اليمن – سياسة الرياض في الجنوب: بين مطرقة الاحتواء وسندان التدويل

اخبار اليمنمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
اليمن – سياسة الرياض في الجنوب: بين مطرقة الاحتواء وسندان التدويل

اخبار اليمن – وطن نيوز

اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-12 21:20:00

سياسة الرياض في الجنوب: بين مطرقة الاحتواء وسندان التدويل د. أمين العلياني في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بالجنوب العربي، وفي ظل صمت دولي يصم الآذان يكتنفه ضباب المصالح وضجيج المواقف الغامضة، تبرز سياسة الرياض في الجنوب العربي كواحدة من أعقد المعضلات الاستراتيجية التي واجهتها المنطقة في تاريخها المعاصر. وهي سياسة لا يمكن اختزالها في الشعارات الدبلوماسية البراقة التي يتم تسويقها في أروقة العواصم الأوروبية، ولا يمكن فهمها بمعزل عن هندسة معقدة وممنهجة تقوم على ازدواجية “العصا والجزرة” التي يكشف عنها تقرير “الاستراتيجية السعودية في اليمن: عصا للجنوبيين وجزرة لأوروبا” الصادر في مجلة الدبلوماسية الحديثة، والتي رغم أنها تنطلق من منظور قانوني وحقوقي أوروبي صارم، إلا أنها تقدم – رغم تحفظاتها الضمنية على المشروع الجنوبي – شهادة دامغة تثبت للعالم ما كان يصرخ به الجنوبيون في وادٍ مقفر من التعتيم والإهمال: أن هناك مؤامرة كبرى تحاك ضد إرادتهم، وأن هناك مشروعاً استعمارياً جديداً يطبخ على نار هادئة في مطابخ القرار السعودي، يهدف إلى طمس الهوية السياسية للجنوب، وإفراغ قضيته من محتواه التحرري، وتحويله إلى مجرد ورقة تفاوض في لعبة الدول الكبرى التي لا تعترف بحق الشعوب في تقرير المصير إلا إذا كان ذلك يتفق مع مصالحهم الاستراتيجية الضيقة. إن أخطر ما يوثقه هذا التقرير – الذي لا يتهم كاتبه ويلي ووتر بالانحياز العاطفي للجنوب أو التعاطف الرومانسي مع قضيته – هو كشفه المزلزل عن ازدواجية الدور السعودي الذي يجسده سفيره وأدواته بمهارة ماهرة. إنه الدبلوماسي الذي يجول العواصم الأوروبية، حاملاً في يمينه «جزرة» السلام وإعادة الإعمار والوساطة، مرتدياً عباءة مهندس التنمية والمشرف على بناء المدارس والمستشفيات، ليقدم للغرب «خيالاً مريحاً» يبرر التعامل مع نظام يمارس أبشع أشكال القسر والهيمنة، بينما يختبئ في يساره «عصا» غليظة من الأدوات العسكرية المباشرة وغير المباشرة، تحرك القوات الموالية في جوف الليل لإعادة تشكيل معالم الدولة. خريطة الجنوب حسب شروط الرياض وليس حسب إرادة أبنائها؛ وهي استراتيجية شيطانية في دقتها، تتلخص في معادلة صادمة لا تقبل التأويل: الباب مفتوح في الرياض للتفاوض، والمجال مغلق في عدن وحضرموت بقوة السلاح، مما يرهق الجنوبي سياسياً، ويرهقه ميدانياً في الوقت نفسه، ويجعله أسيراً في حلقة مفرغة من الوعود الحلوة والضربات الموجعة. وإذا كان التقرير يقدم خدمة جليلة لقضية شعب الجنوب – ربما لم يدرك شعب الجنوب نفسه أبعاده بالكامل – فإن تلك الخدمة تتجسد في نقله لها من مربع “الملف اليمني اليمني” الضيق الذي طالما سعت الرياض لحصره فيه، إلى “الملف القانوني الأوروبي القانوني”، عندما تعلن بجرأة أن صادرات الأسلحة الأوروبية إلى السعودية تتناقض بشكل صارخ مع معاهدة تجارة الأسلحة والموقف الأوروبي المشترك الذي يتحول فالجنوب – شاءت أوروبا أم أبيت – من مجرد ضحية مهمشة تشكل ورقة ضغط أخلاقية وقانونية على الحكومات الأوروبية، التي اعتمدت الرياض منذ فترة طويلة على صمتها وتواطؤها. إلا أن هذا الإنجاز الدبلوماسي الذي يقدمه التقرير على طبق من ذهب لا يخلو من سموم فتاكة تتسرب إلى نسيج الرواية كالسم، إذ يحصر قضية شعب الجنوب في إطار “تهدئة” مشبوهة، متبنياً الرواية السعودية التي تجرم أي حراك توسعي جنوبي باعتباره تهديداً للسلام وليس حقاً سياسياً مشروعاً، وكأن المطلوب من شعب بأكمله أن يدفن حلمه في استعادة دولته تحت ركام اتفاقيات هشة ليست أكثر من مؤقتة. هدنات لالتقاط الأنفاس وإعادة وضع أنفسهم. والأدهى والأدهى من كل ذلك أن التقرير -الذي يسرد تفاصيل المؤامرة على الجنوب- يمارس في الوقت نفسه سياسة طمس قضية شعب لا تقل خطورة عن تلك التي يتهم سفير الرياض بممارستها. ويتجاهل متعمداً مشروع الاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية جملة وتفصيلاً، ويتحدث بلغة باردة عن «تقليص السيطرة» و«إعادة الهيكلة» وكأن الأمر ليس أكثر من صراع فصائلي على النفوذ داخل كيان يمني مفترض موحد، يفرغ قضية شعب كامل من بعدها التاريخي والوجودي ومن روايتها القانونية المبنية على شرعية دولة قامت وأجهضت بالقوة الغاشمة عام 1994، بل يضع الجنوب في مكانه. المجلس الانتقالي -الحامل السياسي لقضية الشعب- في نفس المربع مع تشكيلات هجينة صنعت بقرار خارجي مثل “درع الوطن”، متجاهلاً عمداً أن الأول يمثل مشروعاً تحررياً وطنياً فريداً في حين أن الآخر مجرد أدوات وظيفية مؤقتة في لعبة المحاور الكبرى، مما يكشف عن رغبة خفية في جعل الجنوب اختباراً لمدى جدية أوروبا في التمسك بقواعدها، وليس قضية عادلة في حد ذاتها تستحق النضال. ل. ومن يتأمل استراتيجية سفير الرياض، التي يوضحها التقرير بمهارة تشريحية، لا يسعه إلا أن يقف مذهولاً من عبقرية الشر الخالصة التي تتجلى في أربعة مسارات متكاملة: أولها «الشخصنة المؤسسية»، التي جعلت من السفير – بجمعه بين قبعات السفير والمشرف على إعادة الإعمار والمسؤول عن الملف السياسي – كياناً مجسداً للدولة السعودية في يمن موحد، لا يستطيع أي طرف جنوبي تجاوزه أو التحايل عليه. ذلك؛ والثاني هو «هندسة الشرعية البديلة» التي استخدمت اتفاق الرياض 2019 -الذي قدم على أنه إنجاز دبلوماسي- كمختبر سري لإنشاء «مجلس القيادة الرئاسي» و«الدرع الوطني» كبديل شرعي يمثل الجنوب بالقوة الناعمة والصلبة. والثالث هو «دبلوماسية إعادة الإعمار كغطاء للسيطرة»، حيث تعطي صورة المستشفيات والمدارس لأوروبا خيالاً مريحاً يخفي أبشع صور القصف وإعادة الانتشار العسكري. والرابع والأخطر هو “الوساطة والإكراه المتزامن”، بحيث لا يكاد الوفد المفاوض الجنوبي يغادر بوابة قصر السلام في الرياض حتى تدخل القوات الموالية للسعودية من البوابة الخلفية لمدينة عدن أو المكلا لفرض أمر واقع جديد. ويتجلى حجر الزاوية في استراتيجية الوصاية هذه بشكل واضح في التعامل مع حضرموت، التي يعترف التقرير بأنها أصبحت “جزءاً من العمق الاستراتيجي السعودي”، بموانئها وأصول الطاقة وامتدادها الجغرافي الذي يلامس حدود المملكة. وهنا لا يمكن للغة الأكاديمية الباردة للتقرير أن تخدعنا. وهو يشرح للرأي العام الدولي -بموضوعية مخيفة- لماذا تمنع الرياض المجلس الانتقالي من التوسع إلى حضرموت، وتضع القضية في إطار جيوسياسي لا يرحم، بعيدا عن أوهام الخلافات الداخلية الجنوبية أو الخلافات الفصائلية. وهي رسالة مبطنة مفادها أن حضرموت – شاء الجنوبيون أم أبوا – لم تعد مجرد محافظة جنوبية، بل تحولت في الخيال الاستراتيجي السعودي إلى خط الدفاع الأول عن أمنها القومي، وإلى جانب ناعم لا يجوز لأحد أن يمسه مهما كانت مشروعية مطالبه أو عدالة قضيته. وبين مطرقة هذا الاستهداف السعودي الممنهج وسندان التدويل الأوروبي المشروط، يقف الجنوبي اليوم على مفترق طرق وجودي، مدركا -ربما للمرة الأولى- أن معركته ليست فقط مع نظام صنعاء وحلفائه الإقليميين، بل مع تحالف دولي معقد له مصالح متشابكة، يريد إبقائه في تلك المنطقة الرمادية اللعينة: لا منتصر ولا مغلوب، لا مستقل ولا تابع تماما، بل كيان مجرد من الإرادة، مفرغ من المعنى، ومحتوى في الداخل. هيكل يمني موحد رسميًا، يُدار من خارجه. وتصاغ قراراتها في غرف عمليات ليست في عدن ولا حضرموت ولا المهرة. وهو يدرك أن الرياض، كما يلخص التقرير ببرودة مرعبة، لا تريد هزيمته عسكرياً بشكل كامل لأن ذلك سيكلفها فاتورة دولية باهظة، ولا تريد أن يكون انتصاره السياسي انتصاراً حاسماً لأن ذلك يهدد عمقها الاستراتيجي في باب المندب والسواحل الجنوبية. ولذلك فإن الحل الوسط الذي يطبخه سفير الرياض ليس سوى عملية احتواء بطيئة وطويلة الأمد، يتم تسويقها لأوروبا على أنها “بناء السلام”، في حين أنها في جوهرها حرب إبادة سياسية ممنهجة ضد حلم شعب الجنوب في استعادة كرامته. مسروقة. ولتعلم الرياض أن شعوب الأرض – مهما طال ليل القهر والطغيان – لا تموت وأحلامها لا تدفن تحت ركام مشاريع الإعمار الكاذبة، وأن التاريخ لم يسجل أن شعبا تمسك بحقه في تقرير مصيره وانتزاع استقلاله ثم نسي، وأن الجنوب الذي قاوم بصبره وعناده وإرادته كل أمواج المحو والاستئصال والانحلال، سيبقى كالعمود الشامخ في وجه الأقوياء. رياح المؤامرات، في انتظار اللحظة التاريخية التي ستلتقي فيها الحقيقة. مع القدرة، والمبدأ مع المصلحة، والإرادة مع الفرصة، تنهار معها كل الجدران الوهمية التي بناها مهندسو الاحتواء والتهميش.

اليمن الان

سياسة الرياض في الجنوب: بين مطرقة الاحتواء وسندان التدويل

اليمن الان اخبار

اخر اخبار اليمن

عاجل اخبار اليمن

#سياسة #الرياض #في #الجنوب #بين #مطرقة #الاحتواء #وسندان #التدويل

المصدر – أخبار الجنوب Archives – وطن نيوز