اخبار اليمن – وطن نيوز
اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-22 10:35:00
اللواء فرج البحسني يكتب عن وفاة الرئيس البيض: رحل عنا الفارس الذي حمل القضية الجنوبية. وكتب: اللواء فرج البحسني، ببالغ الحزن والأسى، وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، أنعي لأهلنا في الجنوب، ولجميع أبناء اليمن، رحيل الرئيس الأسبق لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية المناضل علي سالم البيض، أحد أبرز رجال التاريخ السياسي الجنوبي، وأحد الشهود الكبار على أهم التحولات المصيرية التي مرت بها بلادنا في العصر الحديث. برحيله لا نفقد شخصية سياسية فحسب، بل نودع مرحلة كاملة من تاريخ الجنوب، بكل نضاله وآلامه وآماله الكبيرة وهزائمه القاسية. ونودع رجلاً كان حاضراً في لحظات الحسم الكبرى، وتحمل تبعات مواقفه، ودفع ثمنها بحياته واستقراره، وظل ثابتاً على قناعته حتى آخر أيامه. الثائر الذي أعطاهم وطناً، لكنهم منحوه المنفى، هو اسم يرتبط بأكبر أحلام اليمنيين وأكبر هزائمهم في الوقت نفسه. إنه الرجل الذي حمل مفاتيح الدولة الجنوبية على كفيه وحملها إلى صنعاء بقلب مفتوح مؤمناً أن الوحدة مصير الأحرار. بدأ حياته مناضلاً في صفوف الجبهة الوطنية ضد الاستعمار البريطاني. لم يقرأ الثورة في الكتب، بل عاشها في جبال ردفان وشوارع عدن حتى أصبح الرجل الأول في الجنوب. ولم يغره الكرسي، بل كان يطارده هاجس الوحدة العربية، وهو هاجس دفعه إلى اتخاذ القرار الشجاع والقاسي تاريخيا بدمج الدولتين في كيان واحد في 22 مايو 1990م. وغادر البيض وطنه مكرهاً وعاش في المنفى إلى أن عاد ليتحدث من جديد مع انطلاق الحراك الجنوبي عام 2007 للمطالبة بحق الشعب الجنوبي في تقرير المصير. رحل بجسد غريب عن تراب الوطن، واليوم، في السابع عشر من يناير 2026، يسدل الستار على حياة هذا القائد المثير للجدل، حيث رحل بعيداً عن تراب وطنه، الذي ضحى من أجله ليبقى في ذاكرة التاريخ كقائد قال الحقيقة عندما كذب الآخرون، ومنح الثقة لمن لا يعرف معنى الوفاء بالوعود. البدايات الأولى.. الوعي الوطني وسنوات التكوين. ولد الفقيد علي سالم البيض في محافظة حضرموت عام 1939، ونشأ في بيئة وطنية تشكل وعيها السياسي في ظل الاستعمار البريطاني لعدن، وفي وقت كانت فكرة التحرر الوطني مشتعلة في نفوس الشباب، وتشكل ضمير جيل كامل حمل حلم الاستقلال والسيادة. وانخرط منذ سنواته الأولى في العمل الطلابي والوطني، وتأثر بأفكار حركة القوميين العرب، قبل أن يكون من الكوادر التي انضمت مبكراً إلى الجبهة الوطنية لتحرير جنوب اليمن المحتل، وهي الجبهة التي قادت واحدة من أعقد وأشرس معارك التحرر الوطني في المنطقة. الجبهة الوطنية.. أيام النار والحسم. ولم تكن سنوات الجبهة الوطنية فترة شعارات أو خطابات، بل كانت سنوات من الدماء والتضحيات، حمل فيها رجالها حياتهم على أكتافهم في مواجهة قوة استعمارية جبارة. وكان علي سالم البيض في تلك المرحلة من أبناء الجيل الذي آمن بأن الحرية لا تعطى بل تنتزع. وشارك البيض في العمل التنظيمي والسياسي للجبهة، وساهم مع رفاقه في بناء البنية القيادية التي قادت الكفاح المسلح، حتى تحقق الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967، وهو اليوم الذي مثل تتويجا لنضال طويل وبداية مرحلة جديدة لا تقل صعوبة عن مرحلة التحرير. بعد الاستقلال.. بناء الدولة وتحديات الحكم مع فجر الاستقلال انتقل البيض كغيره من قادة الجبهة من ساحات النضال إلى مواقع المسؤولية. كانت مهمة بناء الدولة الجنوبية مهمة بالغة التعقيد، في ظل واقع اقتصادي هش، وتدخلات خارجية، وصراعات داخلية حادة. وتدرج الفقيد في مناصب قيادية داخل الدولة والحزب، حيث وصل إلى مناصب عليا في الحزب الاشتراكي اليمني، وشارك في صياغة القرار السياسي في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الجنوب، وهي الفترة التي شهدت إنجازات في بناء مؤسسات الدولة، وشهدت في الوقت نفسه صراعات مؤلمة تركت جراحا عميقة. بعد أحداث يناير 1986.. القيادة في زمن الانقسام مثلت أحداث يناير 1986 نقطة تحول قاسية في تاريخ الجنوب، أعادت تشكيل المشهد السياسي بالكامل. ومن رحم تلك المرحلة العاصفة، صعد علي سالم البيض إلى منصب القيادة العليا، ليصبح أميناً عاماً للحزب الاشتراكي اليمني، وزعيماً للدولة في سنواتها الأخيرة. وقد حكمت تلك المرحلة ظروف إقليمية ودولية معقدة، وانهيار النظام الاشتراكي عالمياً، مما اضطر قيادة الجنوب إلى البحث عن خيارات استراتيجية جديدة، في مقدمتها خيار الوحدة اليمنية. الوحدة اليمنية.. حلم الدولة الواحدة في 22 مايو 1990، وقع علي سالم البيض مع الرئيس علي عبد الله صالح على وثيقة إعلان الوحدة اليمنية، وتولى منصب نائب رئيس الجمهورية. وكانت تلك اللحظة في نظر الكثيرين تتويجاً للمشروع الوطني، وحلماً طال انتظاره، دخل فيه الجنوب شريكاً كاملاً، لا تابعاً ولا ملحقاً. لقد خاض البيض تلك التجربة وهم يؤمنون بأن الوحدة يمكن أن تكون المدخل إلى دولة عادلة تقوم على الشراكة والتوازن واحترام خصوصية الجنوب وتضحياته. بعد الوحدة… من الشراكة إلى الأزمة. وسرعان ما بدأت تظهر الاختلالات في بنية الدولة الجديدة، إذ تصاعدت الخلافات السياسية، وظهرت ممارسات أضعفت الثقة، وبدأت الشراكة في التآكل، مما أدخل البلاد في فترة من التوتر والتوتر. وفي عام 1993، انسحب علي سالم البيض من صنعاء إلى عدن، في خطوة عبرت عن عمق الأزمة السياسية والشعور المتزايد بأن مشروع الوحدة يسير في اتجاه لم يحقق التوازن المنشود. 1994 حمل القضية الجنوبية في 21 مايو/أيار 1994، أعلن علي سالم البيض فك الارتباط، في لحظة تاريخية مفصلية جاءت تتويجاً لمسار صراع سياسي انتهى بحرب صيف 1994، وما أعقبها من هزيمة عسكرية، وخروج الجنوب من معادلة الشراكة. ومنذ ذلك التاريخ، حمل البيض القضية الجنوبية على أكتافهم، ليس كشعار عابر، بل كقضية شعب شعر بالهزيمة والإقصاء. ورغم النفي الطويل، ظل صوته حاضرا في الوعي الجنوبي، ورمزا سياسيا لمرحلة ما بعد 1994. سنوات النفي والثبات على الموقف. وعاش الفقيد سنوات طويلة في المنفى بعيدا عن وطنه وأرضه. لم تكن تلك السنوات سهلة، لكنها كشفت عن جانب مهم من شخصيته: الثبات على القناعة. فهو لم يتنازل عن موقفه، ولم يبحث عن تنازلات شخصية، وظل متمسكاً بما اعتبره حق الجنوب السياسي والتاريخي، وإن اختلف معه البعض في الوسيلة أو التقدير. كلمة إنصاف وشهادة للتاريخ. ولا يكتمل الحديث عن علي سالم البيض دون الاعتراف بأنه كان رجل قرار، وليس رجل تردد، وأنه تحمل عواقب اختياراته كاملة. قد نختلف في تقييم بعض محطاته، لكن لا يمكن إنكار دوره في عملية التحرير الوطني، ومسؤوليته في بناء الدولة الجنوبية، وشراكته في تحقيق الوحدة اليمنية، وحملته المستمرة من أجل القضية الجنوبية منذ عام 1994. مواقف جمعتني بالمرحوم الراحل. تعرفت على الرئيس الراحل علي سالم البيض مباشرة مع أول لقاء لي به عام 1994. 1975م، بعد تخرجي من الكلية الحربية ضمن مجموعة من الضباط الشباب. كما التقيته في عدة مناسبات، في ظروف مريحة وصعبة. لكني أريد أن أسجل أنه في حقبة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كان للجنوب قادة عظماء يضعون مصلحة الوطن قبل أي مصلحة أخرى. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن علي سالم البيض كان حريصا على المال العام إلى حد كبير، مما جعله يستنكر بعد الوحدة تصرفات المسؤولين على رأس هرم الدولة. وقد أطلق على تلك التصرفات بعبارته الشهيرة «دولة مرت بالإنفاق»، أي أن الإنفاق من خزينة الدولة غير مبرر. كما أسجل شهادتي على إصراره على حقوق شعبه، وهنا لا بد من الإشارة أيضاً إلى عبارته الشهيرة. “نحن لن نخذلكم أبدا.” وكان لي معه لقاء تاريخي لا يزال في ذاكرتي. ودار حوار بيني وبينه في مرحلة مهمة من تطور الدولة في الجنوب. وكانت أسئلته متواضعة في الشكل ولكنها عميقة في المضمون. واستمر هذا الحديث قرابة الساعة، شعرت فيه بروح القائد الذي لا يستطيع التنازل عن القضايا الوطنية، ولا يرضى إلا بالتفوق. وهذا ما قاله بالعامية في نهاية مقابلتنا: «لن نقبل بالدونية يا بو سالمين». لقد اختار الرئيس علي سالم البيض أن يعيش سنواته الأخيرة على أرض زايد الطاهرة، فرحل على هذه الأرض ودفن جثمانه الطاهر في ترابها. وهذا شرف كبير لأبناء زايد. أبو فيصل رحل عنا، لكن روحه وقيمه القتالية لم تغادر. وإذا كان أبو فيصل قد حمل قضية الجنوب على كتفيه كل هذه السنوات، فإن شعب الجنوب يعلن اليوم أنه يتحمل هذه المسؤولية وفاءً لهذا القائد العظيم. خاتمة رثائية برحيل الرئيس علي سالم البيض، تُطوى صفحة ثقيلة من تاريخ الجنوب، صفحة كتبت بالدم، والقرارات الصعبة، والمنفى الطويل. رحل الرجل الذي عاش عظيما في حضرته، ومجادلا في مواقفه، وثابتا على قناعاته، ولم يكن أبدا على هامش التاريخ. واليوم، ونحن نودعه، نحن مدعوون إلى قراءة تجربته بعين الحكمة لا العداوة، وبروح المسؤولية لا الانتقام السياسي، وحفاظا على مصائر الرجال وصدق التاريخ. رحم الله علي سالم البيض وغفر له وجعل مثواه الجنة وألهم أهله ومحبيه وكل أهل الجنوب الصبر والسلوان.



