى” جديد، يخرج من الفراغ وهو على يقين تام بأنه جاء ليغير العالم، أو على الأقل ليقنعك بأن طريقة تقشير البطاطس تحتاج إلى مراجعة عاجلة. في هذا العالم الموازي، لا تحتاج إلى معرفة حقيقية، بل تحتاج إلى قدر كافٍ من الجرأة للتحدث بثقة عن أي موضوع. من فيزياء الكم إلى تربية السلاحف، إلى تحليل العلاقات الرومانسية للمشاهير التي لا يعرفها أحد. المفارقة لا تكمن في كثرة هذه القنوات وحدها، بل في هذا التشابه المقلق بينها: نفس العناوين، ونفس المشاعر، ونفس الدهشة المصطنعة التي تجعلك تعتقد أن كل فيديو يقدم اكتشافا استثنائيا. ويزداد المشهد سخافة عندما يتحدث الجميع عن «صناعة المحتوى» وكأنها حرفة قديمة تقوم على مبادئ دقيقة وأخلاقيات راسخة، رغم أن الأمر في كثير من الأحيان ليس أكثر من إعادة تدوير مساحة فارغة إلى قالب لامع، مصحوبة بموسيقى مثيرة وصورة مصغرة تصرخ في وجهك: «لن تصدق ماذا سيحدث بعد ذلك!» المفارقة هي أنك تصدق ثم تضغط ثم تندم ثم تضغط مرة أخرى. إنها غابة رقمية لا يُخصص فيها المكان للأكثر حكمة، بل للأكثر ضجيجًا. ومع ازدياد الضجيج، تراجع المعنى، حتى أصبح الصمت نفسه موضوعاً نادراً يتطلب شرحاً طويلاً في فيديو مدته عشر دقائق، تتخلله إعلانات ورسائل شكر لرعاة لا علاقة لهم بالموضوع. هكذا تنمو قنوات اليوتيوب: ليس كأشجار مثمرة، بل كطحالب ذكية تتشبث بكل سطح، وتتوسع بسرعة، وتمنح المتلقي إحساساً زائفاً بالحياة، رغم أنها في أعماقها ليست سوى تكرار مصقول للعدم. منصة الأكاذيب اليومية التي كان من المفترض أن تكون فيها مواقع التواصل الاجتماعي مساحة للتعبير وتبادل المعرفة، تحول بعضها إلى ما يشبه “سوق سوداء” للكلام: بضائعهم إشاعات، وعملتهم ضجيج، وتجارهم مؤثرون مهنتهم نفخ الفراغ، وتلميع الوجوه بأنفسهم، وخدمة المقربين منهم والمقربين منهم بإخلاص يثير الشفقة أكثر من الاحترام. وقد بدأ بعضهم يستيقظ صباحاً ليسأل: ماذا سنقدم للشعب؟ ولكن: من سنتألق اليوم؟ من سنهاجم؟ ما هي الكذبة المناسبة لإثارة التفاعل؟ ببساطة، تحولت صفحات كاملة إلى مسارح رخيصة، أبطالها مهرجون بوجوه واثقة، يبيعون الأوهام على شكل «أخبار عاجلة». أما جمهورهم فيتعامل معه وكأنه قطيع ذو ذاكرة قصيرة، يبتلع كل شيء: الأكاذيب والتلميحات والاغتيالات الأخلاقية وحملات التشهير، ثم يطلب المزيد. لا توجد احترافية يجب احترامها، ولا ضمير يستشيره. المهم أن يبقى الاسم متداولاً، والصورة مشرقة، وكأننا أمام مجتمع تعاوني لتبادل المصالح، وليس منصات من المفترض أن تخاطب الرأي العام. الأشخاص الذين يتحدثون كثيرًا عن “الجرأة” هم في الواقع الأكثر خضوعًا والأكثر استقلالية. إنهم لا يصنعون المحتوى، بل يخلقون الضباب. إنهم لا ينقلون الوعي، بل يوزعون سموما اجتماعية مغلفة بابتسامات مصطنعة وشعارات فارغة. بعض «المؤثرين» أصبحوا مثل سماسرة الأخلاق: يتغذىون على الفضائح، ويعيشون على المبالغة في التافهة، ويجيدون الانحناء لكل مؤثر، ثم يخرجون على الناس بوجه الداعية الصادق. عندما يرتدي العبثون القناع الإعلامي بهذا الشكل، أصبحت بعض هذه الصفحات متخصصة في نشر الكلام العبث وتحويل الكذب إلى انتهازية، والتملق إلى خط تحريري ثابت. وهذه ليست مجرد إهانة للمهنة أو الكلمة، بل هي إهانة مباشرة لعقول الناس. لم تعد المشكلة في أن بعض الصفحات تنشر الشائعات، بل في تعاملها مع الكذب وكأنه «خطة عمل» ذات أهداف ومؤشرات أداء. هناك من لا يملك مشروعاً ولا فكرة ولا قضية، لكن لديه أنفاً استثنائياً يشم فيها المصلحة، ثم يهرع إليها كما يندفع المتسول إلى طاولة الولائم ليسأل: كم سأحصل إذا أحسنت الإنفاق؟ وبعض هؤلاء الأشخاص لا يمكن حتى وصفهم بالمؤثرين، لأن التأثير يتطلب وجود المحتوى، ومضمونهم الوحيد هو الفراغ المغلف بالوقاحة. إنهم مجرد أبواق متحركة، وجوههم مصقولة، ولغة متعالية، وأخلاق مطاطية تتسع وتنكمش حسب اسم المستفيد؛ فإذا كان من «المقربين» أصبح ملاكاً نازلاً من السماء، وإذا كان خارج الدائرة تحول فجأة إلى خائن وفاسد وعدو للنجاح. الأمر الأكثر إثارة للاشمئزاز هو أن بعض هذه الصفحات لا تروج للمستوى المتوسط فحسب، بل تخلق أيضًا مكانة خيالية لنفسها. إنه يرفع التافه إلى مقام الخبير، والمنجز إلى مقام المناضل، والانتهازي إلى مقام الإنسان الناجح والملهم. وهناك أيضاً نوع آخر أكثر انحطاطاً: ذلك الذي يتظاهر بأنه ضد الفساد وهو في الحقيقة مجرد صاحب سلطة ذو لهجة أخلاقية. يصرخ كثيراً عن القيم، حتى يرن هاتفه من النافذة، فيبتلع صوته دفعة واحدة، ثم يعود إلينا في تدوينة طويلة عن «ضرورة الصبر» و«عدم الانجرار إلى الأحكام». سبل العيش الرقمية في خدمة الرداءة. وآخرون حولوا الفضاء الرقمي إلى مزرعة دواجن بشرية: يوزعون العلف على متابعيهم على شكل منشورات غاضبة، فيسارعون إلى النقر والسب والتصفيق وإعادة تدوير المنشور نفسه رأيا وتحليلا. لا أحد يقرأ، لا أحد يتحقق، لا أحد يفكر. والأسوأ من ذلك أنهم لا يخجلون من تعرضهم. يكذبون اليوم، ويناقضون أنفسهم غداً، ثم يخرجون بعد أسبوع بوجه خبير استراتيجي يشرح للناس «ما يجري خلف الكواليس»، وكأن فقدان الكرامة أصبح من متطلبات الوظيفة. ولا يتمتعون بالاستقرار في مراكزهم، لأن المركز بحد ذاته يعتبر سلعة موسمية بالنسبة لهم. ويختلف وفقا للجهة الدافعة ومبلغ الفائدة. بصراحة، لم تعد الكثير من هذه الصفحات تستحق أن توصف بالإعلامية: فهي شبكات خدمية سيئة، تعمل وفق نظام المصالح، وتقدم نفسها على أنها صوت الشعب، في حين أنها في الواقع صوت الأروقة الخلفية والصفقات الصغيرة والتحالفات التي تعيش في الظل فقط. ولذلك فهي لا تبحث عن الحقيقة، لأن الحقيقة تفضحها، ولا تحترم الجمهور، لأن الجمهور بالنسبة لها مجرد أرقام ترفع السعر عند التفاوض. الخوارزمية التي تخلق الأوهام. ثم هناك صانع المحتوى الذي يبيع التافه بذكاء ويحوله إلى مشروع مربح. إنه يعرف خوارزميات الشهرة أفضل من غيرها لأنها تمكنه من جذب الانتباه بنفس الطريقة التي يرتب بها التاجر ذو الخبرة واجهة متجره: الألوان الزاهية، والعناوين الاستفزازية، والضحك السريع، والصدمة المحسوبة، ومن ثم لا يكاد يجد المتلقي أي شيء خلف الزجاج. لا ينتج هذا النموذج محتوى بقدر ما ينتج مواد سهلة الاستهلاك. فهو يزن الجملة بميزان المشاهدات، ويقيس المعنى بمسطرة التفاعل، ويعتبر التصفيق الرقمي دليلاً على الجودة، وكأن تزاحم الحشود حول شيء ما يكفي لإعطائه قيمة حقيقية. يعرف متى يبالغ، ومتى يرد، ومتى يغطي السطحية بثوب «الخفة»، ثم يخرج للناس بمظهر الخبير، بينما في الواقع لا يلعب إلا دور الموظف اللامع في شركة اسمها الاهتمام. يحسب كل شيء بعناية: نبرة الصوت، ومدة الصمت، وزاوية الوجه، ولحظة الاستفزاز، وجرعة العلاقة الحميمة المصطنعة. والمفارقة الساخرة هي أن هناك الكثير من الحديث عن «التأثير»، لكنه لا يترك سوى ضجيجًا مصقولًا. وهو يستفيد من «اقتصاد التفاهة» لأنه يفهم قاعدة السوق جيداً: «لا تعطوا الناس ما ينفعهم، أعطوهم ما يحرك أصابعهم». مشكلته ليست في السعي إلى النجاح، فالنجاح هدف مشروع. مشكلته الوحيدة تكمن في أنه خفض القيمة إلى الشعبية، حتى أقنع نفسه بأن من يحصل على مشاهدات كثيرة يستحق قيمة كبيرة. هنا تصل الابتذال إلى ذروتها: صانع محتوى يبيع الفراغ بمهارة، ثم يتصرف وكأنه بنى حضارة بأكملها، فقط لأن الخوارزمية ابتسمت له. القناع الذي ظن أنه وجه. فهل إلى هذا الحد بدأ البعض يخلط بين التأثير ورفع الصوت، وبين الحضور واحتلال الشاشة، وبين القيمة وحسن استخدام المؤثرات؟ هل نحن حقا بحاجة إلى خبير ليشرح لنا كل مساء كيف نصدق من كذب علينا في الصباح؟ فهل يظن بائع الضجيج أنه كلما غلف الرداءة بورقة لامعة أصبحت هدية فكرية؟ أو ربما صدق أخيراً أن القناع وجه، وأن الصدى رأي، وأن كثرة المتابعين هي شهادة كفاءة؟ إلى أين يذهب المجتمع الذي يستهلك الضجيج ويكافئ حب الظهور أكثر من الصدق؟ دعونا نتأمل؛ وإلى حديث آخر.




