اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-14 12:58:00
بقلم ماهر عبد الرحمن – كتاب “الإعلام العربي: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى” لعبد الحفيظ الحرفام، الصادر عن دار نيرفانا، لا يندرج ضمن الكتب الإعلامية التي تكتفي بتشخيص الأعطال التقنية أو اقتراح الحلول الإجرائية. وهو في جوهره كتاب ذو اهتمام معرفي، يتعامل مع الإعلام باعتباره ممارسة ثقافية وسردية وأخلاقية، وليس مجرد نظام للبث أو صناعة المحتوى. الكتاب لا يخاطب الصحفيين وحدهم، بل يخاطب القارئ المعني بسؤال أوسع: ماذا بقي من المعنى في عالم تحكمه السرعة، وتدار فيه الحقائق بالسرديات؟ من التجربة إلى السؤال، يكتب «الهرفام» من موقف نادر في المشهد العربي: موقف من عاش الإعلام من الداخل، في مؤسساته الوطنية والعربية، وعلى مستويات القرار والتنفيذ معًا. ولذلك، لا يبدو هذا العمل بمثابة تمرين نظري منفصل عن الواقع، بل هو شهادة فكرية مسؤولة. في مقدمة الكتاب، يضع المؤلف إطار مشروعه بوضوح ملحوظ: “لقد بذلت قصارى جهدي لإيجاد خيط يربط بين النصوص التي تنوعت موضوعاتها… وكان القاسم المشترك بينها هو السعي إلى التفكير في مجموعة من القضايا الساخنة التي كانت تضغط علي لمعالجتها”. هذه العبارة المفتاحية تكشف طبيعة النص: نحن أمام كتاب أسئلة، وليس كتاب إجابات، كتاب مكتوب من داخل التجربة ومن داخل الاهتمام المهني والفكري، وليس من مسافة أكاديمية محايدة. التفكير في الذات: الوظيفة المنسية لوسائل الإعلام. وتتجلى القيمة المركزية لهذا الكتاب في استعادته لوظيفة غالبًا ما كانت مفقودة في الإعلام العربي: وظيفة التفكير في الذات. وليس المقصود من ذلك الخطاب الأخلاقي أو الدعوة العامة للإصلاح، بل الوعي النقدي بشروط إنتاج الخطاب الإعلامي: من يملك الوسيلة؟ من يضع جدول الأعمال؟ كيف يتم صياغة اللغة؟ لصالح أي رواية يتم اختيار الحقائق؟ وبهذا المعنى يدعو الحرفام – صراحة أو ضمنا – إلى أن ينتقل الإعلام من موقف الوسيط الناقل إلى موقف الفاعل الواعي. الإعلام الذي لا يفكر بنفسه يتحول إلى آلة بث سريعة وفعالة، لكنه فارغ من المعنى. وهنا يتقاطع سؤال الكتاب مع جوهر النقد الإعلامي المعاصر: فالمعنى لا ينتج تلقائيا، بل يبنى عندما يعي الفاعل شروط فعله وحدوده. الوسيلة التي تخلق الواقع. في تشريحه للتحول الرقمي، يذكرنا الكتاب بحقيقة غالبًا ما يتم التغاضي عنها: وهي أن الرقمنة لم تغير الأدوات فحسب، بل غيَّرت أيضًا منطق الإدراك نفسه. وهنا حاضر، ولو من دون بيان مباشر، إرث مارشال ماكلوهان، الذي قال عبارته الشهيرة: “الوسيلة هي الرسالة”. لا تنقل المنصات الإعلامية الواقع، بل تعيد تشكيله من خلال الإيقاع والصورة والتكرار والاختزال. وهذا ما صوّره أيضاً بيير بورديو في كتابه «على التلفاز»، حين بيّن كيف أن الوسيط لا يعكس الواقع، بل يخلقه من خلال آليات الاختيار والتحكم الخفية ضمن ما أسماه «غرفة الإنتاج». وفي السياق ذاته، يكتب الهرفام: “إن التغيرات التي يشهدها هذا المجال بشكل مستمر، منذ تزايد تأثير الثورة الرقمية، لديها القدرة على تقويض القناعات، وإلغاء الآراء السابقة، وإعادة طرح القضايا من زوايا متعددة”. لكن المشكلة، كما يبين الكتاب، هي أن الإعلام العربي دخل هذا التحول دون مشروع ثقافي واضح، وكانت النتيجة غزارة تقنية يقابلها فراغ دلالي. الإعلام العام: من الخدمة إلى التوظيف في أحد الفصول الأكثر حساسية في الكتاب، تتناول “الهرفام” الجذر البنيوي لأزمة الإعلام العربي: الخلط المزمن بين الإعلام العام والإعلام الحكومي. انطلاقا من خبرة مهنية طويلة داخل مؤسسات الدولة والاتصال العام، يقدم المؤلف تشخيصا دقيقا: “لقد فشلت المؤسسات العامة السمعية والبصرية العربية في التحول إلى مؤسسات خدمة عامة تخدم الجمهور قبل الحكومات. وهذا الاستنتاج لا يقع ضمن فئة النقد السهل، بل يرتكز على رؤية ترى أن الإعلام العمومي هو ركيزة الفضاء الديمقراطي، وهو ما يتقاطع مع تحليل يورغن هابرماس الذي ربط وجود الفضاء العام بإعلام مستقل يسمح بالتداول العقلاني للرأي العام”. ويبين أن الاختيارات التنظيمية -مثل الفصل بين الإنتاج والبث، أو دمج الإذاعة والتلفزيون- ليست مسائل فنية، بل هي اختيارات دلالية تحدد من يملك السرد، ومن يقرر ما يُشاهد وما يُحجب.يصل الكتاب إلى ذروته الفكرية عندما ينتقل من تشخيص صراع البنيان إلى تحليل صراع الروايات، وفي عالم اليوم لم يعد ساحة للتنافس على الحقائق الصراع على المعنى يكتب الهرمام: “إننا اليوم أمام صراع الروايات، وليس التنافس على الحقائق”. وهنا يلتقي الكتاب مع انتقادات نعوم تشومسكي لما أسماه “صناعة القبول”، حيث تتم إدارة الحقيقة من خلال الاختيار والتأطير والتكرار، وليس من خلال الكذب الصريح. الحقيقة تُقال، ولكن ليس كلها، وفي سياق مستهدف. وفي تناولها للقضية الفلسطينية، تظهر “الهرفام” كيف يتحول الإعلام إلى ساحة معركة رمزية، حيث تتم إعادة صياغة الضحية والجلاد ضمن خطاب مهيمن، مما يجعل المعركة الإعلامية جزءا لا يتجزأ من الصراع السياسي. كتاب أسئلة وليس كتاب حلول. وإذا كان لا بد من تلخيص أطروحة الكتاب، فهي أن أزمة الإعلام العربي ليست أزمة أدوات، بل هي أزمة معنى ووظيفة. ولهذا يختتم المؤلف بسؤال مفتوح: «كيف يمكن للإعلام الجاد أن يلعب دوره في عصر ما بعد الحقيقة، وفي المجتمعات التي انتكست فيها القيم؟». وهو سؤال لا يهدف إلى البحث عن وصفة جاهزة، بل لاستعادة مسؤولية السؤال نفسه. الخلاصة: لا يمكن قراءة “الإعلام العربي: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى” ككتاب إدانة أو حنين، بل ككتاب تحذير. محذرا من أن الإعلام إذا فقد وعيه بذاته، فإنه سيفقد قدرته على إنتاج المعنى، وإذا استعاد هذا الوعي، فإنه سيستعيد دوره كفاعل ثقافي وأخلاقي. في زمن الضجيج، يدعونا هذا الكتاب إلى الدفاع عن المعنى في صناعة الإعلام، ومن ورائه حق المعنى في الوجود. ماهر عبد الرحمن

