اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-17 02:08:00
كتب محمد علي أصدرت غرفة الاستئناف بمحكمة الاستئناف التونسية حكما بسجن المحامي عبد الناصر العويني سنة، في قضية تتعلق بخلاف قديم مع أحد الأشخاص، رغم تراجع الأخير عن شكواه، ورغم أن المحكمة الابتدائية قضت سابقا بعدم النظر في القضية. الأمر هنا ليس مجرد خبر قضائي عابر، بل قضية تخص أحد أبرز المحامين الذين ارتبط اسمه، منذ عقود، بالدفاع عن الحقوق والحريات واستقلال القضاء. عبد الناصر العويني ليس مجرد محامٍ يترافع أمام المحاكم، بل هو أحد الوجوه التي دفعت ثمناً باهظاً لمواقفه منذ سنوات الاستبداد. عرفته المحاكم والسجون قبل الثورة مدافعا عن المعارضين السياسيين وضحايا الانتهاكات، ولم يتردد في مواجهة السلطة دفاعا عن القانون وحقوق الإنسان، في وقت كلف ذلك رفاقه الملاحقة والسجن والمضايقة. وبعد الثورة، واصل العويني حضوره في أبرز الملفات الوطنية، وكان أحد الركائز الأساسية للجنة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، حيث لعب دورا محوريا في متابعة ملف الاغتيالات السياسية وساهم في الكشف عن العديد من المعطيات التي اعتبرتها اللجنة لخدمة الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عنها. وفي السنوات الأخيرة، ظل أيضًا أحد أكثر الأصوات المنتقدة لما يعتبره استهدافًا لمهنة المحاماة، والقيود المفروضة على المحامين، وتراجع استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة. من يعتقد أن السجن يمكن أن يخيف عبد الناصر العويني فهو يتجاهل تاريخ الرجل. العويني عاش السجون في أحلك مراحل الدكتاتورية، عندما كانت تكلفة الدفاع عن الحرية باهظة. لكنه خرج منها أقوى وأكثر التزاما بقناعاته، ولم تنجح سنوات القمع في إسكات صوته أو دفعه للتخلي عن مبادئه. لقد أثبتت التجربة أن أصحاب القضايا العادلة قد تكون حريتهم مقيدة، لكن من الصعب كسر إرادتهم. في المقابل، فإن انتقال القضية من الحكم الابتدائي الذي قضى بعدم سماع الدعوى إلى الحكم الاستئنافي الذي قضى بالحبس لمدة عام، رغم تراجع المشتكي عن شكواه، يثير تساؤلات قانونية وقانونية جوهرية حول الأسس التي بني عليها هذا التحول الكبير في نتيجة القضية. والفارق بين الحكمين ليس مجرد اختلاف في التقدير، بل هو انتقال من غياب وجوب الملاحقة القضائية إلى عقوبة سالبة للحرية، وهو ما يتطلب تفسيرا قانونيا مقنعا، ويؤجج الجدل حول واقع العدالة واستقلال القضاء في هذه المرحلة. كما يصعب فصل هذا الحكم عن المناخ العام الذي تعيشه البلاد، حيث تكثر الملاحقات القضائية التي تستهدف المحامين والقضاة والصحفيين والناشطين والمعارضين السياسيين، في ظل تنامي المخاوف من تراجع استقلال القضاء واتساع دائرة الملاحقات القضائية على أساس المواقف والآراء. ومن هنا السؤال الذي يفرض نفسه: هل يدفع عبد الناصر العويني اليوم ثمن مواقفه المعلنة دفاعا عن استقلال المهنة، ورفضه لما يعتبره محاولات لإخضاع القضاء، وانتقاداته المتواصلة لمسار العدالة في تونس؟ قد تختلف الإجابات، لكن المؤكد أن هذه القضية تتجاوز شخص عبد الناصر العويني. ويؤثر على مكانة مهنة المحاماة كأحد ركائز دولة القانون، ويؤثر على حق المحامي في أداء مهمته بحرية واستقلالية، كما يؤثر على ثقة المواطنين في قضاء مستقل لا يخضع توازنه إلا للقانون. إن استقلال القضاء ليس امتيازاً للقضاة، واستقلال المهنة ليس امتيازاً للمحامين. بل هي الضمانة الأساسية لكل مواطن يسعى للعدالة. وعندما يصبح المدافعون عن الحقوق والحريات أنفسهم موضع ملاحقات وأحكام تثير كل هذه التساؤلات، فإن الأمر لم يعد شأنا فرديا، بل يتحول إلى قضية رأي عام تتعلق بمستقبل العدالة وسيادة القانون في تونس. لقد أثبت التاريخ أن السجون لم تنجح قط في إسكات أصحاب المبادئ، وأن الأحكام قد تقيد الناس، لكنها لا تستطيع محاكمة الأفكار أو قمع المطالبة بالحرية والعدالة. ولذلك فإن الدفاع عن عبد الناصر العويني اليوم هو في جوهره دفاع عن حق كل محام في ممارسة مهنته بشكل مستقل، وعن حق كل مواطن في قضاء حر وعادل ومستقل. * محمد علي نائباً في مجلس الشعب


