اخبار اليمن – وطن نيوز
اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-23 02:09:00
اعتقالات الناشطين الجنوبيين: سياسة الاحتواء أم كسر الإرادة؟ بقلم: جهاد محسن: في مشهد يلخص طبيعة المرحلة وتعقيداتها، تتصاعد حملات القمع والاعتقال في مدن الجنوب، مستهدفة الناشطين والإعلاميين والشباب الذين شاركوا في الفعاليات المطالبية رافعين شعار استعادة دولة الجنوب. وتأتي المداهمات والاعتقالات التي تنفذها تشكيلات أمنية مدعومة من السعودية، في ظل تزايد الحديث عن نقل بعض نتائج التحقيق مع المعتقلين إلى الرياض، وهو خبر يثير أسئلة قانونية وسياسية عميقة. ولم تعد القضية في حدود ضبط أمني عابر، بل تحولت إلى سياسة ردع ممنهجة، فكل من يرفع صوته في ساحة عامة، أو ينشر موقفا انتقاديا على منصة رقمية، يجد نفسه تحت الاستدعاء أو الاعتقال. وبينما تبرر الأجهزة المنفذة إجراءاتها بالحفاظ على الأمن والاستقرار، يرى العديد من المراقبين أن ما يحدث يتجاوز الإطار الأمني إلى محاولة إعادة هندسة المشهد السياسي والإعلامي الجنوبي بما يتوافق مع الروايات السعودية بتعريفات وتوجهات واضحة. وما يثير القلق في هذه التطورات ليس فقط أعداد المعتقلين الذين خضعوا لإجراءات تحقيق تحمل ضمناً اتهامات. وهي ملفقة، بل طبيعة الإجراءات نفسها، فالقانون العام واضح في صلاحيات الضبط القضائي وسلطات التحقيق، وأي نقل للمواطنين خارج البلاد دون مبرر قضائي معلن يعتبر انتهاكا للسيادة والضمانات المكفولة دستوريا. وإذا صحت الأنباء عن ترحيل الناشطين للتحقيق في الرياض، فهذا يفتح باباً واسعاً للسؤال، على أي أساس قانوني يتم ذلك؟ ومن يحق له التصرف بالمواطنين خارج حدود بلادهم؟ وهذا حدث لا يقل أهمية، ويمثله احتجاز أحد الوفود. وتتواجد مجموعة جنوبية في الرياض منذ أكثر من شهر ونصف، وتم حجز جوازات سفر أعضائها ومنعهم من المغادرة حتى الآن. وتعكس هذه الحادثة توجهاً يتجاوز التعاملات الأمنية داخل الجنوب إلى السيطرة على الحراك السياسي الجنوبي حتى خارج حدود البلاد. ويعتبر احتجاز الوفد المفاوض وجوازات السفر، وفرض الإملاءات الخارجية عليهم، إجراءً ظالماً يمس الحرية الشخصية بشكل مباشر، ويحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن هامش الحراك يعتمد على القبول بالشروط الموضوعة مسبقاً. وتغذي مثل هذه الحوادث انطباعا متزايدا في الشارع الجنوبي بأن العلاقة لم تعد علاقة دعم أو شراكة، بل هي علاقة وصاية وضبط إيقاع. عندما يتم استدعاء ناشط بسبب منشور، واعتقال آخر بسبب مشاركته في فعالية، ومنع وفد سياسي من التحرك بحرية في عاصمة من المفترض أن تستضيف حوارا أو تنسيقا، فإن الرسالة التي تصل إلى الناس هي أن الصوت الجنوبي مراقب أينما كان. لم تعد مقولة “من لا يأتي بمالا نعتقله” مجرد تعبير احتجاجي، بل هي وصف لحالة يشعر بها الكثيرون. ومن لا ينخرط في طريق الاحتواء السياسي أو المالي، يجد نفسه أمام أدوات ضغط مختلفة. وهذا النهج، بدلاً من احتواء المطالب، قد يدفعها إلى مزيد من التطرف والتوتر. الجنوب، الذي قدم نفسه لسنوات كساحة للمطالبة بالحقوق السياسية والهوية الوطنية، يجد اليوم قسماً من شعبه يواجه اتهامات غامضة، تتراوح بين “الإزعاج الأمني” و”التحريض”. لكن جوهر الحراك الشعبي الجنوبي ظل – في معظمه – تعبيرا سياسيا عن المطالب. وهي تواجه الآن إجراءات القمع والاعتقال، ومحاولات التضييق عليها داخل البلاد وخارجها، مما يعمق فجوة الثقة بين الإرادة الشعبية الجنوبية. والرياض التي لا تزال تدعي أنها راعية للحوار الجنوبي. المطلوب اليوم هو الشفافية واحترام الأطر القانونية، وإعلان واضح عن أوضاع المعتقلين الجنوبيين، وتمكينهم من حقوقهم القانونية، وتوضيح حقيقة ما حدث للوفد الجنوبي في الرياض، وضمان عدم تكرار احتجاز وثائق السفر كأداة للضغط السياسي. فالاستقرار لا يُبنى بالسيطرة الأمنية، ولا العلاقات تُبنى بإجراءات استثنائية تمس الكرامة والحقوق. يثبت التاريخ أن الاعتقال قد يسكت الصوت مؤقتا، لكنه لا يطفئ الفكرة، وأن الاعتقال قد يقيد الإذن بالحركة، لكنه لا يوقف المطالب. إن أقصر طريق للتهدئة يمر عبر الاعتراف بالحق في التعبير وفتح حوار سياسي جدي يعالج جذور الأزمة بدلا من الاكتفاء بإدارة أعراضها.


