اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-14 14:00:00
فاطنة لويزة – الكود // اليوم تفصلنا أشهر قليلة عن الانتخابات، والأحزاب السياسية تستعد لتقديم برامجها الانتخابية للمغاربة. وهذه البرامج، من حيث المبدأ، هي عقد واضح بين الأحزاب والمواطنين. عقد لنقول للناس: هذه وعودنا، هذه هي الحلول التي نقترحها للمشاكل التي يعاني منها البلد، وهذا ما سندافع عنه ما لم نصل إلى مراكز القرار. لكن السؤال المطروح اليوم هو: كيف تجيب هذه البرامج حقا على الأسئلة الحقيقية التي يعيشها المغاربة كل يوم؟ والواقع أن لدى المغاربة عشرات الأسئلة التي تطرح يوميا في المجال الاجتماعي والاقتصادي. أسئلة حول العمل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والسكن والعدالة بين المناطق والمناطق. أسئلة تهم حياة الناس اليومية، وحتى إحساسهم بالكرامة والعدالة. والمشكلة هي أن العديد من هذه الأسئلة ظلت لسنوات طويلة دون إجابات سياسية واضحة ومقنعة. ومع الوقت لا يبقى شيء. أسئلة اجتماعية، بل تحولات إلى احتجاجات ومطالب سياسية. خرجت المطالب في موجات مختلفة من الحركات الاجتماعية التي عرفها المغرب، وآخر تعبير عنها هو أنه حتى السجالات والاحتجاجات التي تبناها البعض هي ما أصبح يسميه البعض بحركة الجيل Z، حيث بدأ بعض الشباب يعبرون عن غضبهم مباشرة في الشارع، أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي… من هنا يتبين أن المغرب ليس أمام موعد انتخابي عادي، بل أمام لحظة سياسية واجتماعية مهمة.. لحظة تطرح سؤالا كبيرا.. هل المؤسسات السياسية قادرة فعلا على استيعاب التحولات التي يعيشها؟ المجتمع… والشارع – الزقاق، الشارع، الدوار، الحومة – لم يعد مساحة بديلة للتعبير السياسي والاجتماعي. اليوم، يمكن لأي متابع للمشهد الاجتماعي والسياسي في المغرب أن يلاحظ بسهولة أن أسلوب الاحتجاج تغير بشكل ملحوظ وواضح في السنوات الأخيرة. ولم يعد الاحتجاج عملاً يتم في كثير من الأحيان داخل الأحزاب والنقابات والجمعيات، بل يظهر أكثر من خلال الحركات الاحتجاجية المستقلة. التنسيق الفئوي (التعليم – طلاب الطب – الممرضون) والمبادرات الشبابية كتلك المتولدة مباشرة من الشارع أو من الفضاء الرقمي.. هذا التحول ليس أكثر من تغيير في الشكل، بل تعبير عن تحول أعمق في العلاقة بين المجتمع والسياسة.. بمعنى آخر، يشهد المغرب اليوم تحولا تدريجيا من “الاحتجاج المؤطر” إلى “الاحتجاج المستقل”… الذي يستمد شرعيته مباشرة من الميدان، ولم تعد لديه فرصة وساطة أحزاب أو نقابات أو حتى جمعيات للتعبير عن هذه المطالب… ولكي نفهم هذا التحول، علينا أن نعود قليلا إلى تاريخ الاحتجاج في المغرب. عرفت البلاد تاريخا طويلا من الحركات الاجتماعية، منذ الانتفاضات الحضرية في الثمانينيات والتسعينيات المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة، حتى وصلنا إلى نقطة 20 فبراير.. وكانت هذه الحركة لحظة سياسية حاسمة في تاريخ المغرب الحديث. وخرج آلاف الشباب إلى الشوارع في العديد من المدن رافعين شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد. ورغم تراجع زخمها مع مرور الوقت، إلا أنها كان لها تأثير كبير على الثقافة الاحتجاجية لدى الشباب، لأنها أكدت فكرة أن الشارع/الزقاق/الميدان يمكن أن يكون مساحة للتعبير السياسي المباشر… بعد هذه المرحلة، ظهرت موجة أخرى من التحركات، لكن هذه المرة ذات طابع محلي قوي… وأبرز مثال عليها احتجاجات الريف… التي انطلقت من حادثة مأساوية لكنها سرعان ما تحولت إلى حراك اجتماعي واسع يطالب بالتنمية والمستشفى والجامعة والخدمات الأساسية… كما عرفت مدينة جرادة باحتجاجاتها الاجتماعية القوية. حيث خرج الناس احتجاجا على البطالة والأوضاع الاقتصادية الصعبة بعد إغلاق مناجم الفحم.. أو طره أو سفار أو زاكورة أو خريبكة، كلها مناطق نظم فيها عرفات احتجاجات ضد مطالب محددة.. كشفت هذه التحركات عن أحد التحولات الاجتماعية المهمة للاحتجاج، فالمغرب لا يولد في المدن الكبرى فحسب، بل يخرج من “الهامش”، من المدن الصغيرة والوديان والمناطق التي تشعر أنها بعيدة عن اتخاذ القرار والتنمية.. لكن التغيير هو لا يحدث.. المكان… وحتى طريقة التنظيم… في كثير من الحركات الجديدة لم يعد هناك تنظيم كلاسيكي له قيادة مركزية واضحة… بل ظهرت تنسيقيات ولجان محلية تعمل بشكل أفقي ومرن، ويتم اتخاذ القرارات فيها بشكل جماعي… وهذا النوع من التنظيم يمنح الحركات الاحتجاجية مرونة كبيرة، ويجعلها أقل عرضة للاحتواء السياسي، كما هو معروف… لأن المتظاهرين لم يعودوا قادرين على رؤية أحزاب عسكر أو ابن كيران أو بن عبد الله أو أوزن أو حتى منيب أو وغيرها.. والنقابات مرجعية ضرورية للتعبير عن مطالبهم. بل يرون أن الشرعية تأتي مباشرة من الشارع/الميدان.. وفي الوقت نفسه لعب التقدم الرقمي دورا كبيرا في هذه التحولات. المواقع الاجتماعية ليست مساحة أساسية للنقاش والتعبئة العامة. فيديو أو هاشتاغ واحد يمكن أن يشعل جدلا وطنيا كاملا في فترة قصيرة، ويحول قضية محلية بسيطة إلى موضوع يثير الرأي العام كله. ولكن على الرغم من قوة التعبئة الرقمية هذه، فإنها يمكن أن تكون سريعة وقصيرة الأجل. لأن الاحتجاج الذي يستمر فعلياً يحتاج إلى تنظيم ميداني، وملف مطالب واضح، والقدرة على التفاوض. وفي العمق، يعكس صعود هذه الأشكال الجديدة من الاحتجاج أزمة أعمق.. أزمة. الوساطة السياسية.. الأحزاب والنقابات التي كان من المفترض أن تكون الجسر بين المجتمع والدولة، لم تعد موجودة لدى شريحة كبيرة من المواطنين. ليس لديهم حتى المصداقية أو يستحقون الثقة. فبدلا من أن تكون قناة لنقل المطالب الشعبية إلى مراكز صنع القرار (هذا المركز الذي يسميه بعض المغاربة الرباط اختصارا)، تكون أحيانا هياكل بطيئة، أو منشغلة بصراعاتها الداخلية… أو بعيدة عن التحولات الاجتماعية التي يعيها المجتمع… وهذا الخلل خلق فراغا سياسيا واضحا. ومع هذا الفراغ، خرجت السياسة من القنوات الرسمية، وتجسدت مباشرة في الشارع. إن الاحتجاج هنا ليس أكثر من غضب اجتماعي، بل هو محاولة من المجتمع لاستعادة السياسة من النهج التكنوقراطي الذي اختزل النقاش العام إلى أرقام ومؤشرات اقتصادية… لكن ضعف الوساطة يخلق حتى وضعا حساسا، حيث تجد الدولة نفسها أحيانا في مواجهة مباشرة مع “شارع بلا قيادة”. لا يوجد مخاطب مؤسسي واضح يمكنه التفاوض نيابة عن المتظاهرين أو إقناعهم بحلول محددة. في معظم الحالات، لا تحرك الحركات الاجتماعية في المغرب سوى المطالب المادية. محركها الحقيقي هو الكرامة.. المواطن الذي يخرج ويحتج اليوم يريد أن يشعر أن صوته مسموع… وأنه ليس مجرد رقم، بل مواطن من حقه أن يكون حاضرا في النقاش حول مستقبل البلاد… ولهذا السبب، يمكن النظر إلى الحركات الاحتجاجية أيضا على أنها نوع من “المنبه”. رسالة تقول إن أدوات الإدارة السياسية التقليدية لم تعد محدودة، وأن المجتمع يبحث عن طرق جديدة للتعبير عن نفسه… وهنا تأتي الانتخابات المقبلة كإحدى اللحظات الحاسمة لهذا المسار… لأنه ليس المقصود منها أن تكون سوى محطة انتخابية عادية، بل فرصة للسياسة لاستعادة دورها كوسيط بين المجتمع والدولة… الأسئلة التي يطرحها الشارع اليوم -سواء في التحركات الشارعية أو في النقاشات التي يختلقها جيل جديد -جايد زيد مثلا- على مواقع التواصل الاجتماعي- هي نفسه. إن الأسئلة الخاصة بالبرامج الانتخابية تجيب بوضوح: التوظيف، والتعليم، والصحة، والعدالة الاجتماعية، والمساواة المكانية، والكرامة، وجودة الخدمات العامة. وإذا تمكنت الانتخابات المقبلة من إنتاج مؤسسات ونخب سياسية قوية قادرة على اقتراح حلول واقعية لهذه المطالب، فقد يكون ذلك بداية لإعادة بناء الثقة بين المواطنين والسياسة. وما لم تظل البرامج الانتخابية بعيدة عن هموم الناس اليومية، فمن المرجح أن يظل الشارع هو الفضاء الرئيسي للتعبير السياسي. بمعنى آخر، الرهان الحقيقي في الانتخابات المقبلة ليس أكثر من عدد المقاعد التي ستشغلها. سيجيب عليه كل حزب، ولن يدخل الحكومة أحد، ولن يصبح أحد رئيساً للحكومة. الرهان الحقيقي هو: هل الأحزاب قادرة على تحويل مطالب الاحتجاج إلى سياسات عامة حقيقية وملموسة؟ وعندما يحدث ذلك، يمكننا فتح صفحة جديدة في العلاقة بين المجتمع والدولة. وما لم يحدث ذلك، فمن المرجح أن يظل الشارع هو المكان الذي يلتقي فيه المجتمع بصوته..




