اخبار اليمن – وطن نيوز
اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-29 20:31:00
السكرتير الصحفي للرئيس هادي يروي “ذكريات” مع الرئيس حديد. عبد القادر المهوري: من محطات الحياة الطويلة، تبقى بعض الوجوه أكبر من الذاكرة، وأعمق من أن تختصرها الكلمات، لأنها لا تعبر في حياتنا عن مرور العابرين، بل تترك بصماتها في النفس، وفي تفاصيل الأيام، وفي نظرتنا للحياة والشعب والوطن. ومن خلال ارتباطي بفخامة الرئيس المشير عبد ربه منصور هادي سكرتيراً إعلامياً وصحفياً له، كانت بيننا علاقة تجاوزت حدود الوظيفة والألقاب إلى مساحة إنسانية واسعة جمعت بين هيبة القائد ودفء الأبوة، وصرامة رجل الدولة، ونقاء الإنسان البسيط القريب من الناس. لقد كانت رحلة طويلة امتدت. عبر سنوات مثقلة بالأحداث والتحولات والمعالم التي لا تزال تفاصيلها محفورة في الذاكرة، بكل ما حملته من تعب ومسؤولية وأمل، عشنا منعطفات الدولة في السلم والحرب، ومررنا معه بأزمات وعواصف. لقد شهدنا أياما عصيبة كانت البلاد تقف فيها على حافة المجهول، بينما حمل الرجل هموم الأمة بصمت المؤمن وصبر الرجال العظماء. وفي خضم تلك السنوات، لم يكن الرئيس هادي مجرد قائد يدير شؤون دولة مثقلة بالجراح، بل كان إنسانا رحيما القلب والروح. لقد كان متسامحًا ومهتمًا بصدق بالناس. ورأى أن قيمة المسؤولية ليست في السلطة بل في خدمة الشعب والوفاء للوطن. كان زاهداً في الأضواء رغم وجوده في قلب المشهد، متواضعاً رغم ثقل الموقف، صابراً في اللحظات التي تحتاج إلى صبر استثنائي. وكان يفضل العمل بصمت، بعيداً عن الضجيج والشعارات، مؤمناً أن الوطن لا يبنى بالخطابات وحدها، بل بالصبر والتحمل والقدرة على الاستمرار وسط العواصف. أتذكر مواقف كثيرة يصعب نسيانها وأياماً يستحيل تجاوزها. ذاكرة كاملة لمشاهد ومواقف إنسانية تكشف جوهر الإنسان الحقيقي، بعيداً عن صخب السياسة وتقلبات الخصوم واختلاف الروايات. وفي لحظات كثيرة، وبعيداً عن عدسات الكاميرات وضجيج التصريحات الرسمية، أظهر ذلك الجانب الإنساني العميق الذي لا يعرفه الكثيرون. لقد بذل معاليه كل ما يستطيع من جهد وصحة وحيات في سبيل وطنه ومجتمعه، وتحمل أعباء مرحلة من أعقد المراحل التي مرت بها اليمن الحديثة. كان يحمل في داخله إيماناً عميقاً بأن الوطن أكبر من الجميع وأن الدولة هي الملجأ الأخير الذي لا يجب أن يسقط مهما اشتدت العواصف. ومرت السنوات وكأنها عمر كامل تداخلت فيه صور اللقاءات. ثقيلة، مع لحظات صمت طويلة، اختلطت فيها خرائط السياسة بوجوه البسطاء الذين حمل همومهم في قلبه قبل أي شيء آخر، وفي كل محطة أصبحت أكثر يقينا أن قيمة الرجال الحقيقيين لا تقاس بضجيج السلطة ولا بكثرة المظاهر، بل بقدرتهم على الثبات عندما تنهار المواقف وتتغير الوجوه. لقد كان الرئيس هادي ممن واجهوا أقسى الظروف بإيمان هادئ وصبر نادر دون ضجيج أو ادعاء. أتذكر جيدا تلك الليالي الطويلة التي كانت البلاد تغلي فيها بالأحداث وهو يحمل هموم الدولة بكل ما أوتي من قوة. كان صابراً، يتابع التفاصيل بعناية، ويستمع إلى كل الآراء، ويحاول أن يجد متنفساً للأمل وسط الركام. كان يؤمن بأن اليمن مهما كان متعبا لا بد أن ينهض من جديد، وأن الشعوب الحية قد تنكسر لكنها لا تموت، ورغم ثقل المسؤولية وضجيج المعارك السياسية إلا أنه حافظ على إنسانيته النادرة. قلبه لم يتغير، ولم تفقده السلطة. تواضعه وقربه من الناس. كان مخلصًا لمن يعرفه وصادقًا في مشاعره وعلاقاته، ويعامل الكثيرين بروح الأب الذي يتسع صدره للجميع. ولعل أكثر ما يؤلمني في استعادة تلك السنوات هو أن الكثير من التضحيات ظلت بعيدة عن الأضواء، وكثير من المعاناة لم تتم رؤيتها كما ينبغي. التاريخ غالباً ما يكتب على عجل، والحقيقة تحتاج إلى وقت وشهادات تنصف الرجال وتضع الأحداث في أماكنها الصحيحة. ولهذا أكتب اليوم ليس من باب السياسة، بل من منطلق الوفاء لذكرى عشتها عن كثب وعرفت تفاصيلها، حسنها وشرها. أكتب لأن بعض الرجال عندما يرحلون أو يغيبون تبقى سيرتهم جزءا من ذاكرة أمة بأكملها، وليس ذاكرة أفراد فقط. وعندما أتأمل تلك الرحلة الطويلة أجد أن أغلب ما يبقى من الإنسان ليس مواقف أو بروتوكولات، ولا صخب السياسة، بل الأثر الذي تركه في قلوب من عرفوه عن قرب، وكان الرئيس هادي ممن يترك أثرا هادئا وعميقا يشبه طمأنينة الآباء وصدق الرجال البسطاء. عرفت فيه رجلاً كان يؤمن بأن اليمن يستحق فرصة الحياة مهما كثرت مشاريع الخراب حوله. وكثيراً ما رأيت التعب في ملامحه، لكني لم أره قط يفقد إيمانه بالوطن. كانت الآلام أعظم من أن تختصر، وكانت التحديات تفوق قدرة أي إنسان، لكن الرجل ظل متشبثاً بآخر خيط أمل. وإيماناً بأن الدولة يجب أن تبقى، وأن اليمن لا يمكن أن يترك لمصيره، ولأنني عشت تلك المرحلة عن كثب، أدرك جيداً مدى صعوبة القرارات، وكم كانت اللحظات قاسية، وكم كان العبء ثقيلاً على الناس ليروا من الخارج. وما بدا وكأنه خط عابر في الأخبار كان في الحقيقة ليالي طويلة من التفكير والقلق ومحاولات تجنيب البلاد المزيد من الانهيار والدماء. لكن ما أستطيع قوله بضمير شاهد وعشر سنوات هو أن الرجل كانت نيته صادقة تجاه وطنه وأنه حمل هموم اليمن حتى أثقلته السنين والأحداث، واليوم عندما تمر الذكريات. أمامي مثل شريط طويل، أذكر وجوها وأماكن ومواقف وأحاديث لا تستطيع الأيام محوها. أتذكر وقتًا كاملاً بكل ما فيه من قلق وأمل وخوف وانتصارات صغيرة وهزائم كبيرة. أدرك أن بعض المراحل لا تفارق الإنسان أبدًا، لأنها تصبح جزءًا من تكوينه ووعيه وذاكرته. هذه ليست مجرد ذكريات العمل مع رئيس دولة، بل هي قصة سنوات عشتها في قلب الأحداث بجوار رجل حمل على كتفيه أمة مضطربة وحاول الحفاظ على ما تبقى من حلم الدولة ومشروعه الفيدرالي. وفي الختام، أكتب هذا. السطور ليست فقط بصفته صحافياً شهد الأحداث وعمل في قلب المؤسسة الرئاسية، بل أيضاً بصفته إنساناً عاش سنوات طويلة بجوار رجل حمل وطناً مثقلاً بالجراح على كتفيه وحاول بكل ما في وسعه أن ينقذ اليمن من مزيد من الألم والانهيار. قد تختلف المواقف وقد تختلف القراءات السياسية، لكن التجربة القريبة تبقى شهادتها التي لا يستطيع أحد مصادرتها، وشهادتي التي أحملها أمام الله والتاريخ هي أنني عرفت رجلاً صادقاً في وطنيته، صادقاً في نواياه، زاهداً في نفسه، ومؤمناً بأن اليمن يستحق لأبنائه أن يعيشوا بسلام وكرامة. ذهبت الأيام وبقيت الذكريات، وهناك صور لا تفارق الذاكرة ومواقف تلخص شخصية الرجال الحقيقيين عندما تضيق الأوطان وتشتد المحن. بالنسبة لي، سيبقى المشير عبد ربه منصور هادي صفحة استثنائية في رحلة العمر وتجربة لا يمكن اختصارها بلقب سياسي أو منصب رسمي، بل قصة إنسان ووطن ومرحلة كاملة من تاريخ اليمن الحديث، بكل ما حملته من ألم وأمل وصبر وتضحيات. رحم الله الأيام التي جمعتنا وحفظها الله. وتحرر الوطن وشعبه من كل سوء وجعل من هذا الوطن المنهك فجراً يليق بتضحيات وأحلام أبنائه. السكرتير الصحفي للرئيس هادي



