تونس – احذروا من سرقة التاريخ والتراث التونسي

اخبار تونس30 يونيو 2026آخر تحديث :
تونس – احذروا من سرقة التاريخ والتراث التونسي

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-30 12:07:00

هناك قضية ذات أهمية كبيرة لكنها في الحقيقة لا تحظى بالاهتمام أو التعبئة الكافية لمواجهتها، وهي حماية تاريخ البلاد من محاولات السطو الماكرة. إن حماية التاريخ من الاستيلاء والتزييف هي في الواقع مسألة أمن قومي وثقافي للحفاظ على هوية أي شعب. واليوم، تواجه بعض الدول، بما فيها تونس، حملات ممنهجة تهدف إلى سرقة تراثها أو إعادة كتابته لخدمة أجندات محددة، خاصة عندما تمر هذه الدول بفترات حرجة تركز فيها شعوبها أكثر على هموم الحياة اليومية. عندما ينشغل الناس بتأمين لقمة عيشهم واحتياجاتهم اليومية الأساسية، تتربص بعض الأطراف بهذا التراخي المؤقت لتنفذ عمليات سرقة ثقافية، أو تزييف تاريخ، أو إسناد معالم وبطولات وتراث مادي وغير مادي إلى غير أصحابها، مستغلة غياب الفهم الحالي. (الصورة: الدقة، عاصمة نوميديا ​​القديمة، الواقعة شمال غرب تونس). رضا بن سلامة *”سرقة تاريخ الآخرين” تدمير لذاكرة الشعوب وهوية الأمم، وهي فعلا جريمة كبرى تتجاوز خطورتها سرقة الممتلكات المادية. عندما يتم سرقة التاريخ أو تزويره، فإن المجتمع لا يفقد الآثار أو النصوص القديمة فحسب، بل يفقد جذوره وشرعيته وحقه في تشكيل مستقبله. وتتخذ هذه “السرقة” أشكالا متعددة وغالبا ما تكون مبرمجة، وتشمل: – نهب المتاحف والمواقع الأثرية أثناء الحروب والأزمات ونقلها إلى الخارج كما فعلت الدول الاستعمارية. – التزييف والتزوير الثقافي من خلال إعادة كتابة الأحداث التاريخية لخدمة مصالح سياسية أو أيديولوجية عابرة. – سرقة التراث غير المادي المتمثل بنسب الطعام والأزياء والموسيقى الشعبية إلى ثقافات أخرى بهدف طمس الهوية الأصلية. – تدمير الشواهد التاريخية من خلال هدم الآثار القديمة لمحو أي أثر لحضارة معينة شهدتها الأرض. تناول عالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية جاك جودي، في كتابه “سرقة التاريخ”، هذا الموضوع الخطير ضمن الأدبيات الحديثة التي تنتقد ما يسميه “المركزية الأوروبية”، وهو الأدب الذي انتشر في مختلف مجالات العلوم الإنسانية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. يسعى مؤلف هذا الكتاب “سرقة التاريخ” إلى دراسة سيطرة الغرب على تاريخ بقية العالم، وانتقاد الرؤية الأوروبية والغربية المشتركة لتفرد أوروبا في التاريخ. تشير هذه العبارة أيضًا في العلوم الإنسانية والسياسية إلى مفهوم الاستيلاء الثقافي/السرقة التاريخية، وغالبًا ما تستخدم لوصف الدول أو المجموعات التي تحاول تعويض افتقارها إلى العمق التاريخي من خلال نسبة سمات أو شخصيات أو عادات الشعوب الأخرى إلى نفسها من أجل تزييف الشرعية التاريخية. طرق سرقة التاريخ وما يمكن ملاحظته اليوم هو أن ظاهرة «السرقة» عادت إلى الظهور من جديد عبر أساليب ابتكرتها الدول الناشئة التي تفتقر إلى الجذور التاريخية العميقة، وتلجأ عادة إلى سرقة إنجازات وتاريخ الدول المجاورة لتعويض النقص في هويتها وبناء شرعية زائفة لها. تُعرف هذه الممارسات ثقافيًا باسم “التعدي على التراث” أو التزوير. وتتم عملية سرقة التاريخ والشخصيات عبر عدة أساليب منها: – تغيير السياق الجغرافي من خلال الادعاء بأن الأحداث التاريخية أو الشخصيات البارزة تنتمي إلى دولة معينة، بينما تم توثيقها تاريخيا في دولة أخرى. – سرقة التراث الثقافي من خلال تسجيل الأطعمة أو الملابس أو الفنون الشعبية (مثل التراث المادي وغير المادي) في المنظمات الدولية (مثل اليونسكو) باسم دولة أخرى. – تزوير السير الذاتية عن طريق تحويل علماء أو فلاسفة أو قادة تاريخيين وتقديمهم للشباب على أنهم أبناء هذا الكيان الجديد. عقدة النقص التاريخية ويتساءل المرء لماذا يحدث هذا؟ لأن بعض الأنظمة أو الجماعات تستخدم سرقة التاريخ كأداة سياسية لخلق مجد مزيف، والاعتقاد بأن ذلك يعزز وحدتها الداخلية. وأمام هذا السلوك المنهجي في كثير من الأحيان، نسعى لفهم الأسباب والدوافع التي تكمن بشكل عام في “عقدة النقص التاريخية” من خلال محاولة سد الفجوة الزمنية بين الدول حديثة النشأة مقارنة بالحضارات القديمة. إن رغبة بعض الأنظمة في خلق هوية موحدة من خلال اعتماد أمجاد جاهزة من دول مجاورة، تمثل زلة سياسية ودبلوماسية. وفي بعض الأحيان، يتم استخدام التاريخ المسروق لتبرير تفوقه في منطقة جغرافية معينة. وكل هذه المناورات لها بالطبع آثار وعواقب، منها إضعاف الهويات الأصيلة من خلال طمس حقوق الشعوب التي تمتلك الحضارة الحقة. خلق التوترات المستمرة والمشاحنات الدبلوماسية والإعلامية بين الدول، وتضليل الأجيال من خلال خلق جيل جديد يتبنى تاريخا وهميا ينهار أمام الحقائق والوثائق الدولية. ولكن كيف يمكن للمجتمعات أن تواجه هذا التعدي؟ أفضل طريقة لحماية التراث هي التوثيق الأكاديمي الصارم ونشر الوعي الشعبي وتسجيل الحقوق الفكرية والتاريخية في المؤسسات العالمية. إن مواجهة هذا النوع من الجرائم تتطلب وعياً جماعياً وتشريعات صارمة إلى أقصى حد لحماية الذاكرة الوطنية، لأن الأمة التي تفقد تاريخها يسهل تشكيلها وتوجيهها من قبل الآخرين. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تأصيل البحث العلمي، وترك كتابة التاريخ للمؤرخين وعلماء الآثار في إطار الحياد العلمي، وتحويل نقاط الخلاف التاريخية إلى جسور للتواصل الاقتصادي. تعزيز السلام الإقليمي من خلال تجنب الصراعات التي تتغذى على خطاب الكراهية وتزييف الماضي. وتتحقق حماية الهوية الجماعية من خلال الوقوف ككتلة ثقافية واحدة في مواجهة تحديات العولمة وتوحيد الثقافات. وفي إطار هذا الاتجاه السليم، يجب تحفيز صناع المحتوى من خلال تفعيل دور المؤثرين والشباب لإنتاج محتوى مرئي قصير بلغات متعددة يشرح نشأة الحضارة والتراث، ومواجهة الذباب الإلكتروني من خلال إنشاء منصات لرصد ودحض المعلومات التاريخية المغلوطة والشائعات التي تستهدف المناهج والآثار، وإطلاق حملات رقمية دورية للتوعية ببعض القيم التاريخية لحمايتها من النسيان وسط ضغوط الحياة، وإدراج قصص التراث وحمايته ضمن المناهج التعليمية بطريقة شيقة (مثل التاريخية). الألعاب الإلكترونية)، وربط الطلبة بالأرض والمعالم التاريخية من خلال الزيارات الميدانية المجانية. لتعزيز الاتصال العاطفي. وعلى مستوى الأطر القانونية والدبلوماسية، لا بد من تفعيل القوانين الدولية لاستعادة الآثار المهربة، وملاحقة من يقومون بتزوير الحقائق التاريخية، وتنظيم معارض دولية مؤقتة للتعريف بتراث البلاد في الخارج وكسب دعم النخب الثقافية العالمية. إن إدراك أن حبل التزوير قصير هو الخطوة الأولى نحو تحصين الحضارة، لأن تاريخ الشعوب الممتد يمتلك مناعة طبيعية تكشف الزيف مهما طال الزمن. إن الانتقال من عقلية “السرقة والإقصاء” إلى “بناء المشاعات الثقافية” يمثل قمة النضج الحضاري الإنساني، وهو البديل الآمن لحماية الاستقرار بين الدول من خلال بناء تراث مشترك ومحايد يعتمد على التفاعل الإيجابي بين الشعوب عبر التاريخ دون إلغاء أو دمج خصوصية الآخر قسراً. * كاتب وروائي.