تونس – بالمناسبة: عندما يصبح «البيع» ترفاً وطنياً

اخبار تونسمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
تونس – بالمناسبة: عندما يصبح «البيع» ترفاً وطنياً

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-26 20:52:00

*بقلم فهيم بوكدوسكان المواطن التونسي قديما كان يعلم أن العيد يقترب دون أن ينظر إلى التقويم. ويكفيه أن يفتح النافذة في الصباح، فيستقبله تلك «الجوقة الوطنية» الخالدة: «بااااااااااااااااااااا،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه 01133111 1000100000000000000000e 10:06 a00 اليوم اختفى الصوت تماما، وكأن الخروف دخل في إضراب عام، أو هاجر سرا عبر البحر باتجاه دول تحترم القدرة الشرائية للمواطنين والأغنام، تخرج إلى الحي ولا تسمع سوى صوت الملاعق في المقاهي، وتنهدات الآباء والأطفال وهم يطرحون السؤال الخطير: «بابا.. أليس هذا العيد، فما بال علوش؟» يجيب الأب بنظرة فلسفية عميقة، وكأنه يشرح نظرية انهيار الإمبراطوريات: “يا ابني.. علوش أصبح للتو ذخراً نادراً، ماذا عن الذهب والنفط؟” في الماضي، كان الشخص يعود إلى منزله وهو يحمل الحبل بكل فخر، ويجر الغنم، ويخرج الحي بأكمله للمشاهدة، وكأن موكبًا رسميًا قد دخل إلى المنطقة. لكن اليوم، من يشتري خروفاً يكاد يخفيه، ليس خوفاً من الحسد، بل خوفاً من أن تطلب منه العائلة قرضاً صغيراً لأنه أصبح من «الطبقة الميسورة». حتى الخراف نفسها تغيرت في نفسيتها. في الماضي، كان البعبع واثقاً من نفسه، يأكل وينطح ويركض ويحتل الحي وكأنه الحاكم العسكري للمنطقة. الخروف اليوم صامت ومنسحب، ينظر إلى الناس بحزن، وكأنه يعلم أن سعره تسبب في حالات طلاق وأزمات قلبية وعشرات القروض الاستهلاكية. والأطرف أن الجميع بدأوا يتحدثون عن «أزمة القطيع» بنفس الطريقة التي يتحدثون بها عن الكوارث الطبيعية، وكأن القطيع تبخر فجأة أو اختطف من قبل كائنات فضائية. ولا أحد يسأل كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف أصبحت الدولة الزراعية حتى أحلام الفقراء؟ كيف أصبح العيد مشروعاً اقتصادياً يحتاج إلى دراسة جدوى وموافقة البنك وأداة تمويل؟ لسنوات كانوا يهتفون: “الزراعة جيدة”. “الانتاج متوفر” “السوق تحت السيطرة.” وفي النهاية اكتشف المواطن أن الشيء الوحيد الذي كان تحت السيطرة فعلاً هو جيبه. وتم التحكم فيه يومياً حتى أصبح فارغاً بطريقة احترافية. والأغرب من ذلك أن الأمطار هذا العام هطلت بغزارة، وامتلأت السدود، واخضرت الأرض لدرجة أن الناس ظنوا أن الخير سيأتي لا محالة. لكن يبدو أن أسعارنا لا تشرب من مياه السدود، بل من دماء المواطن مباشرة. ارتفع كل شيء بطريقة أسطورية: اللحوم والخضروات والحبوب والزيت وحتى الثيران تباع الآن كما لو كانت قطعة أثرية رومانية نادرة. أما الفقير، فقد بدأ يعيش طقوس العيد بطريقة رمزية جداً: فهو يرى صور الأغنام على الفيسبوك، ويضع «لايك» على منشورات الناس، ثم يذهب ليحسب كم بقي من راتبه بعد رسوم الكهرباء والإيجار والغاز، التي أصبحت بدورها مشروعاً استثمارياً طويل الأمد. حتى أحلام الأطفال تغيرت. قديما كانوا يتمنون خروف كبير ذو قرون ضخمة. أقصى طموح الطفل اليوم هو رؤية خروف حقيقي، وليس صورة منشورة في إعلان ممول بعنوان: “علوش عيد.. أسعار مناسبة”. ثم تكتشف أن المقصود بـ “بأسعار معقولة” هو رجال الأعمال وأصحاب الشركات فقط. وفي وسط هذا العبث، يخرج علينا بعض العباقرة ويقولون للناس: «قللوا من الاستهلاك». وكأن المواطن يعيش بالفعل حياة البذخ، يأكل لحم الغزال على الإفطار، ويشرب عصير الأفوكادو مع المكسرات في المساء. سيدي، المواطن لم يعد يبحث عن «الاستهلاك»، بل يبحث عن البقاء بكرامة حتى نهاية الشهر. ثم يأتيك من يقول بكل ثقة: «العيد مش خروف بس». طبعا كلام جميل جدا لكن الغريب أن هذه الجملة لا يقولها إلا من اشترى خروفه فعلا وربطها أمام المنزل، بينما الفقراء مطالبون كل عام بممارسة الزهد الإجباري، والتظاهر بأن الأمور على ما يرام، وأن مشاهدة الماعز على اليوتيوب كافية لإحياء الشعائر. لقد وصلنا إلى نقطة أصبح فيها صوت الخراف نفسه امتيازًا طبقيًا. ودخلت الأحياء الشعبية في حداد صوتي رسمي. صمت ثقيل، وكأن العيد يمر خجلاً من الناس. لم يعد المواطن يحلم بخروف ضخم ولا حتى نصف خروف… لم يحلم إلا بعودة ذلك الضجيج الجميل، وأن يسمع طفل الحي صراخ خروف، وأن يستيقظ الناس منزعجين من المطاردة كما يحدث دائما، لأن بعض الأصوات مهما كانت مزعجة، كانت دليلا على أن الحياة لا تزال بخير. *ف.ب. رئيس المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين. المقال بالمناسبة: عندما تصبح “البدنية” ترفاً وطنياً ظهر أولاً على أخبار تونس.