تونس – تشكيل العقيدة الأمنية للدولة والمؤسسات في تونس

اخبار تونس9 يونيو 2026آخر تحديث :
تونس – تشكيل العقيدة الأمنية للدولة والمؤسسات في تونس

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-09 10:21:00

يُستخدم مصطلح “العقيدة الأمنية” أحيانًا بشكل فضفاض، مما يسبب ارتباكًا حقيقيًا. هناك فرق جوهري بين العقيدة الأمنية للدولة، أي رؤيتها الاستراتيجية لطبيعة التهديدات وأولويات الحماية، وبين العقيدة المهنية للمؤسسات الأمنية التي تنظم أسلوب عملها وسلوكها في الميدان. يركز هذا المقال بشكل أساسي على المستوى الأول، باعتبار أن العقيدة الأمنية للدولة تمثل الإطار المرجعي الذي تستمد منه المؤسسات الأمنية والعسكرية تصوراتها المهنية ومبادئ عملها: كيف تحدد الدولة أمنها؟ وما هي المصالح التي تضعها على رأس أولوياتها، وكيف تنعكس هذه الرؤية على المؤسسات المكلفة بتنفيذها؟ العقيد محسن بن عيسى * مستويات مصطلح العقيدة أولاً عقيدة أمن الدولة : وهي أعلى مستوياتها. ويتعلق برؤية الدولة للأمن ومصادر التهديد وموضوع الحماية. إنه يجيب على أسئلة جوهرية: ما هو الأمن القومي؟ ما هي المصالح الحيوية للدولة؟ ما هي التهديدات الرئيسية؟ وما هو دور المؤسسات المختلفة في حمايتها؟ وهو عقيدة ذات طبيعة سياسية وإستراتيجية، تشارك في صياغتها السلطات السياسية والمؤسسات السيادية والخبراء. ولا تقتصر وظيفة العقيدة الأمنية على توجيه العمل الأمني ​​والعسكري، ولكنها تلعب أيضًا دورًا توحيديًا من خلال توفير إطار مرجعي مشترك لمختلف مؤسسات الدولة المكلفة بحماية المصالح الوطنية، مما يساعد على تنسيق السياسات وتوحيد تصورات التهديدات والأولويات الأمنية. ثانيًا: عقيدة المؤسسة الأمنية: وهي عقيدة مهنية ومؤسسية، تهتم بكيفية قيام المؤسسة الأمنية بمهامها: الحفاظ على النظام العام، وحماية الأشخاص والممتلكات، وتطبيق القانون، وإدارة الأزمات. نحن هنا نتحدث عن عقيدة الشرطة والحرس الوطني والحماية المدنية أكثر مما نتحدث عن عقيدة الدولة. ثالثاً: العقيدة العسكرية: وهي مجال مختلف نسبياً حيث تهتم بطريقة استخدام القوة العسكرية وتنظيم العمليات والقيادة والتخطيط. ولهذا السبب عادة ما تكتب الجيوش وتعلن عقائد عسكرية أوضح من العقائد الأمنية. وعلى هامش ذلك، هناك «العقيدة المهنية للفرد»، وهذه ليست دائما «عقيدة» بالمعنى الدقيق للكلمة، ولكنها أقرب إلى أخلاقيات المهنة، وثقافة الانضباط، ومفهوم الواجب، والولاء المؤسسي، وقواعد السلوك المهني. عندما نتحدث عن “العقيدة النظامية” أو “العقيدة العسكرية” في الخطاب اليومي، فإننا غالبًا ما نشير إلى هذا المستوى. وبشكل عام فإن الرجل الأمني ​​أو العسكري لا يتعامل عادة مع عقيدة أمن الدولة كنص يدرسه، بل كواقع يعيشه يوميا من خلال القوانين التي تحكمه، والتنظيم الذي يؤطره، والتدريب الذي يوجهه، والتعليمات التي يتلقاها، والثقافة المهنية التي تشكل رؤيته للوظيفة والدولة معا. العقيدة في علم إدارة الأمن يمكن تعريف العقيدة الأمنية، حسب الأدبيات المتخصصة، بأنها نظام من المبادئ والتصورات المرجعية التي تحدد فهم الدولة والمؤسسة الأمنية لطبيعة التهديدات والمصالح الحيوية. ومن الضروري التمييز بين العقيدة والاستراتيجية. تحدد العقيدة المبادئ والتصورات العامة – ماذا نحمي ولماذا؟ – أما الاستراتيجية فتتعلق بالوسائل والآليات. – كيف تتحقق الحماية؟ ومن هذا المنطلق، تقوم المؤسسات الأمنية على ثلاثة مبادئ أساسية: التسلسل القيادي، وحدة القيادة، والمسؤولية المتدرجة. وبما أن مبدأ الطاعة الوظيفية لا يلغي المسؤولية الفردية، فمن الضروري التأكيد على أن مسؤولية الضابط أو الضابط تبقى إذا نفذ أمراً غير قانوني بشكل واضح، وذلك تطبيقاً لمبدأ التوازن بين واجب الطاعة وواجب احترام القانون. ولذلك فإن فعالية العقيدة الأمنية لا تقاس بمدى صياغتها النظرية فحسب، بل أيضاً بمدى استيعابها داخل المؤسسة وتحولها إلى ثقافة مهنية وممارسة يومية مشتركة بين مستوياتها المختلفة. وبهذا المعنى، تشكل النظام الأمني ​​التونسي بعد الاستقلال في إطار بناء الدولة الوطنية والمؤسسات التونسية، مع الاحتفاظ ببعض الهياكل والترتيبات الموروثة من فترة الحماية. مراجعة العقيدة الأمنية في تونس. لقد فتحت أحداث 2011 نقاشا حقيقيا لم تعرفه تونس من قبل حول إصلاح المنظومة الأمنية وإعادة تعريف علاقتها بالمواطن والدولة. ساهمت أطراف متعددة في هذا النقاش: المجتمع المدني، والبرلمان، والمؤسسات الأمنية نفسها، والخبراء الدوليون. وفي هذا السياق، برز مفهوم «الأمن الجمهوري» تعبيراً عن طموح واضح: أمن مرتبط بالدستور والقانون والمصلحة العامة، وليس بالرهانات السياسية الظرفية. وأهمية هذا المفهوم لا تكمن في الاسم بقدر ما تكمن في التحولات الفعلية التي ينبغي أن تعكسها المؤسسات والممارسات. لكن مفهوم «الأمن الجمهوري» لم يصبح مرجعية مؤسسية راسخة. بل بقي أقرب إلى خطاب الطموح منه إلى أسلوب العمل المتجذر. وذلك لأن الإصلاح المؤسسي الحقيقي يتطلب الوقت، والإرادة، والموارد، والإجماع السياسي، وهي الشروط التي لا يمكن تحقيقها كلها في نفس الوقت. إن التحولات التي شهدتها المرحلة اللاحقة أعادت طرح الأسئلة نفسها: عندما تكون السلطة مركزية، هل تتمركز وظيفة الأمن معها؟ هل ستضيق المسافة بين أمن الدولة وأمن النظام من جديد؟ ومن هنا، تبقى العقيدة الأمنية التونسية إلى يومنا هذا في طور التشكل، لا كاملة ولا ناقصة التأثير. الأسئلة الحقيقية الأسئلة المطروحة في الوقت الحاضر لا تتعلق باختيار اسم لعقيدة المؤسسة الأمنية، بل بتحديد محتواها الفعلي: ما هي المصالح التي تحميها؟ ما هي القيم التي يرتكز عليها؟ ما هي الحدود التي تحكم ممارسة السلطة؟ هذه الأسئلة ليست نظرية. والإجابات عليها تقرأ يوميا في سلوك المؤسسة وعلاقتها بالمواطنين، كما تستدل عليها من السياسات المعتمدة في التوظيف والتدريب والترقية والتعيين وتوزيع المسؤوليات. ولا تتجلى العقيدة الأمنية في الخطب والنصوص فحسب، بل تتجلى أيضاً في المعايير التي تعتمدها المؤسسات في اختيار قادتها وصياغة ثقافتها المهنية. وتؤكد العديد من الدراسات أن التركيز المتزايد للسلطة قد يترافق مع تحول معايير التوظيف والترقية من منطق الكفاءة والجدارة إلى منطق الولاء والثقة، أو على الأقل مع إعطاء الأخير وزنا حاسما في التعيينات في المناصب الحساسة. وبقدر ما تتضح الإجابات عن هذه الأسئلة وتترسخ في القوانين والممارسات، تتضح ملامح العقيدة الأمنية التي تحتاجها تونس في هذه المرحلة من تاريخها: عقيدة تحمي الدولة دون أن تقتصر على حماية السلطة، وتحافظ على النظام العام دون المساس بالحقوق والحريات، وتضمن فعالية المؤسسة الأمنية مع الحفاظ على حيادها تجاه المنافسة السياسية. ولا يُنتظر تحقيق ذلك من المؤسسات الأمنية وحدها. إن عقيدة أمن الدولة هي في نهاية المطاف انعكاس للعقد الاجتماعي القائم بين الدولة والمواطن. وما لم يكن هذا المواطن طرفاً واعياً في الحديث عن أمنه وليس مجرد موضوع بالنسبة له، فإن العقيدة الأمنية ستبقى مقتصرة على من يصنعها، بعيداً عن من يعيش تبعاتها. *متقاعد من الحرس الوطني – مسار الدكتوراه – ماجستير في العلوم السياسية.