اخبار اليمن – وطن نيوز
اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-14 21:34:00
كيف أعادت سياسات إدارة الصراع تشكيل التهديدات الاستراتيجية في اليمن؟ البروفيسور توفيق الجزولات المملكة العربية السعودية بين مأزق الحوثي والأزمة في الجنوب: كيف أعادت سياسات إدارة الصراع تشكيل التهديدات الاستراتيجية في اليمن؟ وانتقلت المملكة من استراتيجية الحسم العسكري إلى سياسة الاحتواء والتفاوض. لماذا؟ وتعاملت الرياض مع الجنوب باعتباره قضية أمنية تخضع لأولوياتها الإقليمية، وليس قضية سياسية. لم تعد الأزمة اليمنية تمثل تحديا أمنيا عاديا للمملكة العربية السعودية، بل تحولت إلى واحدة من أعقد المعضلات الاستراتيجية في تاريخ سياستها الخارجية. وبعد أكثر من عقد من التدخل العسكري والسياسي، تبدو الرياض اليوم وكأنها تواجه واقعا مختلفا تماما عن الأهداف التي أعلنتها عندما أطلقت عملياتها العسكرية عام 2015. فبدلا من إنهاء نفوذ الحوثيين، أصبحوا أكثر حضورا في المعادلة اليمنية والإقليمية، وأكثر قدرة على التأثير في أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية والحدود الجنوبية للمملكة. في المقابل، لم تنجح الرياض في بناء شراكة مستقرة مع كافة القوى اليمنية المناهضة للحوثيين، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي، ما أدى إلى تعقيد المشهد السياسي والعسكري. وفي العلاقات الدولية، لا تقاس نجاحات الدول بالأهداف التي تعلنها، بل بالنتائج التي تؤدي إليها سياساتها. ومن هذه الزاوية، يطرح العديد من الباحثين سؤالاً جوهرياً: هل أدت السياسات السعودية في اليمن إلى احتواء التهديد، أم أنها ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إعادة تشكيله؟ انتقلت المملكة من استراتيجية الحسم العسكري إلى سياسة الاحتواء والتفاوض، سعياً إلى خفض تكاليف الحرب، وحماية أمنها الداخلي، وتهيئة البيئة اللازمة لتنفيذ مشاريعها الاقتصادية. لكن هذا التحول أعطى الحوثيين فرصة لتعزيز سلطتهم وتطوير قدراتهم العسكرية والسياسية، حتى أصبحوا طرفا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تتعلق بمستقبل اليمن. وهذا لا يعني بالضرورة أن ذلك كان هدفاً سعودياً، لكنه يعكس مفارقة استراتيجية معروفة في إدارة الصراع، حيث قد تؤدي سياسات التهدئة إلى نتائج غير مقصودة تعزز موقف الخصم إذا لم تقترن باستراتيجية سياسية شاملة للجنوب.. الجبهة التي فقدت الرياض الثقة فيها: إذا كانت السياسة السعودية تجاه الحوثيين قد أثارت جدلاً واسعاً، فإن سياستها تجاه الجنوب أثارت جدلاً لا يقل أهمية. وتعاملت الرياض مع الجنوب باعتباره قضية أمنية تخضع لأولوياتها الإقليمية، وليس قضية سياسية لها خصوصيتها التاريخية. ومن هذا المنطلق، سعت الرياض إلى إدارة المشهد الجنوبي بما يحافظ على ترتيبات سياسية وعسكرية تتوافق مع مصالحها، وهو ما يمثل محاولة مستمرة لفرض واقع سياسي لا يعكس تطلعات الجنوبيين. ولا شك أن تقييد دور المجلس الانتقالي من قبل السعودية والعمل على الحد من استقلالية قراراته السياسية والعسكرية أدى إلى تكريس حالة عدم الثقة وخسارة القوة العسكرية الجنوبية التي كانت تشكل جبهة مواجهة مع الحوثيين، وهو ما ساهم في تعقيد موازين القوى داخل اليمن. إن إصرار السعودية على أن سياساتها تهدف إلى دعم الاستقرار وتوحيد الجهود في إطار التسوية اليمنية، يعكس اختلافاً جوهرياً في تفسير أهداف ونتائج تلك السياسات. إيران.. المستفيد الأكبر من استمرار الأزمة: في الجغرافيا السياسية، لا تقاس المكاسب بما تحققه الدول بشكل مباشر، بل أيضاً بالخسائر التي يحققها خصومها. وتمكنت إيران، بحسب تقديرات العديد من مراكز الدراسات، من توسيع نفوذها الإقليمي من خلال دعمها للحوثيين الذين أصبحوا أحد أبرز أدوات الضغط في المنطقة. ومع كل جولة تصعيد، تزداد أهمية الساحة اليمنية في معادلات الردع الإقليمية، ما يضع السعودية في مواجهة تحديات أمنية مستمرة. وهذا لا يعني أن كل تطور في اليمن يفسر حصراً من خلال العلاقة الإيرانية الحوثية، لكنه يعكس مدى ترابط الصراع اليمني مع المنافسة الإقليمية الأوسع. تكمن المعضلة السعودية اليوم في تضاؤل هامش الخيارات. إن العودة إلى الحرب الشاملة تحمل تكلفة سياسية واقتصادية وعسكرية باهظة، في حين أن مسار التفاوض وحده لا يضمن نهاية دائمة لهذا التهديد. إن إبقاء الوضع الراهن يعني استمرار البيئة الأمنية الهشة والقادرة على التصعيد في أي لحظة. ومن هنا تبدو المملكة أمام معادلة معقدة: كيف يمكنها حماية أمنها الوطني، مع الحفاظ على مشاريعها التنموية، وفي الوقت نفسه إدارة ملف يمني تتداخل فيه الحسابات المحلية مع الصراع الإقليمي؟ تكشف التجربة اليمنية أن إدارة الصراع لا تقاس ببدء العمليات العسكرية، بل بكيفية انتهائها والنتائج التي تخلفها على الأرض. وفي ظل الواقع الراهن، تواجه المملكة اليوم تحديات استراتيجية أكثر تعقيدا مما واجهته في بداية الحرب، وأي نهج مستقبلي لن يحقق استقرارا دائما ما لم يرتكز على تسوية سياسية شاملة تأخذ في الاعتبار التوازنات اليمنية الداخلية، بما في ذلك تطلعات القوى السياسية المختلفة، وتحد من تحول اليمن إلى ساحة دائمة للتنافس الإقليمي. لقد أثبتت السنوات الماضية أن الأمن لا يتحقق بإدارة الأزمة فحسب، بل بمعالجة أسبابها أيضا. ويظل السؤال مفتوحا: هل تستطيع الرياض مراجعة سياساتها للسماح بإعادة صياغة نهج أكثر استدامة، أم أن اليمن سيظل يمثل إحدى ساحات الاستنزاف الأكثر تعقيدا في المنطقة؟



