اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-03 09:50:00
كان من المفترض أن يشكل صدور رواية السيرة الذاتية الجديدة للروائي الجزائري واسيني الأعرج «الريميتي: أناشيد الجمر والنار» حدثاً أدبياً ينبغي قراءته قبل محاكمته، ومناقشته قبل إدانته، وفتح أفق واسع للتأمل في أحد أكثر الأصوات حضوراً وتأثيراً في ذاكرة الغناء الشعبي الجزائري. لكن ما حدث أعاد طرح سؤال أعمق من الرواية نفسها: أزمة في طريقة تلقي الأدب، حيث الحكم يسبق القراءة، والمعرفة محل الانطباع. جمال قتلة منذ وصول العمل إلى رفوف المكتبات، سارعت بعض الأصوات الثقافية، أفرادا ومؤسسات، إلى إصدار أحكام قطعية، لم تتوقف عند حدود النص، بل امتدت إلى شخصيته المركزية: الشيخة ريمتي، في خطاب تحول من النقد إلى الإدانة، ومن التحليل إلى الإدانة، وكأن النص لم يكتب ليقرأ بل ليدان مسبقا. والأخطر من ذلك أن بعض هذه المواقف كتبت قبل أن تفتح صفحات الرواية. وهنا تظهر حقيقة بسيطة ولكنها حاسمة: من لم يقرأ لا يحق له أن يحكم، ومن يدين قبل القراءة لا يمارس النقد بل يعكس موقفاً مسبقاً من المعرفة نفسها. وعندما يختزل الانطباع فعل القراءة، فإن النقد الأدبي، في جوهره، ليس موقفا عاطفيا ولا رد فعل أخلاقيا، بل هو بناء معرفي يبدأ بالقراءة، ويمر بالفهم، وينتهي بالتحليل، وليس بالإدانة. عندما يُختزل النص إلى عنوانه، أو يُختزل إلى إشاعة، أو يُستبدل بموقف جاهز، فإننا لا نواجه نقدًا، بل محوًا رمزيًا للعمل الأدبي قبل ولادته. وأخطر ما كشفته هذه السجالات ليس اختلاف الرؤى، فهذا أمر طبيعي ومشروع، بل تحول بعض الخطابات الثقافية إلى أحكام سريعة خارج النص، تغلق المعنى بدلا من فتحه، وتستبعد العمل بدلا من الاستماع إليه. الشيخة الرميتي: صوت خرج من الهوامش ليكتب الذكريات. لم تكن الشيخة الرميتي مجرد مطربة في سجل الأغاني الشعبية، بل كانت صوتاً مؤسساً في تاريخ موسيقى الراي. خرجت من الهوامش لتعيد تعريف المركز، ومن التجربة القاسية لتصوغ جمالياتها الخاصة، من دون إعلام أو أقنعة. كانت تقول بصدق يشبه الاعتراف تقريبًا: “الكلمات تتغنى بصمت في رأسي، حتى أجعلها صوتًا حيًا”. وتضيف: “أغني الفقر، وأغني الحب، وأغني مكانة المرأة، وأغني الحياة”. عندما كانت واقفة على المسرح، لم تكن تؤدي دورًا فنيًا بقدر ما كانت تعيش لحظة انكشاف كامل: “على المسرح، لا أتباهى. أنا أعطي كل ما أملك.. روحي وعقلي”. أما خلاصة تجربتها فقد اختصرت في عبارة تلخص فلسفة وجودها: «عزوني وأنا على قيد الحياة.. لا يهمني إذا متنا». ليست هذه التعابير زينة بلاغية، بل هي شهادة جمالية لحياة جعلت من الألم مادة للغناء، وتجربة فردية ذاكرة جماعية تتجاوز صاحبها. القراءة قبل الإدانة: شرط بسيط لمعنى النقد. ويندرج عمل واسيني الأعرج ضمن ما يعرف بالسيرة الروائية، حيث تقترن الذاكرة بالخيال، وتختلط الوثيقة بالرؤية الفنية، دون ادعاء مطابقتها للتاريخ أو احتكارها للحقيقة. في هذا الفضاء، تتحول ريميتي إلى شخصية روائية بقدر ما تتحول إلى شخصية تاريخية، تُقرأ كدليل على التحولات الاجتماعية، وصوت المرأة في وجه القمع، ومرآة لزمن بأكمله. لكن هذا النوع من الكتابة يفترض شرطا أساسيا: القراءة قبل التعليق، والاستماع قبل الحكم. جزء من النقاش الدائر اليوم لا يكشف عن اختلاف في التفسير بقدر ما يكشف عن هشاشة في علاقة بعض الخطابات بفعل القراءة نفسه، حيث يتم استبدال المعرفة بالموقف، والتحليل بالعاطفة. إن اختزال الفن في تزييف أو تبرير للواقع يعني تجاهل وظيفته الأعمق: فتح الأسئلة بدلاً من إغلاقها، وإعادة مساءلة الواقع بدلاً من تقليده. ليس المطلوب من القارئ أن يعجب بالنص، بل المطلوب أن يمر به أولاً. ولا يكتمل حق الاختلاف إلا إذا بني على علم، لا على تصور مسبق. في النهاية، رفض عمل لم يُقرأ، أو إدانته خارج سياقه، لا ينتج نقدًا، بل يكشف عن أزمة أوسع في علاقتنا مع الفعل الثقافي نفسه، حيث تتراجع القراءة لصالح الأحكام، وتضيق مساحة الفهم لصالح المواقف الجاهزة.


