اخبار اليمن – وطن نيوز
اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-04 10:38:00
بقلم الدكتور أمين العلياني إن الأحداث في منطقتنا العربية تتسارع كالسيل الجارف، لا يهدأ ولا يهدأ، ومع كل فجر جديد تتجلى حقائق لم تكن مخبأة في الصدور إلا مؤخراً، مخبأة في ثنايا السياسة وأروقة الدبلوماسية التي أتقنت لغة المصالح والمساومة على حساب قضايا الشعوب العادلة. لقد أثبتت الأيام المتعاقبة بما لا يقبل الشك أو التأويل، أن الهدف الأسمى الذي قامت عليه عاصفة الحزم بتحالفها العربي الواسع الذي ضم اثنين وعشرين دولة تحت راية المملكة العربية السعودية، لم يكن إلا هدفاً استراتيجياً لا لبس فيه: قطع اليد الإيرانية التي كانت تعبث بأمن العرب، واقتلاع أتباعها الذين نبتوا في وسط المنطقة، خاصة في الجنوب بعد أن سقط الشمال في أيديهم كالسرطان الخبيث، واستعادة الشرعية المغتصبة. ودعم القضايا العادلة التي أنهكتها المؤامرات، ليحل الأمن محل الخوف، ويسود الاستقرار بدلا من الفوضى، ويعم السلام المناطق التي أنهكتها الحروب والصراعات. كان هذا هو الخطاب، وهذا هو الوعد، وهذا هو الهدف المعلن الذي اجتمعت حوله القلوب، واجتمعت الكلمة، ورسمت له السيوف، واحتدمت المعارك، وقدم آلاف الشهداء من أجله ومن أجله، خاصة في الجنوب العربي. ولكن ماذا تحقق من تلك الأهداف النبيلة بعد كل هذه السنوات الإحدى عشرة العجاف؟ وأين نحن اليوم من تلك الوعود العظيمة والآمال الكبيرة؟ تغيرت الظروف، وتغيرت المواقف، وتغيرت الأولويات، حتى بدأنا نرى بأم أعيننا ما يمزق القلوب ويمزق الأكباد: وفود تأتي بين الحين والآخر إلى طهران، لا لتهنئها بيوم وطني أو عيد وطني، بل لتعزيها باستشهاد سلطانها الذي يوصف بأبشع الصفات، فلا يقال مات أو قُتل، بل استشهد! والأدهى من ذلك أن الحوثي الذي حمل السلاح في وجه الدولة وعبث بأمن المنطقة وسفك دماء الأبرياء، أصبح يساوي تلك الوفود التي تصل إلى طهران لتقبيل أيدي المشرف على مرقد خامنئي. وأصبح وفد الحوثي يساوي وفد المملكة العربية السعودية نفسها، وكأن شيئاً لم يحدث، وكأن الدماء التي سالت، والمواقف التي اتخذت، والتحالفات التي تمت، تبخرت في الهواء، أو دُفنت في مقبرة المصالح. بروتيوس. فهل فعلاً قطعت إيران يدها، أم أنها لا تزال تدور بمكرها ومكرها، وتنسج شباكها العنكبوتية حول عواصم القرار العربي؟ فهل لا تزال الرياض تقاتل من حارب معها المشروع التوسعي الإيراني، أم أنها اليوم، وفي مرحلة خطيرة من التاريخ، تقاتل من كان يوما حليفا لها وأداتها في قطع تلك اليد الآثمة؟ إنها أسئلة تفرض نفسها بإلحاح شديد، وتصرخ الضمائر الحية أمام العقول المفكرة. ولماذا تخلت الرياض، بل وانقلبت على من وقف معها كحليف صادق وتحالف مخلص ضد المشروع الإيراني الذي لا يخفى على أحد؟ ولماذا لم يعد قطع يد إيران ضرورة استراتيجية ملحة كما كان بالأمس؟ بل أصبح الضرورة القصوى، والحاجة الأكثر إلحاحاً، أن تتوجه المدافع والصواريخ، ليس نحو طهران وأزلامها، بل إلى من كان يوماً اليد التي ضحت وبذلت الجهود لقطع يد إيران في عدن والمحافظات الجنوبية الصامدة؟ حليف الأمس أصبح خصماً مستهدفاً، والعدو المعلن ضيفاً يُرحب به، في مفارقة عجيبة لا يقبلها عقل سليم، ولا يبررها المنطق المستقيم. إذا أعدنا النظر في حسابات الماضي، وقلبنا صفحات التاريخ الحديث، وسألنا أنفسنا سؤالاً وجودياً: إذا عادت الأمور في الجنوب إلى ما كانت عليه قبل عاصفة الحزم، فهل من الآمن بعد كل هذه الخيبة أن يكون هناك تحالف عربي يمكن الوثوق به والاطمئنان؟ فهل يمكن الاعتماد على مشروع إقليمي، مهما بلغت أهميته، بعد أن رأينا كيف أصبح من ضحوا بدمائهم وأرواحهم ومقدراتهم في نهاية المطاف أسهل أدوات التضحية على مذبح التسويات والمصالح المؤقتة؟ الجرح عميق في خاصرة الجنوب، والخيانة مكتوبة بأحرف من نار في ذكريات أبنائه الذين رأوا أحلامهم تتبخر ودماءهم تهدر في متاهات السياسة القذرة. وهنا يبرز السؤال الأعمق والأكثر إيلاما: هل تعلم الجنوب درسا من هذه المأساة، وهو أن المشاريع الوطنية العادلة والقضايا المصيرية المقدسة لا ينبغي، ولا ينبغي، أن تعتمد على مشاريع إقليمية ضيقة الأفق لا تؤمن بحقوقها وقضاياها إلا بقدر ما تخدم مصالحها الضيقة الآنية؟ التجربة دليل، والواقع شاهد، والتاريخ يسجل بالدم والدموع أن الرهان على الآخرين رهان خاسر، والاعتماد على الآخرين وهم وسراب. ثم يأتي السؤال الأخير، وهو سؤال العتاب والمحاسبة والتوبيخ: هل يدرك من يتماهون مع المسار السعودي الجديد، خاصة من تولوا رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، أو من هم في المعارضة، أن التماهي مرة أخرى مع المشاريع الإقليمية، والذوبان مرة أخرى في أتون المصالح الضيقة، ليس مجرد خطأ لا يغتفر، بل هو غباء وحماقة متفشية لا ترتكبها إلا عقول لم تتعلم من دروس الأمس القريب؟ أليس عليهم أن يتعلموا من كل ذلك، وأن لا يكرروا نفس الخطأ، وأن لا يبيعوا قضية شعبهم مرة أخرى بثمن بخس في سوق العبيد السياسي؟ التاريخ لا يرحم من لا يقرأه، والأيام هي الأمم، وأصبح الغدر والخيانة والخيانة هي السمة الغالبة، فهل من من يتذكر؟!



