اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-10 17:17:00
قبالة سواحل صفاقس، تلخص جزر قرقنة صورة تونس الهادئة والأصيلة. وهي تجسد روح الوطن المتجذرة في أرضه، حيث تمتد الجذور عميقاً في تربة الأجداد، بينما ترتفع الأغصان نحو السماء في تناغم دائم بين الإنسان والطبيعة، وبين العالم الكبير والعالم الصغير. قطعة من الجنة على الأرض تقول الأسطورة أن الله عندما خلق الجنة استبعد ما لا يراه مناسبا، ومن تلك الأجزاء ولدت جزر قرقنة. ولذلك تبدو هذه الجزر وكأنها تجمع بين عناصر مختلفة ومتباينة، ولكنها تتكامل في تناغم فريد يمنحها طابعا استثنائيا. ويجد هذا المعنى صدى له في الواقع اليومي للجزيرة، حيث تتجسد وحدة التنوع التي تتحدث عنها العلوم الإنسانية الحديثة، وهي الفكرة التي عرفها القدماء تحت مفهوم “الوحدة المتعددة”. وليس من قبيل الصدفة أن تشتهر قرقنة برياحها المستمرة لدرجة أنها أصبحت تعرف باسم جزيرة الرياح. يخبرنا سكانها المسنون أن الأرواح تستيقظ عند غروب الشمس، عندما تعبر النسيم الحقول الهادئة، وتختفي آخر خيوط الضوء بين كروم العنب والتين والنخيل، بينما تهمس أمواج البحر إلى الشاطئ. ثم تبقى الأرواح مستيقظة حتى الفجر، تحكي للحالمين أسرار الحياة وأخبار العالم الآخر، العالم الذي خرجت منه قرقنة. نسمة السماء يعتقد أهل الجزيرة أن الرياح ليست مجرد ظاهرة طبيعية، بل هي نفس من عالم الأرواح، وتذكير بالأصل السماوي للجزر. وهي أيضًا ألحان صوفية، ذلك السمع الذي يمنح الإنسان روحه، كجسد بلا روح لا قيمة له. وفي موسيقى الريح يكمن سر روح قرقنة. قال الشاعر والصوفي جلال الدين الرومي مؤسس الطريقة المولوية، إن هناك سرا في إيقاعات الموسيقى لو كشف عنه لقلبت الدنيا رأسا على عقب. كما رأى الشيخ الجنيد أن ريح قرقانة تحمل نسيماً من الجنة، يوقظ في الإنسان ذكرى اللحظة الأولى التي نفخ فيها الله الروح في آدم، فتعود النفس متطلعة إلى أصلها الأول. نفي نساء القصر أما التاريخ فيخبرنا أن جزيرة مليتا، أكبر جزر الأرخبيل، كانت في زمن البايات مكاناً يتم نفي إليه من الفناء بعض النساء المتهمات بالزنا، عقاباً وإبعاداً من العاصمة. ولا تزال آثار ذلك الماضي حاضرة في شخصية شعوب المنطقة. في نسائها فخر واضح، وفي رجالها صلابة معروفة، وإن كان أهل قرقنة عمومًا مشهورين بطيبة القلب ولطف المعاملة، إلى جانب الإرادة القوية التي لا تنضب. ولعل أفضل من يجسد الشخصية التونسية الأصيلة هو ابن قرقنة الزعيم الوطني فرحات حشاد الذي أصبح رمزا للوطنية والنضال في تونس. جزر الأساطير: قد لا يلاحظ الزائر هذه الروح للوهلة الأولى، إذ ترك الزمن بصمته على كل شيء. لكن قرقنة، رغم تغيراتها، ما زالت تحافظ على جوهرها العميق. إنها ليست مجرد أرخبيل قبالة صفاقس، بل كائن حي يحمل ذاكرة وتاريخا وروحا. ومن ينظر إليها بعين القلب، وليس بالعين فقط، سيراها كما كانت دائماً: أسطورة حية. منذ الطفولة ظلت قرقنة في ذاكرتي أرض النخيل والبحر الأزرق والرمال الذهبية والشواطئ الساحرة التي تمتد خلفها بساتين الزيتون وكروم العنب. وهناك، على ضفاف البحيرات المتلألئة، صورة فتاة من الجزيرة، نفسها التي تحدث عنها هيرودوت عندما وصف “الكيرانيس” اليونانية، أو “سيرسينا” الرومانية، بأشجار الزيتون القديمة، وأشجار التين الوارفة، والكروم المتشابكة، وأصوات الحشرات المتواصلة في الريح. ولا تزال هذه الفتاة تستقبل زوار الجزيرة بابتسامتها الدائمة، وقد ترتدي أحياناً “القندورة” وهو اللباس التقليدي المعروف في قرقنة، أثناء قضاء وقت ممتع. أكل “القليبات” (بذور عباد الشمس المحمصة) في مشهد يعكس بساطة الحياة اليومية. بين العمل المنزلي والحقلي، سواء كانت ترتدي الملابس التقليدية أو الحديثة، تحرص على رعاية أحد القديسين الصالحين المنتشرين في أنحاء الجزيرة، حيث يخلو كل دوار تقريبًا من مزار أو زاوية. وعلى الرغم من الصلوات الكثيرة التي تتلوها، إلا أنها تؤمن أن الصلاة الحقيقية ليست بالكلمات وحدها، بل بالأفعال الصالحة، وخدمة الناس، والعيش في سلام مع الطبيعة ومع الآخرين. وهكذا يعيش أهل قرقنة في انسجام مع محيطهم، ويجسدون جانبا أصيلا من الروح الريفية التونسية. حقيقة صوفية: على الرغم من أن التحضر الحديث قد تعدى على العديد من المساحات الطبيعية، إلا أن قرقنة لا تزال تحافظ على روحها الحرة. فبينما يخرج الرجال إلى البحر طلباً للرزق، تنشغل النساء بحرث الأرض والعناية بها، كأنهن يعزفن سيمفونية العمل والإخلاص وتطوير الذات. فالأرض، مثل البحر، ليست مجرد مصدر رزق، بل هي قيمة تستحق الاحترام والتقدير. تجذب مقابر القرى الانتباه ببساطتها وإهمالها الظاهري. أحيانًا ما تنكسر شواهد القبور، ولا يوجد أي أثر للفخامة أو الزخرفة. لكن هذا المشهد يعكس نظرة مختلفة للحياة والموت. وفي قرقنة لا يحتاج الإنسان إلى قبر فخم، فالروح لا تسكن في التراب، بل تحيا في ذكرى من أحبه. ولهذا تبدو المقابر البسيطة وكأنها ترنيمة للحياة الحقيقية، تلك التي تستمر بعد الموت، وليست الحياة العابرة الزائلة. قد يموت الإنسان وهو حي إذا فقد أجمل جانب من إنسانيته، وقد يبقى حياً بعد رحيله إذا بقي أثره الطيب في القلوب. ولذلك يؤكد بعض سكان قرقنة، من غير الصوفية، أنهم يشعرون بحضور أرواح أحبائهم الراحلين، ويرددون شيئا مشابها لقول الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو: “الموتى غير مرئيين، لكنهم ليسوا غائبين”. فرحات عثمان



