اخبار اليمن – وطن نيوز
اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-09 00:36:00
وجدي الأهدل* في معرض الشارقة الدولي للكتاب (نوفمبر 2025)، التقيت روائية فرنسية تدعى فابيان هيربين. كانت تبحث عن ناشر عربي لنشر النسخة العربية من روايتها “تحت قبة سقطرى”، فاتفقت معها على أن تقوم دار نشر دفاتر العناوين اليمنية بنشر روايتها المذكورة. صدرت رواية “تحت قبة سقطرى” بلغتها الأصلية الفرنسية عن دار النشر المرموقة لارماتين. وقد حاز على جائزة مرموقة في فرنسا وقدمها جاك لانغ، رئيس معهد العالم العربي. هذه الرواية هي الجزء الثالث من ثلاثية رواية. تدور أحداث الجزء الأول في جزيرة بروناي، ولم تتم ترجمته إلى العربية بعد. أما الجزء الثاني فقد ترجم إلى اللغة العربية ونشر تحت عنوان «أبواب المحلات». ترجم الرواية إلى اللغة العربية الدكتور جساس أنعم، باحث ومترجم يمني مقيم في باريس، حاصل على الدكتوراه في الأدب والترجمة من جامعة السوربون. وهو أيضًا مترجم رواية «محل الأبواب» التي تدور أحداثها في عُمان. تتحدث الرواية عن شابة فرنسية تدعى فلور اختفت والدتها عند ولادتها. وعندما بلغت العشرين من عمرها، قررت البحث عنها. عندما كان جدها يحتضر، أعطاها تلميحات قد تساعدها في الوصول إلى والدتها التي كانت تحب الأشجار النادرة والفريدة من نوعها. وختمت فلور بأنها ستجد والدتها في جزيرة سقطرى.. ولن أشرح أكثر لأترك للقارئ فرصة الاستمتاع بقراءة هذه الرواية الساحرة. العقل الأوروبي يذهلني ويحيرني. عشرات الروايات اليمنية والعربية تمر بين يدي وأشعر أن شيئاً ما ينقصها، رغم أن كل شيء يبدو على ما يرام: اللغة غزيرة، والشخصيات نابضة بالحياة، والتلاعب بالزمن يتم بكفاءة، والتفاصيل متكررة، وكل الحيل السردية الأخرى تصطف كحارس شرف يستحق الترحيب بالقارئ ملكاً. إلا أن هناك عيباً يمنعها من الوصول إلى مرتبة الفن الذي يستوفي شرط التطهير. عندما قرأت رواية “تحت قبة سقطرى” وجدت السر الذي يميز الرواية الخالدة عن الرواية الفانية، إذا جاز لي هذا الوصف. في الظاهر، الرواية مجرد إشاعة كتبتها سائحة فرنسية عن زيارتها لجزيرة جميلة في المحيط الهندي. قد يعتبرها القارئ المتسرع رواية من نوع أدب الرحلات، أو عملاً روائيًا سطحيًا قليل القيمة… لكن القارئ المتأني والمتأمل سيكتشف بدهشة أن المؤلفة قد اصطادت في شبكتها أعظم الحوت الذي جاب المحيطات على الإطلاق! كيف نجحت؟ لماذا فشل الكثير من الأشخاص الذين حاولوا كتابة رواية ولم تسقط في شباكهم سوى سمكة صغيرة؟ وسأعطي إشارات سريعة قد لا تشرح المعاني البعيدة بشكل كامل. يحج المسلم إلى مكة، واليهودي والمسيحي إلى القدس، والهندوسي إلى نهر الجانج المقدس، والمجوس إلى جبل النار في أذربيجان. وهكذا نعلم أن الحج قيمة مركزية في جميع الأديان. ألا يخطر في بالنا هذا السؤال: هل يجب على الملحد الحج؟ أين يؤدي فريضة الحج؟ الجواب هو بالتأكيد نعم! لأن الحج غريزة في الإنسان، ولا يكتمل نموه الروحي إلا بالحج. وقد يختار الشخص الملحد وغير المتدين ومن شابهه عنصرًا من عناصر الطبيعة ليحج إليه. ومنهم من يختار عنصر الماء أو النار أو الحجر – الأصنام – أو الشجر ونحو ذلك. اختارت بطلة الرواية (فلور) وأمها الأشجار، وتحديداً شجرة دم الأخوين، وكان المقصود من هذا الاختيار وصفها بالإله المعبود، حتى لو كان العقل المادي لا يوافق على هذه العبادة، لأن العاقل لا يفهم مسارات النفس البشرية الخفية. رحلة الحج هي محور رواية “تحت قبة سقطرى” والطبقة الخفية تحت سطورها. وبالفعل فإن طقوس التضحية الوثنية موجودة فيها. وإذا ضحى الحاج المسلم بذبيحة حيوانية، فإن السياق في لاوعي المؤلف اختار التضحية بحبيب بطلة الرواية، وهو العماني (جمال) الذي رافقها في رحلتها إلى سقطرى والذي غرق في البحر. لقد خاضت فلور كل مناسك الحج دون أن تقصد، ومن دوننا نحن القراء، أن نشعر بأنها تمارس مناسك حج روحية قديمة وغير مفهومة. وأتساءل كغيري من القراء ما فائدة قراءة الروايات؟ رواية “تحت قبة سقطرى” وأسمى الأمثلة الأدبية تزودنا بالإجابة: معرفة كيفية التطور الروحي. هناك من يقرأ أكوامًا من الكتب، لكن روحه تستمر في التجول في الظلام، وهناك من يكسب ملايين الدولارات، لكنه يقع فريسة للفراغ والاكتئاب والانقراض الروحي التدريجي. الحج والطواف والأضحية من الطقوس المهمة جدًا في حياة الإنسان. بل هي الحدث المركزي في حياته، وعليه أن يؤديها مرة واحدة على الأقل في العمر. فالإنسان مبرمج في وعيه للقيام بهذه الرحلة. وهذه الرحلة هي في الأصل اختيارية، إذا استمع الإنسان للنداء الصادر من داخله بالطبع. فإذا رفض الإنسان الخضوع لهذه الدعوات طوعاً، فرضت عليه واضطر إلى القيام بها، لأن الرحلة – الحج قدر إنساني لا مفر منه. وفي سياق هذه التأملات – وندين بها لرواية تحت قبة سقطرى – نتساءل كيف يؤدي المسلم المقيم في مكة فريضة الحج؟ اليهودي والمسيحي المقيمين في القدس؟ الهندوسي المقيم على ضفاف نهر الغانج، والمجوس المقيم بالقرب من جبل النار؟ لأن الحج في هذه الحالة ليس فيه سفر، فماذا بعد؟ في هذه الحالة، يبدو أن الشخص المختار للتطور الروحي يجب أن يمر بتجربة التضحية بالنفس، أو بمعنى آخر، يقترب من الموت ثم ينجو، إذا كان محظوظا، وينقل هذه التجربة إلى أشخاص آخرين. النبي إسماعيل، بمعنى ما، كان مؤسس مدينة مكة وشارك في بناء الكعبة. وفي حالته لم يزد عليه الحج شيئا، فكان عليه أن يذبح نفسه، وهو ما فعله عندما وافق عن طيب خاطر على أن يذبحه والده. صحيح أن الروائي الروسي دوستويفسكي لم يكن ينوي الذهاب إلى الحج، ولم يخطر بباله، لكن القدر اختاره لخوض تجربة التضحية بالنفس، عندما وقف في الصف أمام الجنود الذين يستعدون لإطلاق النار. ثم تم إنقاذه من الموت في اللحظة الأخيرة بعفو من القيصر، الذي استبدل المنفى إلى سيبيريا بحكم الإعدام. كان قضاء بضع سنوات في سيبيريا بمثابة نوع من الحج الذي أُجبر دوستويفسكي على القيام به، ويبدو أن هذا ساهم بشكل كبير في تطوره الروحي. ونرى هذه الطقوس -التضحية بالنفس- مشروطة بالبقاء في حالة بطل التطور الروحي المختار، تتكرر في مجملها مع النبي عيسى عليه السلام. وفي القرآن الكريم يرى المسيح الموت بعينيه ولكنه ينجو. وهذا مهم في سياق التطور الروحي. إذا مات، فإن الطقوس قد فقدت معناها. لذلك، في الديانة المسيحية التي تتبنى رواية صلب المسيح، كان لا بد من استكمال عملية التطور الروحي بالقول بأنه قام حياً من بين الأموات. لا بد أن يشهد كل إنسان وجد على وجه الأرض ولادة جديدة؛ فإما أن يختار هذه الولادة بمحض إرادته عن طريق الحج، وإما أن يولد من جديد رغماً عنه عن طريق الخضوع لطقوس التضحية بالنفس. وتختتم الكاتبة روايتها بعناق بين فلور بطلة الرواية وشجرة دماء الأخوين، عناق حميم تهمس فيه بالهايكو للشجرة: “رفعت عينيها نحو قبة دماء الأخوين، ونظرت عن كثب إلى شكلها وملمسها والروح التي تسري في عروقها، وأيقنت حينها أنه لا أحد يملك روحه، بل هي روح سقطرى، ويبقى فيها يسحر كل من يراه ويستمع إليه، ثم احتضنته وهمست له بالهايكو. وفي سره: أرض مسحورة، وهبة الخلود، ونذر يجري في دم الأخوين». يصل احتضان فلور لشجرة دماء الأخوين إلى ذروة صوفية عليا، ويحتوي على ذبذبات دينية، تذكرنا باحتضان المسلمين للكعبة واستلام الحجر الأسود وتقبيله، وكذلك موقف اليهود عند حائط المبكى. ويذكرنا هذا الاستنتاج المجازي ببحث الإنسان الذي لا نهاية له عن المعنى في وجوده. * روائي وكاتب يمني



