اخبار اليمن – وطن نيوز
اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-20 20:28:00
من الشرعية إلى الهيمنة: قراءة قانونية نقدية للدور السعودي في اليمن وجنوب وطن نيوز – د. توفيق جزوليت. تعتبر الأزمة اليمنية من أعقد الأزمات العربية من وجهة نظر القانون الدولي المعاصر، ليس فقط بسبب تشابك أبعادها العسكرية والسياسية والإنسانية، بل أيضا بسبب التناقضات الحادة التي أنتجتها بين الخطاب الرسمي المتعلق بحماية الشرعية واحترام السيادة، والممارسات الواقعية على الأرض. ومن خلال تتبع مجريات الأحداث منذ حرب صيف 1994 وحتى التدخل العسكري بقيادة السعودية عام 2015، يبرز سؤال قانوني وسياسي جوهري: هل التزمت الرياض فعلا بمتطلبات القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، أم تم استخدام مفهوم “الشرعية” كغطاء سياسي لإعادة تشكيل ميزان القوى والنفوذ في اليمن والجنوب بما يخدم الاعتبارات الجيوسياسية والاستراتيجية؟ يهدف هذا السؤال إلى اعتماد إخضاع السلوك الدولي لمعايير القانون الدولي العام، وخاصة مبادئ: احترام السيادة؛ وعدم التدخل؛ وحظر استخدام القوة يصبح عندها للشعوب حق تقرير مصيرها. ولا يمكن فهم طبيعة الأزمة الحالية في الجنوب دون العودة إلى حرب صيف 1994 التي تعتبر نقطة التحول الأساسية في مسار الوحدة اليمنية. الوحدة التي أعلنت عام 1990 أقيمت بين دولتين تتمتعان بالشخصية الاعتبارية الدولية، جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية، وكان من المفترض أن تؤسس لشراكة سياسية متوازنة تقوم على التوافق وتقاسم السلطة والثروة. لكن حرب 1994 أنهت عملياً تلك الشراكة وأعادت تشكيل الوحدة وفق منطق الهيمنة العسكرية، ما أدى إلى إقصاء قيادات الجنوب من مؤسسات الدولة. السيطرة على الموارد والثروات؛ إعادة هيكلة الجيش والأمن وفق توازنات القوى الأحادية؛ وتهميش الإرادة السياسية الجنوبية. ومنذ ذلك التاريخ بدأت تتشكل تدريجياً قناعة جنوبية بأن الوحدة تحولت من مشروع سياسي توافقي إلى واقع مفروض بالقوة. وبدا التناقض السعودي بين خطاب الشرعية وممارسة القوة واضحا عندما أعلنت السعودية إطلاق عملية عاصفة الحزم عام 2015. وبررت تدخلها العسكري بالقول إنه جاء استجابة لطلب الرئيس عبد ربه منصور هادي باعتباره الرئيس المعترف به دوليا. لكن هذا التبرير يثير إشكالية قانونية واضحة، لأن العمليات العسكرية بدأت قبل صدور قرار مجلس الأمن رقم 2216، أي دون تفويض صريح باستخدام القوة وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ولذلك فإن الأساس القانوني الوحيد المطروح هو “التدخل بناء على طلب الحكومة الشرعية”. لكن لصحة هذا النوع من التدخل، يشترط القانون الدولي أن تمارس السلطة الطالبة السيادة الفعلية وأن تمتلك استقلالية اتخاذ القرار. ولا تخضع لإكراه سياسي أو عسكري. وفي الحالة اليمنية، فقد الرئيس هادي السيطرة الفعلية على أجزاء واسعة من البلاد، كما أن إقامته خارج اليمن تثير تساؤلات قانونية حول مدى استقلال قراره السياسي. وهنا يظهر التناقض الأول في الموقف السعودي. ففي الوقت الذي رفعت فيه الرياض شعار «حماية الشرعية»، كانت عملياً تعيد تشكيل توازن القوى الداخلي عبر التدخل العسكري المباشر الذي تجاوز حدود الدعم المؤقت لحكومة معترف بها دولياً. وقد وصل هذا المسار إلى ذروته مع انتقال السلطة من الرئيس. هادي إلى مجلس القيادة الرئاسي عام 2022.. وفي مرحلة لاحقة، تراجع النفوذ السعودي في اليمن بشكل كبير، حيث أصبحت أنصار الله واقعا سياسيا وعسكريا مفروضا على الأرض. ومع تعثر العمليات العسكرية وتراجع فعالية التدخل العسكري داخل التحالف، اتجهت الرياض نحو البحث عن مقاربات دبلوماسية وتفاهمات سياسية مع أنصار الله. أما الجنوب، فشهدت المحافظات الجنوبية نفوذاً سعودياً تجاوز حدود الدعم المؤقت، ليتحول إلى شكل من أشكال الهيمنة غير المباشرة. ويتجلى ذلك في التأثير على تشكيل السلطات المحلية، وإعادة هندسة البنية العسكرية والأمنية؛ السيطرة على القرارات الاقتصادية والنقدية. التدخل في إدارة الموانئ والمطارات؛ ربط المساعدات والخدمات بالولاءات السياسية والتأثير في مسارات التعيينات والقرارات السيادية. ومن وجهة نظر القانون الدولي، فإن أي وضع لا تتمكن فيه السلطات المحلية من ممارسة سيادتها بحرية كاملة يثير مشكلة قانونية تتعلق بما يمكن وصفه بـ”الوصاية غير المعلنة” أو “الهيمنة الفعلية”، حتى من دون احتلال عسكري مباشر بالمعنى التقليدي. ولم يعد الاستعمار في شكله الحديث يعتمد بالضرورة على الاحتلال العسكري التقليدي ورفع الأعلام فوق المؤسسات الرسمية، بل اتخذ أشكالا أكثر تعقيدا تقوم على التحكم في صنع القرار السيادي. تبعية الإرادة السياسية؛ السيطرة على الموارد والثروات؛ وخلق نخب محلية مرتبطة بمراكز النفوذ الخارجي. ومن هذا المنظور فإن ما يحدث في الجنوب يمثل شكلاً من أشكال «الاستعمار الجديد»، حيث أصبحت السلطة المحلية مرتبطة إلى حد كبير بالإرادة الإقليمية، وفقدت استقلالها في صنع القرار السياسي والاقتصادي. إن استمرار هذا الواقع تحت غطاء “التحالف” و”حماية الشرعية” يكشف عن تناقض واضح بين الخطاب السعودي المعلن عن احترام السيادة والممارسة على الأرض. وفي ظل هذه التحولات طرح الجنوبيون بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي مطلب استعادة الدولة الجنوبية تعبيرا عن حق سياسي وقانوني مرتبط بمبدأ تقرير المصير. ويعتبر هذا المبدأ أحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي، وقد أقرته الأمم المتحدة. في العهدين الدوليين للحقوق، وقرارات محكمة العدل الدولية. ولا ينبغي فهم استعادة كرامة الجنوب على أنها مجرد استعادة لجغرافيا سياسية سابقة، بل على أنها استعادة حق تاريخي وقانوني وإنساني لشعب كان يملك ذات يوم دولته ومؤسساته وشخصيته الدولية، قبل أن تتحول الوحدة إلى أداة للتفوق ومن ثم إلى فضاء مفتوح للتدخلات الإقليمية والصراعات الدولية. ولذلك فإن أي سلام عادل ومستدام في المنطقة لن يكون ممكناً إلا إذا تم الاعتراف بحق الجنوبيين الكامل في التعبير بحرية عن إرادتهم السياسية بعيداً عن الضغوط والوصاية وإعادة إنتاج الهيمنة تحت أي مسمى.



