تونس – عماد الزواري في «البلد العالي»: من حلم الثورة إلى انتظار «سأعود غدًا»

اخبار تونس19 يوليو 2026آخر تحديث :
تونس – عماد الزواري في «البلد العالي»: من حلم الثورة إلى انتظار «سأعود غدًا»

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-19 12:49:00

من عنوانها، تواجه رواية عماد الزواري «حي البلاد» القارئ بمفارقة ساخرة. التعبير الذي يبدو للوهلة الأولى إعلان اعتزاز بالوطن، يتحول ضمن العمل إلى سؤال نقدي عن واقع أصبحت فيه المسافة كبيرة بين ما يقال عن الوطن وما يعيشه المواطن في تفاصيل يومه. رواية ساخرة تفكك عيوب المجتمع التونسي وتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى شهادة أدبية على أزمة المواطن والدولة. رواية جمال قتلة “حيلة البلاد” لعماد الزواري، الصادرة عن دار آرام للنشر 2026 في 174 صفحة، لا تقتصر على سرد قصص شخصياتها، بل تقدم قراءة اجتماعية لمرحلة كاملة من تاريخ تونس المعاصر. إنها رواية عن مواطن خرج من عصر الأحلام الكبيرة بعد الثورة، ليجد نفسه أمام واقع أكثر تعقيدا: الإدارة، البطالة، الهجرة، تراجع الخدمات، وأزمة الثقة في المؤسسات. عماد الزواري يختار السخرية ليس كوسيلة للهروب من الواقع، بل كوسيلة للكشف عنه. فهو يحول المواقف اليومية العادية إلى مشاهد تحمل أسئلة عميقة حول علاقة الإنسان بالدولة والمجتمع. تونس من شعارات التغيير إلى ثقافة الانتظار. تدور أحداث “حائل البلاد” في فضاء تونس ما بعد الثورة، حيث اصطدمت الشعارات المتعلقة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية بثقل الواقع اليومي. لا يقدم الكاتب تاريخا سياسيا مباشرا، بل يصور آثار المرحلة في حياة الناس: شاب يبحث عن فرصة عمل، ومواطن ينتظر وثيقة، وأسرة تواجه صعوبات الحياة، ومجتمع يتابع السياسة أحيانا من مقاعد المتفرجين. وفي هذا السياق، تصبح عبارة «عد غدا» أكثر من مجرد عبارة إدارية شائعة. ويصبح رمزاً لحالة الانتظار الجماعية، حيث تؤجل الحقوق والأحلام أمام إجراءات لا نهاية لها. ولا يصور الكاتب البيروقراطية على أنها خلل إداري فقط، بل على أنها علامة على أزمة أعمق في العلاقة بين المواطن والمؤسسة. السخرية السوداء: عندما يتحول الضحك إلى أداة للنقد، تكمن قوة الرواية الأساسية في سخريتها. عماد الزواري لا يسعى إلى إضحاك القارئ فحسب، بل يدفعه أيضًا إلى اكتشاف الجانب السخيف من واقع مألوف. يسخر من الإدارة عندما تصبح الورقة أهم من الشخص، ومن السياسة عندما تتحول إلى مشهد إعلامي، ومن المجتمع عندما يتأقلم أحياناً مع مظاهر الفساد أو العجز التي يشكو منها. لكن السخرية في «حلة البلاد» لا تقوم على توزيع الاتهامات. فالكاتب لا يضع المواطن دائما في موضع الضحية، ولا السلطة وحدها تتحمل موقع المسؤولية. ويكشف عن شبكة معقدة من السلوكيات والعادات التي ساهمت في استمرار الأزمة. الشخصيات التي قدمها الزواري ليست نماذج خيالية بعيدة، بل وجوه من الحياة اليومية: موظف، ومواطن بسيط، وشاب يفكر في الهجرة، وأفراد يحاولون حماية ما تبقى من أحلامهم. تعتمد الرواية على رموز بسيطة لكنها عميقة. تصبح النافذة الإدارية صورة لعلاقة المواطن بالسلطة، وتتحول الورقة إلى شرط للاعتراف بالوجود، بينما يصبح الانتظار عنوانا لجيل كامل يعيش بين الأمل والإحباط. كما يساهم الأسلوب في بناء واقعية الرواية. يجمع الكاتب بين اللغة العربية الفصحى في السرد وروح اللغة اليومية في الحوارات، مما يمنح الشخصيات قرباً من القارئ ويجعل مواقفهم أكثر صدقاً. هذا الاختيار اللغوي يتيح للرواية أن تكون أدبية وقابلة للتفاعل في الوقت نفسه، حيث تتحول العبارات البسيطة إلى أدوات للسخرية والتأمل. من تونس إلى العالم العربي: رواية عن المواطن المعاصر رغم أن رواية “حلة البلاد” مرتبطة بشكل واضح بالسياق التونسي، إلا أن أسئلتها تتجاوز الحدود. البيروقراطية والبطالة والهجرة والشعور بفقدان الثقة في المؤسسات هي قضايا يعرفها المواطن العربي في أكثر من دولة. وتكمن أهمية الرواية في أنها لا تقدم صورة للمجتمع التونسي فحسب، بل ترسم ملامح الإنسان المعاصر الذي يجد نفسه أمام أنظمة وإجراءات أكبر من قدرته، لكنه يواصل البحث عن معنى الانتماء والأمل. والنقد، تتميز الرواية بجرأتها في الجمع بين نقد الدولة والنقد الذاتي، وقدرتها على تحويل التفاصيل اليومية إلى مادة أدبية. حدوده ربما تتمثل في ظلام عالمه، حيث يهيمن شعور الاختناق على مساحات الأمل. لكن هذه القسوة هي جزء من مشروعها الفني: وضع القارئ أمام مرآة غير جذابة. «حلة البلاد» ليست مجرد رواية ساخرة، بل هي وثيقة أدبية عن زمن كامل. يحكي قصة مواطن كان يحلم بالتغيير، ثم وجد نفسه ينتظر على نافذة الحياة، ويسمع العبارة نفسها: “عد غدا”.