اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-20 11:22:00
رحل، أمس الأحد 19 أبريل 2026، إدريس قيقة، أحد بناة الدولة الوطنية وأحد أبرز وزراء الحبيب بورقيبة وأطولهم خدمة في منصبه كوزير وسفير (24 سنة متواصلة)، أحد أبرز رجال الدولة في عهد الرئيس الراحل، عن عمر ناهز 102 سنة. عادل بن يوسف * كأغلب التونسيين، عرفت الأستاذ إدريس قيقة عبر وسائل الإعلام الرسمية والصحافة التونسية… وخاصة عندما كنت طالبا في الجامعة بتونس، وتحديدا أثناء انتفاضة الخبز في يناير 1984، التي سقط خلالها عشرات الشهداء ومئات الجرحى أمامنا في شوارع تونس، وعلى رأسهم رفيق دراستي الشهيد فاضل ساسي ابن قسم اللغة العربية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس وأستاذ مساعد آنذاك في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس. المعهد الثانوي . أكمل بيرسوك شهادته النهائية في الكلية أمام المبنى الذي كان يعيش فيه مع والديه في شارع شارل ديغول، وكان ابنهما الوحيد. وقد كرمت فرقة البحوث الموسيقية بقابس روحه الطاهرة بأغنية لا تزال تتناقل وتسمع حتى يومنا هذا، من كلمات ابن الكلية وقسم التاريخ والجغرافيا الشاعر الأزهر الضاوي، وأداء صاحبة الصوت الشهي الفنانة القديرة أمل الحمروني. وكان البروفيسور إدريس قيقا يشغل آنذاك منصب وزير الداخلية. فتوجه غضبنا عليه وعلى القوات الأمنية التي استخدمت الرصاص الحي ضد المتظاهرين الأبرياء الذين خرجوا إلى الشارع للتعبير عن رفضهم لمضاعفة حكومة مزالي سعر الخبز (من 80 إلى 170 مليما) والعجين ومشتقاته… الصراع على الخلافة ولكن بعد مرور السنين وتخصصت في التاريخ المعاصر وحديثي مع الأستاذ محمد مزالي في منزله بضاحية سيكانس بعد عودته من المنفى القسري في باريس في صيف العام في عام 2000، اتضح لي أن انتفاضة الخبز كانت حلقة من حلقات التنافس على خلافة بورقيبة للسلطة بين وزراء بورقيبة، وتحديدا بين «إخوة أموال بورقيبة» بقيادة الوزير إدريس جيكا من جهة، ورئيس الوزراء محمد مزالي رئيس الحكومة من جهة أخرى. وهذا ما تأكد لي بعد سنوات، وتحديدا سنة 2015، بمناسبة زيارتي لمنزل الأستاذ إدريس جيكة بالحمامات، حيث أجريت معه مقابلة في برنامجي الإذاعي “شهادات حية” على موجات إذاعة المنستير. لقد استقبلني هو وفريق البرنامج بحفاوة شديدة، مع زوجته الراحلة الرسامة البروفيسور شاشا سفير قيقا، وزودوني بمعلومات لم يفصح عنها من قبل. كما تحدث بإسهاب عن “التاريخ المصغر” لتونس المستقلة، أبرزها المناصب التي تقلدها، بدءا من منصب الكاتب العام للمجلس الوطني التأسيسي منذ 1956، ثم المدير العام للأمن العام، لا سيما تفاصيل إسقاط النظام الملكي وإعلان الجمهورية عشية 25 يوليو 1957، مرورا بمنصب المدير العام للسياحة ووزير الصحة العمومية، وإشرافه، بتكليف من الرئيس بورقيبة، على برنامج تحديد النسل وتنظيم الأسرة قبل عام. 1964… وصولاً إلى وزارة الداخلية وانتفاضة الخبز وصراع الأجنحة على السلطة داخل القصر وخارجه في الثمانينات… لدرجة أنني قسمت التسجيل (حوالي ثلاث ساعات ونصف) إلى أربع حلقات كاملة تم بثها في منتصف يونيو وبداية يوليو 2015. وقد دون ونشر كل هذه المعلومات والتفاصيل في مذكراته التي صدرت باللغة الفرنسية بعد تسع سنوات عن دار ساراس للنشر في العام 2024 بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده. وقد أطلق عليها عنوان: “على خطى بورقيبة 1934-1984” (Sur le chemin de Bourguiba). كما كنت أتصل به من وقت لآخر ليتدخل معي هاتفيا في برنامج خاص على إذاعة المنستير بمناسبة عيد الجمهورية يوم 25 يوليوز من كل سنة، وقد قبل الدعوة بكل لطف دون تردد. وبهذه المناسبة الأليمة، ولتعريف الفقيد بالأجيال الحالية، رأيت أنه من الضروري التعريف بالفقيد ونضاله الوطني، ومسيرته المهنية الطويلة. المولد والنشأة والدراسة: ولد الأستاذ إدريس قيقة في 21 أكتوبر 1924 بمدينة تستور وسط أسرة من السكان الأصليين بقرية تكرونة البربرية في الساحل التونسي، والتي تركها جده حمودة قيقة ليعمل مدرسا في شمال المملكة التونسية، حيث عهدت إليه إدارة التربية والتعليم بمهمة إنشاء وإدارة المدرسة الفرنسية العربية بتستور، والتي أدارها لمدة حوالي 40 عاما. سنوات. وسار أبناء وبنات حمودة قيقة، وعلى رأسهم عبد الرحمان والطاهر… على خطى والدهم في التدريس، باستثناء بحري قيقة الذي درس الحقوق ومارس المحاماة وكان أحد مؤسسي الحزب الدستوري الجديد، إلى جانب الأساتذة الحبيب بورقيبة ومحمد بورقيبة والطاهر صفر والدكتور محمود الماطري بمدينة قصر هلال في 2 مارس 1934. مارس إدريس قيقة تعليمه الابتدائي بالمدرسة الفرنسية العربية بتستور ثم بطبوربة. ماتلين (قرب بنزرت) ومدرسة رحبة الغانم حيث حصل على ختم شهادة التعليم الابتدائي. التحق بعد ذلك بالمدرسة الصادقية ليمارس تعليمه الثانوي، ثم إلى معهد رادس حيث حصل على شهادة البكالوريا. التحق سنة 1944 بجامعة الجزائر حيث حصل سنة 1947 على إجازة في الحقوق وأخرى في التاريخ. وفي هذه الجامعة التقى بشريكة حياته زوجته شاشا سفير. بعد ذلك التحق بكلية الحقوق بباريس حيث حصل على الدكتوراه في القانون المدني وتاريخ القانون سنة 1949. الحياة المهنية: لدى عودته إلى تونس، تم تسجيل اسم الفقيد بسجل المحامين بمكتب عمه البحري قيقا. وبالتوازي مع ممارسته للمحاماة، كتب بجريدة “المهمة” التي كان يديرها الأستاذ الهادي نويرة. وفي يناير 1952، اعتقل وأودع في معسكري الزعرور (قرب بنزرت) وتبرسق لمدة ستة أشهر. بعد استقلال تونس، تقلد العديد من المناصب الإدارية والسياسية الهامة، تتابعت: – كاتب عام المجلس الوطني التأسيسي من أبريل 1956 إلى يناير 1957. – رئيس الإدارة الجهوية ومدير عام للأمن بوزارة الداخلية إلى غاية اكتشاف محاولة الانقلاب على الرئيس بورقيبة في ديسمبر 1962. – مدير عام للسياحة: من 1962 إلى 1969. – وزير الصحة خلفا للأستاذ الهادي خفشة: من 1969 إلى 17 مارس 1973. – وزير التربية الوطنية : من 18 مارس 1973 إلى 31 ماي 1976. – سفير تونس بألمانيا من 1976 إلى 1980. منذ تولى الأستاذ محمد مزالي رئاسة الحكومة في أبريل 1980، كلف بوزارة الداخلية، وبقي على رأسها إلى 6 يناير 1984، تاريخ الانتهاء. وسقطت انتفاضة الخبز، التي اندلعت في 26 كانون الأول/ديسمبر 1983، 19 شهيداً و114 جريحاً، بحسب الأرقام الرسمية، و120 شهيداً ومئات الجرحى في عموم البلاد، بحسب المعارضة. وبعد التحاق مزالي بوزارة الداخلية في 7 يناير/كانون الثاني 1984، غادر إدريس قيقا البلاد في نفس اليوم ليستقر في لندن حيث عمل مستشارا لرجل الأعمال السعودي شمس الدين الفاسي رئيس المجلس الصوفي العالمي. ورغم مغادرته البلاد، أحيل إلى المحكمة العليا بتهمتي “التآمر على أمن الدولة” و”الخيانة العظمى”، التي حكمت عليه غيابيا بالسجن لمدة عشر سنوات. فترة الاضطرابات في بداية حكم بن علي: بعد عودته إلى تونس في 8 نوفمبر 1987، عقب استيلاء زين العابدين بن علي على السلطة، تم اعتقاله بمطار تونس قرطاج الدولي ووضعه في السجن حيث أمضى ثلاثة عشر يوما في السجن المدني يوم 9 أبريل. وفي 13 ديسمبر 1987، حكم عليه بالسجن خمس سنوات مع وقف التنفيذ. ومنذ ذلك التاريخ، وطوال فترة حكم بن علي، فضل التزام الصمت والانسحاب من عالم السياسة بالبقاء في منزله بالحمامات والتفرغ للقراءة والكتابة. وبعد 14 يناير 2011، سجل حضوره مجددا في بعض المنابر الإعلامية، أبرزها قناة العربية والتلفزيون الوطني ومؤسسة التميمي للبحث العلمي والإعلام… وفي جلستها العلنية الحادية عشرة المنعقدة يوم الجمعة 11 يوليو 2016، عقد الأستاذ إدريس قيقا جلسة استماع علنية بهيئة الحقيقة والكرامة حول عمليات التزوير الانتخابي في مختلف مراحل تاريخ تونس بعد الاستقلال. وتوزعوا على من ساهم في هذه الممارسات من موقع مسؤوليته في الدولة والحزب الحاكم أو من وقعوا ضحايا هذا التزوير وخاصة أحزاب المعارضة. وفي سنة 2024، نشر الأستاذ إدريس مذكراته باللغة الفرنسية بعنوان: “على خطى بورقيبة 1934-1984” (Sur le chemin de Bourguiba)، دار نشر سيراس، 264 صفحة، تناول من خلالها نشأته ودراساته ومسيرته، كشف فيها كافة التفاصيل والحقائق عن أبرز المحطات السياسية في تاريخ تونس المستقلة، وبذلك أغنى المكتبة التاريخية التونسية من تاريخه. الموقف. كما كتب الفقيد مقالات علمية عن تونس، منها: جزر البحر، جزر الصحراء، المجلة الفرنسية للنخبة الأوروبية، عدد خاص “تونس”، عدد 166، يوليو. 1964 ص 11-22. رحم الله الفقيد وأسكنه الفردوس الأعلى، وألهم أهله وذويه جميل الصبر والسلوان. وكما يقول الشاعر ابن دريد: «وما الإنسان إلا حديث بعد زمانه *** فحسن الحديث لمن واعي». * مؤرخ.



