اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-19 15:00:00
لم يكن قرار الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف التونسية باستئناف إجراءات انعقاد الجلسة العامة الاستثنائية للمحامين المنعقدة بتاريخ 1 ماي 2026، مجرد سلوك عادي تم اللجوء إليه بطريقة عادية لتحقيق هدف عادي وفي نطاق الإجراءات الداخلة في اختصاص النيابة العامة بصفتها حامية المصلحة العامة والمشرفة على سلامة إجراءات الهياكل التابعة لها. أحمد الحباسي * يتفق المراقبون على أن قرار النيابة، بقدر ما كان متوقعا، كشف عن حالة التوتر التي أصبحت تطبع العلاقة بين مكونات الجسم القضائي، على اعتبار أن مهنة المحاماة كانت دائما في الصفوف الأولى للدفاع عن مصالح القضاة، وكانت دائما سندا مخلصا وفعالا في كل تحركات القضاة، وقد دفع فاتورة ذلك الدعم غاليا لأن السلطة القائمة لم تنظر بعين الارتياح إلى كل ما تصدره عمادة المحامين فيما يتعلق دعمها للقطاع القضائي. ولكي نفهم سبب حدوث تدخل النيابة العامة ممثلة بالسيد النائب العام لدى محكمة الاستئناف، لا بد من إيلاء اهتمام وحذر كبيرين لمضمون القرارات الأخيرة الصادرة عن عمادة المحامين، والتي أثارت الكثير من اللغط والارتباك، سواء على مستوى المحامين أنفسهم، على أساس أن قرار الإضراب موضوع محضر الجلسة العامة بتاريخ 1 مايو 2026، لم يكن محل إجماع كامل، أو على أساس أن ومثل هذا القرار سيدخل العمادة في صراع مع الجهة المشرفة التي تعتبره نوعا من الإسراف في التشهير والاعتداء المتعمد على المنشأة. عدالة. المنشأة القضائية مريضة وتحتاج إلى طبيب ماهر. ولا شك اليوم أن أي جهة مهنية تقرر الدخول في سجال أو مواجهة أو صراع احتجاجي تصعيدي بلا سقف، دون الأخذ في الاعتبار أن السلطة لم تعد تقبل هذه الاحتجاجات في وقت تجد نفسها عرضة لاتهامات خارجية متعددة فيما يتعلق بحرية التعبير وحرية التظاهر وممارسة الحقوق المتعلقة بالنشاط السياسي أو الحزبي. وهي تضع نفسها على فم بركان، بحيث لن تغفر السلطة مثل هذا الإضراب الجماعي وستواجهه بفتح ملفات المحامين وملف العمادة نفسها، وهو ما لاحظه بعض المحامين المعارضين. للضرب. المنشأة القضائية مريضة ومعتلة وتحتاج إلى طبيب ماهر لإنقاذها من السقوط. وهذا ليس سراً بالطبع، لكن الهيئة ترى أنها غير قادرة، بسبب ضعف الإمكانيات، على مواجهة متطلبات تحسين هذا المرفق، سواء على مستوى الموظفين أو على مستوى المعدات. في المقابل، فإن عمادة المحامين التي تمثل مصالح أصحاب المصلحة، لا تنظر إلى الأمر بنفس الرؤية. بل تصر، بحسب كل تصريحاتها المتكررة ومن أكثر من فرع داخل الجمهورية، على أن حال المنشأة القضائية تدهور على كافة المستويات إلى درجة أنها لم تعد قادرة على تحمل وضع يعيقها عن ممارسة مهامها بموضوعية. ومعقولة. واللافت هنا أن السلطة الإشرافية تعمدت قبل ساعات نشر بيان مقتضب للغاية للرأي العام لم يشر إلى وجود مساعي لحل الأمور أو الدعوة إلى الحوار أو طرح الحلول أو على الأقل الاعتراف بوجود مشكلة عميقة تعاني منها المنشأة القضائية. بل كان الملفت للنظر مدى تجاهل الوزارة للمحامين عندما لم تكلف نفسها عناء ذكر الاسم الصحيح لعمادة المحامين، مكتفية بتسميتها «نقابة المحامين». ويتضح من بيان الوزارة المتوتر ومحاولتها تهميش تحركات المحامين وتجاهل قرار العمادة أن هذا البيان أخفى حقيقة موقف الوزارة من دعوة المحامين إلى مقاطعة الدوائر الجزائية التي لا يحترم تكوينها الصيغ القانونية لتعيين أعضائها والتي تتعمد، حسب وجهة نظرها، مخالفة معايير المحاكمة العادلة. بل إن بيان العمادة هدد بشدة وجهة نظرها ضد أي تجاوز سلبي لهذه الخطوات، ودعتها إلى ممارسة حرية التعبير في الفضاء العام، واستنكار الأزمة التي تعاني منها المنشأة القضائية بشكل عام. ولن تسمح الوزارة لعمادة القانون بتسجيل نقاط سياسية. ولا شك أن بيان الوزارة رغم أنه يهمش تحركات العمادة ويسخر من النيابة للطعن في قرار الإضراب على أساس أنه اتخذ مخالفا للقانون وتحديدا الفصل 54 من المرسوم رقم 79 لسنة 2011 بتنظيم مهنة المحاماة، فإن هذا التصرف مهما كان مدى مطابقته للقانون يعد تأكيدا قويا على أن الوزارة لن تسمح لعمادة القانون بتسجيل نقاط سياسية من خلال استغلال بعض الظروف السيئة التي تعيشها فالمرفق القضائي مستمر منذ ما قبل الثورة وحتى الآن، وحتى مجرد الإشارة في بيان الإضراب إلى تركيبة الأقسام العقابية يعطيه دليلا قاطعا على أن المطلب المهني في ظاهره هو مطلب سياسي مفتوح وبامتياز. ولا يمكن أن يمر مرور الكرام دون لفت الانتباه إلى أن هناك إقراراً بين المراقبين بأن قرار الإضراب خالف فعلياً مقتضيات الفصل 54 المذكور، بحيث لم يكن النصاب القانوني متوافراً فعلياً عند اتخاذه، وتسرب خطأ جسيم في تشكيل المجلس التأديبي. وهنا تطرح أسئلة كثيرة أهمها كيف تطالب عمادة المحامين المشرفين عليها بمقاطعة الدوائر الجزائية التي لا يحترم تشكيلها الصيغ القانونية، في حين أنهم لا يحترمون هذه الشكليات سواء عند اتخاذ قرار الإضراب رغم عدم اكتمال النصاب أو الموافقة. هل يعني ذلك وجود خلل في تشكيل مجلس التأديب؟ ومن المهم أيضاً، وبالتوازي مع ذلك، الإشارة إلى الخطأ الجسيم الذي ورد في بيان وزارة العدل عندما أشارت إلى أن المحاكم ستواصل عملها الطبيعي في الفصل في القضايا المنشورة، متجاهلة عمداً أن الفصل في القضايا الجزائية، على سبيل المثال، يتطلب وجوباً حضور محامٍ. وبذلك تؤكد الوزارة نفسها الاتهامات المتعددة التي تواجهها فيما يتعلق بتوفر شروط المحاكمة العادلة. والمؤكد في الواقع أن ما حدث يشير إلى حالة من التوتر تسعى إلى كسب نقاط سياسية لا علاقة لها بمصالح المتقاضين، الأمر الذي سيؤدي في كل الأحوال إلى مزيد من تدهور حالة المرفق القضائي. *كاتب وناشط سياسي.



