اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-21 13:31:00
كتبت الأستاذة أميرة غنيم رواية تجمع بين التاريخ والخيال بعنوان «العظماء يموتون في أبريل»، وأعطت الكلمة لعدة أشخاص ليرويوا رواياتهم التي نسجت بشكل أو بآخر فيما يتعلق بسيرة الزعيم الحبيب بورقيبة في مرحلة ما بين الطفولة وأواخر الشيخوخة. واختار الزعيم الممرضة سعاد لترافقه في عزلته الأخيرة، ليروي لها «الكلمات الضائعة لرجل جلس ذات يوم على بساط التاريخ قبل أن يُرمى غدراً على حصيرة الهوامش». سعيد بحيرة * بين مرحلة الصعود إلى القمة ومرحلة النزول، تعد الرواية الأحداث التي تعيد بناءها، باحثة عن أسرارها وتفاصيلها، لتصيغ سيرة ذاتية محورية لم يأت بها مؤلفها ولم يرى جدوى من التوسع فيها عندما ألقى سلسلة محاضراته لطلبة معهد الصحافة في أكتوبر من العام 1973. فهل نجح الروائي في كشف المخبأ الذي نسيه الزعيم؟ فهل تخلص من عبء المسؤولية من أجل تصحيح روايته وجعلها أكثر صدقا وواقعية؟ هل أرادت أميرة غنيم إنصافه وإعطائه المجال للتعبير عن مشاعره الخفية وإلقاء الضوء على المشاعر الإنسانية الغزيرة بعد خلع عباءة الرئيس مدى الحياة؟ بورقيبة يعود بعد ربع قرن من وفاته. نحن أمام انكشاف وتوتر بين سيرة ذاتية متخيلة، وأخرى سيرة ذاتية، وثالثة يرويها مؤرخون يمشطون طريق الرجل استنادا إلى الوثائق وشهادات الرفاق ورواياتهم. لكن ما الذي جعل بورقيبة يعود بعد ربع قرن من وفاته؟ ما هي الدوافع التي دفعت الجيل الجديد من الروائيين والروائيات إلى التنقيب في سيرة قادة لم يعيشوا معهم وإعادتهم إلى الساحة بكل تألق وإصرار؟ لا شك أن أميرة غنيم هي إحدى كاتبات الرواية التونسيات الجدد اللاتي ظهرن بعد انتفاضة 2010-2011. ومن أبرز الشخصيات التي سجلت عودة لافتة هي شخصية الحبيب بورقيبة الذي ترك بصمة حاسمة على الأحداث التونسية طوال القرن الماضي، باستثناء فترات قصيرة من الهدوء. وكانت له أدوار كبيرة تثير التعاطف بقدر ما تثير النقد والتشكيك. وعندما انهار النظام الذي أطاح بورقيبة من السلطة، استيقظ شعب بورقيبة، محاولا استعادة كرامة الرجل، واحتشد معارضو الأمس لتذكيره بالتسامح المشبوه، وبدأ جيل الشباب من الباحثين والكتاب في إعادة قراءة التاريخ والبحث عن الحقيقة بشيء من الرحمة والفضول. إلا أن الرواية التاريخية لا تقتصر على التحقيق، بل تعمل على تكييف الأحداث وصياغتها بالتبسيط أو التعقيد لتضفي عليها جاذبية أكبر. إنها تجذب القارئ، لكنها لا تعالج حزنه، بل تمده بنص. وبتخيل بديل لنص الباحث في التاريخ الذي غالبا ما يكون صارما وجافا، يسمح الروائي لنفسه بكسر حواجز الممنوع وتجاوز المقدس الذي يرفض الشك. وفي هذا السياق، نستذكر أعمال الأستاذة هالة الوردي التي حاولت إعادة كتابة ظروف وفاة النبي محمد والمناورات التي رافقتها لإقامة الخلافة، واستفزت حراس المعبد من رجال دين ومؤرخين ومثقفين. أما ماريان جايجلي، مؤلفة رواية «صديق الأمير»، فقد أعطت الكلمة لشخصية سينيك، السيناتور والفيلسوف والسياسي، لتروي رحلته في العلاقة مع الإمبراطور نيرون قاتل روما، الذي كان مدربه منذ طفولته ليصبح سيد الإمبراطورية الرومانية. أما بورقيبة المغدور، فقد دفعته شيخوخته الثقيلة إلى استكشاف أعماق ذاكرته المتعبة والبحث عن المخفي والمنسي وإخباره الممرضة سعاد المليئة بالحرية بعد أن أصبح الملك عارياً. بعد أن يسترجع بورقيبة ذكريات التقطها منذ طفولته إلى بداية شبابه في الصادقية، وساعدته أميرة غنيم في إضفاء بريق خاص عليها، كالعطر الذي كان يدلك بها جسد الطفل المحبوب لتقول له: “عظمتك ليس لها أثر يا ولدي”، الأمر الذي فاجأ الطفل، وأصبح مهووسا برجولته التي لن يخرج منها إلا بفضل ماتيلد وابنه جون بورقيبة ابنه الوحيد… بعد ذلك، ذكرت لنا السفينة “وجدة” التي ستأخذه إلى فرنسا لدراسة الحقوق.. وعندما أصابته نوبة أرق في منتصف العشرينيات من عمره، عندما كان طالبا شابا. نصحه زميله جان جاك بالبحث عن امرأة تخفف آلامه… فذهب إليها ولم يعد، لكنها عادت معه وتبعته إلى بلده لتساعده في كسر سطوة بلدها… وكان بورقيبة والنساء قصصا مشحونة وغامضة ومثيرة. ولم يقتنع أتباعه من المعارضين والمؤيدين بالملامح التي كشف عنها، لكن أميرة غنيم اخترقت ثنايا الظلام. الكشف عن المخفي بالخيال الإبداعي والسرد الملهم والتعاطف الذي يمكن أن يكون متواطئًا. وقد تعمقت في ذاكرته لتسليط الضوء على نبوءات مبكرة عن القائد والنساء، حيث “قال العراف الأعمى لأمه الحامل فطومة ذات الأربعين عاما: أطلق الوحش، ليخرج الدنفر من شواطئ الأرض، ودول العالم في حيرة”. وقال له متشرد التويلري في باريس: “لديك أربع نساء في حياتك أيها الصغير: الأولى امرأة تجدها، الذي يرفعك ويضعك ومنها نسلك والثانية امرأة تجدك. والثالثة امرأة تقودك إلى موتك، والرابعة تقودك إلى قبرك». عندما ألقى بورقيبة نفسه في ساحة السياسة والنضال بعد عودته من باريس، لم يعد يعرف ما يخبئه مستقبله، فكان كمن سار في الضباب… بنى أمة ووحد شعبا كان غبار الأفراد، ولم يكن من الصعب على أميرة غنيم أن تمنح الرجل ما هو عليه وما يمكن أن يكون مع سبق الإصرار، الذي لم يصل إلى حد تشويه التاريخ… وقد عرفت. ذلك البرزخ الذي يفصل بين السرد الروائي والسرد التاريخي، إذ توجد بينهما تقاطعات محدودة تمنع الخلط بين مبالغة الروائي وصرامة المؤرخ. أراد الكاتب أن يحصل على شهادة زعيم دخل التاريخ من الباب الكبير وخرج منه من نافذة صغيرة. غلبته المرارة واجتاحه الحقد، فأخذ يتفكر ويتذكر انتصاراته ومجده الزائل. فهو الذي بنى أمة على وشك الانحلال، ووحد شعباً كان يعتبر غباراً من الأفراد، وحرر المرأة كما لم يفعل أي زعيم عربي أو مسلم، وأعلن النظام الجمهوري على أنقاض حكم عائلي قديم شبه أجنبي، ونشر التعليم في جميع أنحاء البلاد. أدخل تونس إلى الحداثة ليتمتع بروح العصر، وغاص في أعماق تاريخ البلاد لينفض الغبار عن يوغرطة المقاومة.. ولم يخلو الطريق من انتكاسات وعثرات وتناقضات رسمتها الصورة المشرقة المتمثلة في احتكار السلطة وإقصاء المنافسين والقبول بالرئاسة مدى الحياة. أميرة غنيم ذكرت هذه الأخطاء، فهي ابنة الجيل الذي يدين بالحرية والانعتاق لبورقيبة، وتساءلت عن فائدة “الإطالة والتشبث بعصر يتجه نحو الرذيلة وحكم ماضي نحو الحقير”. ولعلها المرأة الرمزية الخامسة في مسيرة بورقيبة، التي أغفلها متشرد التويلري. الأولى ماتيلد، والثانية وسيلة، والثالثة سعيدة، والرابعة سعاد الممرضة. أما الخامسة فهي المرأة التونسية التي طلبت المساعدة في الحصول على جنسيتها للدفاع عن مكتسباتها ضد الغزوات السلفية. خرجت النساء إلى الشوارع لرفض أن يكونن مكملات للرجل في دستور الثورة… وهذا حدث يأتي في سياق الحداثة السياسية لبورقيبة وحركة التاريخ. لم تكن أميرة غنيم لطيفة مع الزعيم في ندمه على تشبثه بالسلطة إلى درجة الغرق في الشيخوخة، لكنها شجعته على تذكر الأيام المجيدة التي كانت مثل شريط فوتوغرافي تحت غطاء سجين يعرض تونس كلها، واستقبلت الزعيم مطلع يونيو بعد أن ودع السجون والمنفى والعذاب والمذلة… ولم يكن بورقيبة خائفا من الموت الذي حل به في أبريل 2000 كما حدث. إلى عظماء آخرين: أينشتاين وداروين، وسارتر، وبيكاسو، ومارتن لوثر كينغ… وربما يوغرطة أيضًا… لكن العظماء يموتون كل شهر ويوم. * باحث جامعي .



