تونس – خطاب في زمن الصدمة: رسالة مجتبى حسيني خامنئي نموذجاً

اخبار تونس13 مارس 2026آخر تحديث :
تونس – خطاب في زمن الصدمة: رسالة مجتبى حسيني خامنئي نموذجاً

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-13 13:15:00

الرسالة التي أصدرها المرشد الأعلى الإيراني مجتبى حسيني خامنئي تندرج ضمن هذا النوع من الخطاب الذي يجمع بين الدين والسياسة والرمزية في رواية واحدة، وكأنه يذكر: «اصبروا واعلموا أن كل صمود يؤجر، وأن الحق لن يغيب». ومن خلال ربط الحدث الحالي بالتاريخ الديني، ومن خلال تحويل الصدمة إلى قصة ذات معنى، يسعى الخطاب إلى تحويل لحظة الخسارة إلى بداية مرحلة جديدة. منال البوشي في لحظات التحولات التاريخية الكبرى، لا تكون الخطابات السياسية مجرد رد فعل على الأحداث، بل تصبح أدوات لإعادة تشكيل المعنى الجماعي. تؤدي اللغة في مثل هذه اللحظات وظيفة مزدوجة: تفسير ما حدث، وفي الوقت نفسه بناء الإطار النفسي والسياسي الذي يسمح للمجتمع بالاستمرار. يبدأ الخطاب بآية من سورة البقرة: لا ننسخ من آية ولا ننسها. نعيد شيئا خيرا منه أو مثله. وهذه البداية ليست مجرد افتتاح ديني تقليدي، بل هي خيار لغوي محمل بأهمية تاريخية. وتستخدم هنا فكرة النسخ في النص القرآني لتأطير لحظة الفقد ضمن منطق الاستبدال والتجديد. فالخطاب السياسي، من وجهة نظر فوكو، لا يصف الواقع فحسب، بل ينتج إطار الحقيقة الذي يُفهم من خلاله الحدث. بعد هذه المقدمة الرمزية، ينتقل الحديث إلى تحية طقسية موجهة إلى “الإمام الغائب” محمد بن الحسن. يشكل الإمام المهدي في المخيلة الشيعية مركز الأمل التاريخي لتحقيق العدالة النهائية. إن إدراج هذه الإشارة في بداية الرسالة يضع الحدث السياسي ضمن أفق ديني أوسع، حيث تُفهم الأزمات على أنها مراحل في مسار تاريخي طويل. كأنه تأكيد على الثبات. المجتمع جزء من الشرعية، وصوته أقوى من أي خسارة. حلقة في سلسلة ثورية ممتدة منذ الثورة الإيرانية. ومن ثم يدخل النص في جوهره السياسي: إعلان الموقف من قرار مجلس القيادة للخبراء. وهنا يربط الخطاب اللحظة الراهنة بسلسلة تاريخية تبدأ بروح الله الخميني ثم بعلي خامنئي. إن بناء هذا الارتباط ليس مجرد استحضار للتاريخ، بل هو ما يسميه علم تحليل الخطاب الروح البلاغية، أي الصورة التي يقدم بها المتكلم نفسه ضمن السرد الجماعي. ولا يظهر القائد الجديد هنا كزعيم جديد منفصل عن الماضي، بل كحلقة في سلسلة ثورية ممتدة منذ الثورة الإيرانية. وكأنها رسالة للشعب: أنتم الجسر بين الماضي والمستقبل، وأنتم ضمانة استمرار الحق. لكن الخطاب لا يكفي لترسيخ الشرعية السياسية؛ بل يسعى أيضًا إلى إعادة صياغة الحدث النفسي الذي حل بالمجتمع. ويتحول فقدان القائد في النص إلى مفهوم الاستشهاد، وهو مفهوم متجذر في الذاكرة الشيعية المرتبطة باستشهاد الإمام الحسين بن علي في معركة كربلاء. وفقا لعلم النفس السياسي، غالبا ما تبني الجماعات هويتها حول ما يسمى بالصدمة المؤسسية، والتي تحول الحدث التاريخي إلى مرجع دائم للهوية الجماعية. وفي الخطاب الإيراني تمثل كربلاء هذا الجرح الذي يعطي معنى مستمرا لفكرة التضحية والصمود: كل تضحية لها ثمنها، وكل صبر يؤتي ثماره، ودماء الشهداء لن تذهب سدى. ومن هنا ينتقل الخطاب إلى محور آخر: دور الشعب. وبدلاً من تصوير الدولة على أنها القوة الوحيدة القادرة على إدارة الأزمة، يؤكد النص على أن الشعب هو الذي حافظ على تماسك البلاد في لحظة الفراغ السياسي. وهذا التحول في مركز الرواية يعزز فكرة المشاركة الجماعية في المصير الوطني، ويجعل المجتمع نفسه جزءا من بنية الشرعية، مؤكدا: تحركوا بحكمة، فالحق معكم إن أصرتم. ولهذه العملية أيضًا بعد نفسي عميق. يحتاج مجتمع ما بعد الصدمة إلى إعادة بناء النظام الرمزي الذي يعطي للعالم معنى. ولذلك تتحول مفاهيم مثل الصبر والوحدة والاستشهاد إلى أدوات لغوية لإعادة تنظيم تجربة الحرب والموت الجماعية، وكأن الخطاب يقول: تاريخك مرجعك، وعدلك في صمودك. وبعد تحديد الإطار الداخلي، يتجه الخطاب نحو البعد الإقليمي. ويشير إلى أن الصراع لا يقتصر على حدود الدولة، بل يمتد إلى فضاء جيوسياسي أوسع. ومن بين الإشارات الأكثر وضوحا الحديث عن أهمية مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. ويحمل ذكر هذا المضيق في الخطاب رسالة استراتيجية، إذ يشير إلى قدرة إيران على التأثير على توازنات الطاقة العالمية في حال تصاعد الصراع. وفي الوقت نفسه، يؤكد النص على شبكة من الحلفاء الإقليميين، مثل حزب الله والقوى الأخرى المرتبطة بما يسمى “محور المقاومة”. تضع هذه الإشارات الخطاب ضمن تصور أوسع للصراع، حيث لا يتم تقديم الصراع على أنه مواجهة ثنائية، بل كجزء من التوازنات الإقليمية المعقدة. لكن ربما أكثر ما يميز هذا الخطاب هو قدرته على الجمع بين السياسة والرمزية الدينية في رواية واحدة. وهنا يمكن أن نفهم مدى تأثير أفكار المفكر الإيراني علي شريعتي، الذي أعاد تفسير التراث الشيعي كمشروع ثوري. ويرى شريعتي أن كربلاء لا تمثل مجرد ذاكرة تاريخية، بل هي نموذج دائم للصراع بين العدالة والظلم، وهو التصور الذي لا يزال حاضرا بقوة في الخطاب السياسي الإيراني. وفي نهاية المطاف، تكشف هذه الأطروحة طبيعة الخطاب السياسي في لحظات الأزمات الكبرى. وهو ليس مجرد بيان حكومي، بل هو محاولة لإعادة تنظيم الذاكرة والهوية في نفس الوقت. ومن خلال ربط الحدث الحالي بالتاريخ الديني، ومن خلال تحويل الصدمة إلى قصة ذات معنى، يسعى الخطاب إلى تحويل لحظة الخسارة إلى بداية مرحلة جديدة. وهنا تكمن قوة هذا الخطاب بالتحديد: في قدرته على جعل الكلمات جزءًا من التاريخ نفسه، وليس مجرد تعليق عليه.