اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-01-22 09:41:37
وفي النص التالي، يستعرض الكاتب ذكريات خاصة لجبل بوقرنين الواقع على ضفاف البحر الأبيض المتوسط بمدينة حمام الأنف جنوب العاصمة تونس، ويستعرض حضور هذا المعلم الطبيعي في الأدب التونسي والعربي.
كتب بواسطة صوف عبيد
– 1 –
صديقي الشاعر معمر الماجري هو الثالث من بين ثلاثة أصدقاء يعشقون مدينة حمام الليف، إلى جانب الكاتب جلال المخ والشاعر عبد الحكيم زرير، هذه الضاحية التي – بالإضافة إلى ذلك إليهم – كتب عنهم العديد من الأدباء، منهم علي الدواجي في إحدى قصصه والشاعر مصطفى خريف في قصيدته «بين جبل وبحر». وقد ذكرها الكاتب عز الدين المدني عندما روى ذكريات طفولته عندما لجأ إلى هناك مع عائلته خلال الحرب العالمية الثانية، عن إحدى أحداثه في مدينة حمام الليف الشاعر مصطفى المدب، وكان للشاعر عبد الرحمن الكبلوتي أيضاً قصيدة فيه. كما ذكرها الكاتب ميخائيل نعيمة في إحدى رسائله عقب زيارته لتونس سنة 1961.
– 2 –
دعاني صديقي الشاعر معمر الماجري في يوم مشرق ومعتدل بعد أيام من البرد الشديد لزيارة هذه الضاحية. وكانت مناسبة لزيارة قبر جدي رحمه الله في المقبرة القديمة. ثم صعدنا ببطء على طول دروب جبل بوقرنين، حيث كان صديقي يحدثني بحنين عن ذكريات طفولته في مختلف الأحياء والمناطق، فكان سي معمر. لقد تم الترحيب به أينما مررنا أو جلسنا. وكيف لا وهو يتفاعل بشكل وثيق مع مختلف أصناف أهلها جيلاً بعد جيل على مر السنين. كان يعرفهم وعرفوه في كثير من الظروف، وكانت له معهم قصص مضحكة وغريبة أحياناً.
كان يومًا كما لو كان ربيعًا. وصلنا إليها في أعماق أيام الشتاء الباردة والممطرة، وازدهرت الأشجار باللون الأخضر، تتلألأ مع بقاء قطرات المطر على أوراقها تحت أشعة الشمس الدافئة. كلما مررنا بشجرة ذكر لي اسمها وخصائصها وطرق الاستفادة منها وكأنه خبير بها… وكيف لا وقد كانت هذه الأودية والدروب والأودية مرحلة ؟ لألعاب طفولته مع أقرانه في الحي، بين الذهاب والإياب وفي أواخر الليل والصيف.
وعندما وصلنا إلى شقة على أحد الشعاب توقف وأخبرني أن هذه الشقة كانت قديماً حديقة في الربيع لعائلات حي الملاسين. ترى الجميع مجتمعين في سعادة غامرة، يتحلقون، يأكلون معًا، ويشربون أكواب الشاي، والأطفال يلعبون ويلعبون بين الأشجار، فرحين. ما هي الذكريات الجميلة التي أتذكرها بالحنين. صديقي الذي كلما مررنا بشخص أو مجموعة توقفنا لإلقاء التحية عليهم، فيستقبلونه بالحفاوة والمودة والتقدير، كما يعود إليهم بعد غياب، كما عاد إلى مراعي طفولته في وادي جبل بوقرنين، الذي كان يعرفه كشجرة ونبات العرعر والكافور، بالإضافة إلى الصنوبر الذي كان يقطف منه توت “الزقوق”.
– 3 –
كيف أخبرني صديقي عن شغفه بجمع باقات زهرة السيكلامين الجميلة والنادرة التي ينفرد بها جبل بوقرنين. وكان يشير بين الحين والآخر إلى العديد من الأصناف الأخرى كالاكاليل والزعتر والصبار ونبات (سبت الغول) الذي كان يغلف به باقة السكلمان للحفاظ عليها وزيادة جمالها.
ومن النباتات الجبلية الأخرى التي أراني صديقي نبات القيوط، وأخبرني أن نبات البصيلة هو غذاء للخنزير يستخرجه من تحت الأرض، وقد صادفنا آثار مشيته في ذلك اليوم. أما نبات التيفاف فهو طعام لذيذ للحيوانات العاشبة، ويشارك الإنسان في أكله أيضاً. قيل في المثل الشعبي (ما يكفي البعير ليأكل الططاف؟) وعندما تأتي أول أيام الربيع يأخذ الجبل مظهره الملون الذي يشمل أصفر الأقحوان وأحمر الأقحوان. يبدو جبل بوقرنين رائعا للناظرين.
صعدنا شيئاً فشيئاً حتى أطلنا على زرقة الخليج المتناقضة مع اللون الأخضر تحت زرقة السماء. كم كانت متعة رائعة، حيث كان النسيم يحوم بنا كالأجنحة، ويرفرف بنا وسط هذه الطبيعة الرائعة في تونس الجميلة في كل جوانبها، أينما كنت أو إلى أين اتجهت، ولكننا لم نقدر ذلك كثيرًا كما يستحق. ولسوء الحظ، عندما وصلنا إلى التل المطل على مدينة حمام الأنف، بدا لنا -البرج الأخضر- على حالة لم تكن كما ينبغي، لأنه كان في السنوات الماضية معلما سياحيا مميزا. أما «الكازينو» و«قصر الباي» فقد ورد أنهما في حالة خراب ولا حرج فيهما.
–– 4 –
وكان جبل بوقرنين مصدر إلهام لبعض الشعراء والأدباء، مثل الشاعر مصطفى خريف الذي استقر في مدينة حمام الأنف لفترة من الزمن خلال الحرب العالمية الثانية. وكتب قصيدة “بين الجبل والبحر” وهي على شكل حوار بينهما. نشره في ديوانه الأول «الشعاع» عام 1949، ثم أعاد نشره في ديوانه الثاني «الشوق والذوق» عام 1965، وفيه قوله:
الجبل
يا بحر
يا أيها الغارق في أعماق الأرض
السجين في أعماق الصخور والرمال
يا رهينة السلاسل والأغلال والظلام
كم أنت عميق! ما مدى أهمية امتدادك؟
(البحر)
يا جبل
يا أيها الضائعون في ممرات السماوات
ضاع في آفاق الفضاء الأبدية
هو الذي يتحمل أثقال السحاب وأنفاس الكواكب
يا زارع الصخور والشوك
و القتاد و الجيفة المتعفنة
كم هو غبي مثابرتك
كم هي حقيرة إهانتك
– 5 –
عندما زار الأديب ميخائيل نعيمة تونس سنة 1961، بعث برسالة إلى ابن عمي سي الحبيب عبيد الذي كان يودعه، ذكر فيها جبل بوقرنين قائلا: “كم أتمنى يا صديقي الشاب لو استطعت أتحدث معك ومع الكثير من الشباب التونسي مثلك وليس من على المسرح. بلدي، ولكن على شاطئ البحر، أو في بستان زيتون، أو في سفح بوقرنين، أو في أي مكان يكون فيه الحديث ممتعًا ويجري بشكل عفوي وبدون أدنى تكلفة.
ونص الرسالة نشر في العدد الأخير من مجلة “الحياة الثقافية” التونسية:

لصديقنا الشاعر عبد الحكيم زرير قصيدة رائعة بعنوان “الحمامة” وهو الاسم الشعبي لمدينة حمام الليف، وصف فيها معالم المدينة المختلفة ومناطقها ومن بينها جبل بوقرنين ، حيث قال:
مدينة حية
صياغه شعبيه
تأتي خصوصياتي إليها في المساء
نحن لا نتحدث عن آمالها
يا له من مكان
إنهم يحسدونني بسببها
بخصلتين نسجها الخالق
جبلها والبحر المحيط بها
راهي نارو
كارنازيس، منطقة خانارو
وله قمتان في وسط أشجاره
هل هناك قمة واحدة يمكن أن يقولوا عنها؟
فخر نارو
قاموا بتدفئة أنفسهم بالماء ولم ير نارو
من كارو القديمة والمألوفة
كل الكبرياء يشفيها
بعيداً
يتحدث في سيدي بوسعيد
تستمر الموجة في التنهد
بنسيم لطيف يملأه
– 6 –
جمع صديقنا الأديب جلال المخ في كتابه “همام النفس في قلوب الشعراء” الصادر عن دار المعارف للطباعة والنشر عام 2008، العديد من القصائد لنخبة من الشعراء والأدباء الذي كتب عن مدينة حمام النف. ومن المؤسف أن بلديتها رفضت اقتناء ولو نسخة واحدة من هذا الكتاب المرجعي وهي المدينة. الذي كان ولا يزال مسكناً ومزاراً ومقصداً للأدباء والشعراء والفنانين على مر الأجيال المتعاقبة والعصور المتعاقبة من الشرق والغرب على حد سواء. ومن الشعراء المحبين لها والمخلصين لها صديقنا معمر الماجري صاحب قصيدة مبتكرة في الرثاء. أعتبرها إضافة جديدة لما تحتويه من حنين وألفة بأسلوب سردي يعتمد على بساطة التفاصيل. وهي صغيرة داخل السهل المهجور، لكنها بسيطة وسلسة، تعبر عن الألم الشديد بسبب فراق رفيق العمر، والقصيدة بعنوان “بارك زوجك يا زوج الحذاء”:
كل الفضة
استنشق رائحتك
في “المغازة” صباح اليوم
أخبرني زوج من الأحذية
يناسب حجمك
وهذا هو اللون الذي تفضله
وكانت مصنوعة من الجلد الثمين
وسعره معقول
وهو … وهو …
قلت له
يا زوج من الأحذية
لقد قامت
الحجم لم يعد يتوسع
لم تعد تغريها الألوان
ولا الأسعار
عزيزي
ارتفعت روحها
ليس لدي زوجة
استمتع بزوجك
يا زوج الأحذية
يكتب الشاعر معمر الماجري في مختلف الأجناس الأدبية والرواية والنقدية والشعرية في مواضيع وأشكال مختلفة، لكنه يميل نحو الطقوس العمودية، مثل قصيدة “رحلة برية” التي كتبها وهو في الستين من عمره ، ويذكر فيه الحي الذي مررنا به، حيث يقول:
لقد ركبت ستين عامًا
في رحلة برية دون قرار
في حارتنا الشعبية أنسج ملامحي
ارتفع غصن في حمى الأشجار
لقد نشأنا على القتال منذ الطفولة
“سيزيف” يحب متعة المثابرة
الفقر هو عندما يسممنا بسياطه
فقلنا له إنني خلعت ثيابي
ومن صبر أيوب الجميل حيرته
من قصة الإيمان بالقدر
ما زلت أتذكر حمامتي في المنزل
ديك حمامة معلق على حائطي
الحب الجميل أصبح كرامة
الوحي الجميل لا يفقد كرامته
لقد مرت ستين عاما بهذه السرعة
الله أعلم في أي فئة عمرية؟
ولذلك فهي قصيدة سيرة ذاتية مليئة بالحنين والحزن
– 7 –
لم أكن أعلم منذ أربعين عامًا أن أحد طلابي المتميزين في معهد فرحات برادس، صديقي عبد الوهاب الهاني، كان يعرض عليّ بعض قصائد أحد أصدقائه حتى أتمكن من إبداء رأيي فيها. كنت أشجع صديقه على الاستمرار والقراءة، ومرت الأيام والسنين ووجدت نفسي أسير مع صاحب تلك القصائد على دروب جبل بوقرنان. .
وبهذه المناسبة أذكر عندما كنت في السنة الأولى أو الثانية من التعليم الثانوي بالمدرسة الصادقية منتصف الستينيات، أرسلت أنا وزميلي وصديقي هشام بالشيخ أولى قصائدي إلى أخته، الكاتبة حياة بالشيخ. وكانت من أبرز الكاتبات التونسيات في تلك السنوات، فقرأت قصائدي وكتبت لي ملاحظاتها القيمة التي استفدت منها. منها أتقدم بخالص الشكر والتقدير.
وما بليغ قول الجاحظ: «ليكون طريقنا لمن بعدنا كطريق الذين قبلنا».


