تونس – “”بار القاهرة”” لأمير فكري: عندما يتحول المنفى من ضياع المكان إلى مسألة الجسد

اخبار تونسمنذ 56 دقيقةآخر تحديث :
تونس – “”بار القاهرة”” لأمير فكري: عندما يتحول المنفى من ضياع المكان إلى مسألة الجسد

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-08 11:08:00

في روايته «محامة القاهرة» التي تقع في 617 صفحة، والتي تصدرها دار الأمير في مرسيليا، يقدم الروائي أمير فكري عملاً يتجاوز قصة المنفى التقليدية، ليعيد التساؤل عن العلاقة بين المكان والذاكرة والجسد. إنها رواية تبدأ في يافا، المدينة المثقلة بطبقات من التاريخ والجراح، وتنتهي في القاهرة، حيث يصبح الجسد نفسه مساحة لتجربة معنى البقاء والكرامة. جمال قتلة أمير فكري لا يختار بيئة عادية لقصته. «كايرو بوب» ليست مجرد مساحة تدور فيها الأحداث، بل هي شخصية روائية بحد ذاتها، ومكان يحمل ذاكرة مدينة بأكملها. من خلال هذا المبنى المطل على بحر يافا يفتح الكاتب بابا على تاريخ طويل من التحولات، حيث تتعايش القداسة والعنف والحنين والجراح. الحانة… ذكرى يافا محفورة في الجدران. يدور عالم الرواية حول مبنى شهد تحولات متناقضة على مر الزمن. وكان المكان في العصر المملوكي مسجدا قديما شهد الحياة الروحية للمدينة على مدى قرون، قبل أن تعصف بها التحولات السياسية والعسكرية التي غيرت وجه يافا. يحتل الطابق السفلي مكانة رمزية خاصة داخل الرواية. إنه يحمل ذاكرة متعددة الطبقات، من حكايات الفارين من مذبحة نابليون إلى استخدامه أثناء غزو عصابات الهاغاناه ليافا كمكان لاحتجاز وتعذيب المقاومين الفلسطينيين. وهكذا يصبح القبو شاهداً على تاريخ المدينة بكل تناقضاته: ملجأ في زمن، ومكان للألم في زمن آخر. وبعد سيطرة الصهاينة على المدينة، دخل المكان مرحلة أخرى من التدهور، قبل أن يشتريها رولو رحاميم ويعيد إليها الحياة بشكل مختلف. ويتحول المبنى إلى بار يستضيف حفلات موسيقية شرقية، وتزين جدرانه لوحات عن القاهرة، في محاولة لاستحضار حنين شخصي لمدينة ارتبطت بالذاكرة والطفولة. لكن المفارقة التي يعطيها أمير فكري للمكان تكمن في استمرار حضور الماضي داخل الحاضر. الطابق السفلي الذي عرف بالصلاة ومن ثم الألم، أصبح فيما بعد مقرا لاجتماعات منظمة “إيهوت” التي تعلن عن مشروعها المتعلق بـ”تطهير” يافا. من هنا، يتحول الشريط إلى سؤال مفتوح حول قدرة الأماكن على تجاوز تاريخها، أو الحفاظ بشكل دائم على ما شهدته جدرانها. يافا… عندما تصبح الموسيقى ذاكرة بديلة في القسم الأول من الرواية، تبدو يافا أكثر من مجرد مدينة. إنها مساحة تتقاطع فيها الذاكرة مع التاريخ، ويتحول فيها العود إلى لغة قادرة على مقاومة النسيان. من خلال شخصية كادوش، عازف العود اليهودي الفلسطيني، يبني أمير فكري عالماً يقوم على فكرة اللقاء والحوار، حيث تصبح الموسيقى جسراً بين المختلفين، ومحاولة لاستعادة إمكانية التعايش المفقودة. ولا يقدم الكاتب العود كعنصر جمالي فقط، بل يمنحه وظيفة رمزية. إنه يحمل ذاكرة جماعية ويستحضر زمنًا كان من الممكن أن يكون مختلفًا. أما الحانة فتتحول إلى كناية عن عالم تتعايش فيه الهويات والتجارب، قبل أن تبدأ الرواية بالكشف عن هشاشة هذا الحلم. العلاقة بين عزام وهديل، التي تبدو في البداية محاولة للتغلب على الصراعات القديمة من خلال التجربة الإنسانية، تصطدم تدريجياً بثقل التاريخ وتعقيدات الواقع. من الحلم إلى الواقع… عندما تتغير وظيفة الرموز مع تقدم الأحداث، يتغير مسار الرواية. ولم تعد الحانة مجرد مساحة للموسيقى والذاكرة، بل أصبحت نقطة التقاطع بين الفن والاقتصاد، وبين الأحلام ومنطق المصالح. ومع تقديم شخصيات مثل نينو وشكلورمو، تكشف الرواية كيف يمكن للرموز الجميلة أن تستسلم لضغوط الواقع. وحتى الموسيقى، التي ظهرت في البداية كلغة للمصالحة، أصبحت جزءًا من شبكة اجتماعية واقتصادية أكثر تعقيدًا. ولا يقدم أمير فكري هذا التحول على أنه صراع بسيط بين الخير والشر، بل يكشف كيف يعيد الواقع تشكيل العلاقات والقيم، وكيف يجد الإنسان نفسه ضمن أنظمة أكبر من قدرته على السيطرة. وتجسد شخصية نيزو هذا المعنى بوضوح. رحلته بين يافا ودبي والقاهرة لا تمنحه الاستقرار، بل تكشف أن المنفى يمكن أن يتحول إلى حالة داخلية ترافق الإنسان أينما ذهب. الهجرة لا تنهي الاغتراب، بل قد تعيد إنتاجه في أماكن جديدة، مما يجعل مسألة الانتماء أكثر تعقيدا من مجرد البحث عن وطن. القاهرة… عندما يصبح الجسد هو الوطن الأخير في الثلث الأخير من الرواية، يحدث التحول الأعظم. وتتراجع يافا كفضاء رمزي، بينما تتقدم القاهرة بكل ثقلها الحقيقي واليومي. ومن خلال شخصية زيزو ​​بن الخولي، يحول أمير فكري أزمة صحية تبدو بسيطة إلى بوابة للكشف عن اختلالات اجتماعية أوسع. ولم يعد المرض حادثة فردية، بل أصبح مرآة تعكس هشاشة المؤسسات وصعوبة العيش ضمن نظام غير متوازن. لا تعتمد الرواية على مبالغة درامية، بل على تفاصيل صغيرة تكشف حجم الأزمة: عائلة تبحث عن تكلفة العلاج، ومستشفى يعاني من العجز، وشخص يواجه ظروفا تفوق قدرته على التحمل. وهنا ينتقل السؤال من الوطن إلى الجسد. وبعد أن ارتبط المنفى بفقدان المكان، أصبح مرتبطا أيضا بفقدان الأمان، ويصبح الجسد هو المساحة الأخيرة التي يدافع فيها الإنسان عن وجوده وكرامته. رواية تعيد تعريف المنفى والإنسان. تكمن قوة «حانة القاهرة» في أنها لا تقدم المنفى كقضية جغرافية فحسب، بل تعيد صياغته كتجربة إنسانية شاملة. من يافا إلى القاهرة، من الحانة إلى المستشفى، تتغير الأماكن، لكن يبقى السؤال واحدا: كيف يحافظ الإنسان على نفسه في عالم دائم التغير؟ ومن الناحية الفنية، تعتمد الرواية على أصوات سردية متعددة، حيث لا يحتكر الراوي الواحد الحقيقة، بل تتقاطع أصوات الشخصيات لتقدم صورة أكثر تعقيدًا للعالم. كما يترافق هذا البناء مع تحول لغوي واضح، إذ تنتقل الرواية من لغة مشبعة بالشعر والحنين إلى لغة أكثر تعلقا بتفاصيل الواقع. «كايرو بوب» لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تفتح أسئلة حول الهوية والمنفى والانتماء والعدالة الإنسانية. إنها رواية تبدأ بقصة مكان، وتنتهي بشخص. حيث يصبح المنفى أكثر من مجرد خسارة أرض، ويصبح الجسد هو الوطن الأخير الذي يحاول الإنسان حمايته. يقدم أمير فكري بهذا العمل رواية تجمع بين التاريخ والواقع، بين الرمزية والتفاصيل اليومية، ويعيد التفكير في معنى الإنسان داخل عالم تتغير فيه الخرائط، وتبقى الذاكرة.