اخبار اليمن – وطن نيوز
اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-21 18:51:00
البحسني.. حين تتحول الصلابة العسكرية إلى براجماتية سياسية محسوبة، البروفيسور توفيق جزولات، في مشهد جنوبي تتنازع عليه قوى محلية وإقليمية، يبرز اللواء فرج سالمين البحسني كأحد الشخصيات الأكثر قدرة على البقاء ضمن معادلة معقدة دون استهلاك أو إقصاء. التقيته خلال حرب 1994 التي غطتها، عندما قاد جبهة “الخرز” غرب مدينة عدن في مواجهة غير متكافئة، مشكلاً ملامح القائد الذي لا ينهار تحت الضغط، ولا يندفع دون حساب. ولم تكن تلك التجربة مجرد محطة عسكرية، بل كانت أساس عقلية تقوم على الصمود والانضباط، وهي نفس العقلية التي حكمت سلوكه اللاحق في السياسة. لكن ما يميز البحسني ليس تاريخه الميداني فحسب، بل قدرته على إعادة توظيف هذا الأصل في فضاء سياسي معقد للغاية. وفي حضرموت لم يخوض معاركه بمنطق كسر العظام، بل بمنطق إدارة النفوذ. لقد تصدى لتوسع جماعة الإخوان المسلمين دون دفع المحافظة إلى الفوضى، معتمداً على مزيج من الحزم الأمني والاحتواء المجتمعي. وجاءت معركة المكلا عام 2016 لتمنحه شرعية تتجاوز الرتبة العسكرية، إذ لم يكن الانتصار على تنظيم القاعدة مجرد حدث أمني، بل كان نقطة تحول جعلت منه شخصية صعبة في حضرموت والجنوب. وعندما انتقل إلى منصب المحافظ، لم يسقط في فخ الصدامات السياسية، بل اختار طريق التوازن: الأمن المستقر، والعلاقات المحسوبة مع التحالف، والابتعاد عن المغامرات السياسية. وهو خيار قد يبدو أقل إثارة، لكنه أكثر استدامة في بيئة تتسم بوضع اقتصادي سيئ. وفي موقفه من دخول القوات العسكرية السعودية إلى وادي حضرموت، تظهر هذه البراغماتية بوضوح. ولم يدخل في مواجهة مباشرة مع القوى الإقليمية، لكنه أيضاً لم يمنحها أي تفويض. ودعا الرياض إلى الحوار بدلاً من اللجوء إلى القوة، وتحرك دبلوماسياً، مدركاً أن الصدام قد يكلف أكثر مما يحققه. وفي النهاية، لا يمكن اختزال اللواء فرج سالمين البحسني في موقف عابر أو تصريح قابل للتأويل. ويبقى الرجل أحد القادة الذين أحدثوا فارقاً حقيقياً في الميدان وساهموا في استتباب الأمن في وقت كان الجنوب على وشك الانهيار. وقد أثبت البحسني أن القائد العسكري ليس مجرد منفذ للأوامر، بل هو صانع واقع عندما تتوافر الإرادة والقدرة، وهو ما تجسد في تجربته في حضرموت. سياسياً، وعلى الرغم من الحذر المحيط بمواقفه، يبقى فاعلاً أساسياً في هندسة التوازنات داخل الجنوب، وقادراً على التأثير في مساراته. أهمية البحسني لا تكمن في ما أنجزه فحسب، بل فيما يمكن أن يمثله: جسر بين منطق الدولة ومنطق التحرر، بين الواقعية السياسية وطموح الاستقلال. وفي بيئة معقدة مثل الجنوب، قد لا يكون الأهم هو القائد الأعلى صوتاً، بل هو الشخص الذي يعرف متى يكون حاسماً ومتى يناور. وهنا تحديداً تتحدد قيمة البحسني: ليس فقط كقائد عسكري ناجح، بل كلاعب سياسي لا يزال يملك القدرة على إعادة تحديد موقفه في لحظة قد تكون حاسمة في تاريخ الجنوب.



