اخبار اليمن – وطن نيوز
اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-22 23:37:00
وجدي الأهدل* نشر عن دار روافد للنشر والتوزيع بالقاهرة. القصص المتوالية “همهمة الطاووس” للراوية اليمنية رانيا رسام. هذه القصص التي صدرت بداية العام الحالي (2026)، تستحق القراءة والتأمل مطولاً، لأن سطورها تكشف عن خيال إبداعي مجنح، واستخدام فني ناجح للأساطير والظواهر التخاطرية، والسرديات الشعبية، في نسيج روائي مترابط، وحبكات متشابكة تشبه لغز الكلمات. تتقاطع، ويستمر ظهور الشخصيات من نص قصة إلى آخر، ومن كل قصة نحصل على قطعة تكمل رؤيتنا للمشهد في مجمله، وهو ما يذكرنا بلعبة الألغاز التي تتكون من قطع صغيرة تظهر في البداية بشكل عشوائي ولا تعطي شكلاً محدداً، لكن مع تقدم القراءة وترتيب تلك القطع في ذهن القارئ، يخرج عالم نابض بالحياة من العدم، بقصص ومعاني ضمنية. إن البناء الفني المتطور يجعل هذه القصص تتوضع في منطقة وسطى بين القصة والرواية. ويظهر العمل كرواية متناثرة في عشر قصص قصيرة، وهي على النحو التالي: نصوص «همهمة الطاووس»: همس، هوس، صخب. نصوص «من لم يطرق الباب»: الاصطدام، الانعتاق، الامتداد. نصوص «الوقوف على العتبة»: حاجز، أمواج، سقف.. سماء، همسات خلف العتبات. وقد نلاحظ أن هناك مخططاً هندسياً واضح المعالم وبناءً فنياً متقناً. ويمكن تقسيم هذا الصرح السردي إلى ثلاثة فصول، ويتكون كل فصل من ثلاث قصص تقريبًا. وهذا أسلوب في العمارة السردية قلما يكون له نظير في الأدب السردي اليمني والعربي، ويتطلب مهارة عالية ومثابرة في تكوين النص ومعماره، مما يسمح للقارئ بالمشاركة الفعالة والعقلي في بناء وبناء كل قصة على حدة أولا، ومن ثم دمج القصص في صورة عامة إبداع وتكوين رائع. حققت «همهمة تاوس» كما ذكرنا سابقاً عبقرية في اللعب السردي. إنها مغامرة فنية جريئة تشكل إضافة للأدب اليمني والحداثة السردية، ودلالة على اكتساب الراوي اليمني القدرة على تجاوز السرد التقليدي المبسط، إلى السرد الفني المعقد، الذي يتطلب من القارئ أن يكون ذكيا ومتدربا على قراءة الأدب الحديث. هل ركزت رانيا رسام فقط على الألعاب السردية الشكلية وأهملت المحتوى؟ المدهش في هذه السلسلة القصصية «همهمة الطاوس» أن المضمون كان غنياً بالمعاني المختبئة خلف السطور، محققاً توازناً ذهبياً مع الشكل الذي كان الأكثر إبداعاً. ومن عناوين العتبات والقصص نتبين عالما مفتوحا للتأويل، وأبواب التأويل لا متناهية كما نعلم. ولكل قارئ امتياز الترجمة كما يشاء، بما يتناسب مع فهمه ووعيه. وهذه متعة إضافية يجنيها القارئ، وثمرة ترمى في طبقه فيتذوقها، ويبقى طعمها سرا يخصه وحده. المؤلف غير ملزم بإعطاء القارئ المعنى النهائي، وإذا فعلت ذلك، فإن عملها سينخفض إلى مستوى الأعمال الروائية المتواضعة فكرياً والفقيرة روحياً. وفي القصص العشر شظايا تذكرنا بجلطات الصوفيين، وشظايا نفسية وأحلام تغوص في أعماق العقل الباطن، وإشارات من العوالم السفلية للجن والأشباح والكائنات الخفية. ما يلفت الانتباه بشكل كبير في «همزات الطاووس» هي اللغة التي استخدمتها رانيا رسام في قصصها. إنها لغة طقسية شعرية، وكناية عن لسان العوالم الباطنة الهامسة، وتمتماتها وغموضها. إنها لغة ذات إيقاع مناسب لسياقها، وتساهم في خلق التأثير الفني المطلوب في نفس القارئ: “في النفس شيء… نور ونار… القدرة على اللقاء، وشيء من السراب. في داخل الروح وجه يحاور نظرك… صوت كالماء في عروقك… مثل حديث نفسك”. في المساء، قبل الآن، كنت تستعير الوجوه… عمّا تبحث؟! وجه هنا أكيد يشوفك.. الصوت المتراقص في ضلوعك… إنسان يمتزج بذكرياتك… إنسان مثل شريان قلبك. يقولون أن الرؤى قد تباطأت، ولم يزوروك عبثاً. ويقولون: “أنت أعلم من غيرك: أن في النفس شيئاً” ص. 5. تنجح رانيا رسام في توظيف أسلوب سردي لا يتحدث عنه النقاد عادة، رغم أنه عامل من عوامل نجاح العمل: الغموض النصي المدروس. الغموض عنصر تشويق يحفز القارئ ويثير فضوله المعرفي.. في سلسلة «همهمة الطاوس» لم يعد (الغموض) مجرد عنصر من عناصر العمل، بل استراتيجية نصية. من يحالفه الحظ بقراءة هذه القصص، سيُأسره الحيرة والتحدي لرؤية ما وراء ضباب الكلمات الغامضة، وفك رموز شخصياتها التي تحمل أقنعة وإسقاطات رمزية. ويبدو أن قصة «الجلجثة» وبطلتها بيرلانتي، فيها ما يشير إلى البذور التي انبثقت منها «فكاهة الطاوس»: «بيرلانتي، في الخامسة والثلاثين من عمرها، باحثة في الظواهر الغريبة والقصص غير المحلولة، عنيدة وصارمة، ورثت عن والديها علماء فلك لا يعترفون إلا بالقوانين والأرقام، حب الدقة والانضباط، لكنها اختارت أن تسلك طريقا مختلفا»، ص. 38. ما ذكرناه أعلاه هو مقدمة قصة الجلجثة، ومنها نستمد الجو العام الذي من رياحه كتبت القصص المتعاقبة. حصلت بيرلانتي على منحة دراسية، فقررت دراسة ظاهرة علمية لم يتمكن العلم من تفسيرها، وهي ظاهرة “همهمة الطاوس”. تحصل على إذن خاص من الجامعة لزيارة منطقة محظورة تكثر فيها هذه الظاهرة، وهي قرية “الجلجلة”: “تلك الأرض مهجورة منذ نحو خمسين عاما، دون تفسير قاطع. وتقول بعض الروايات إن ضجيجا يصم الآذان أجبر أهلها على الرحيل، وأنه لا يزال يتردد في أرجاء المكان. والغريب أن الزائر العابر لا يسمعه، ولكن من يبقى هناك لساعات يصاب تدريجيا بتلوث سمعي يجعله يهذي بأحاديث غريبة. هناك والذين يقسمون أنهم رأوا هلاوس ومشاهد تظهر فجأة ثم تختفي» ص. 42. تجدر الإشارة إلى أن طاووس هوم ظاهرة علمية حقيقية. وتم رصده لأول مرة عام 1992 في مدينة تاوس الأمريكية بولاية نيو مكسيكو، وبعد ذلك تم رصده في أنحاء مختلفة من العالم. وهو طنين مزعج بتردد 66 هرتز. وقال الذين عانوا منها إنها تؤثر على نوعية الحياة، كما سجلت بعض حالات الانتحار بسببها. ولم تحدد التحقيقات مصدره بشكل قاطع، وتتراوح التفسيرات التي قدمت بين أنها أصوات جيولوجية طبيعية (أنشطة زلزالية)، أو من مصادر عسكرية (إشارات راديوية منخفضة التردد)، أو مصادر طبية (رنين عادي في الأذن). أما التفسير غير العلمي فهو أغنية النفوس الضائعة… ويبدو أن الراوية رانيا رسام انحازت إلى التفسير الأخير واعتمدته، وقد نجحت في ذلك إلى حد كبير. * روائي وكاتب يمني.



