اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-06 23:16:00
بقلم فاهم بوكدوس ستشهد بطولة كأس العالم لكرة القدم الأمريكية الكندية المكسيكية تجسيدا مكثفا لتحولات عميقة في بنية كرة القدم العالمية، إذ لم تعد المنتخبات الوطنية كيانات مغلقة تعكس تجانسا داخليا صارما، بل أصبحت في كثير من الحالات مساحات تعكس حركة البشر عبر القارات، وتقاطع الهويات، وتشابك مسارات الهجرة القديمة والحديثة. ولم يعد وجود لاعبين من أصول متعددة ضمن المنتخبات المتأهلة للأدوار التأهيلية مجرد تفصيل ثانوي، بل أصبح تعبيرا مباشرا عن عالم شديد العولمة، تنتقل فيه المواهب بين الأندية والبلدان، وتتداخل فيه الانتماءات بين بلد الميلاد، وبلد المنشأ، وبلد التكوين. ومن هذا التحول البنيوي في معنى «المنتخب» نفسه -من كيان وطني متجانس إلى بنية بشرية عابرة للحدود- تتضح ملامح المشهد الأبرز في جولات التصفيات، إذ يتجلى الحضور الواسع للاعبين السود ضمن عدد كبير من المنتخبات المتأهلة إلى دور الـ16. ولا يمكن فهم هذا الحضور على أنه بيانات مرئية أو إحصائية منفصلة، بل هو نتيجة مباشرة لمسارات تاريخية طويلة للهجرة الأفريقية نحو أوروبا والأمريكتين، سواء في سياق الاستعمار السابق أو الهجرات الاقتصادية وهجرات اللاجئين اللاحقة، ومن ثم اندماج الأجيال المتعاقبة في المجتمعات المستقبلة. وبذلك يصبح هؤلاء اللاعبون جزءاً لا يتجزأ من البنية الرياضية للمنتخبات الوطنية، وليسوا مجرد «إضافة» عرضية، بل عنصر يعكس طبيعة هذه المجتمعات نفسها في صورتها المعاصرة المعولمة. وفي هذا السياق، تكشف المراحل المتقدمة من البطولة عن إعادة توزيع تدريجية لقوة كرة القدم عالميا، حيث لم تعد الهيمنة مقتصرة على المدارس التقليدية، بل أصبحت أكثر انفتاحا على دول خارج المركز التاريخي للعبة، في ظل تطور أنظمة التدريب الرياضي، واتساع شبكات الكشافة والأندية، وسهولة انتقال اللاعبين في سن مبكرة. وهذا التحول يجعل من “هوية كرة القدم” في حد ذاتها مفهوماً مرناً، لا يعتمد فقط على الأصل، بل على مسارات معقدة للتربية البدنية والهجرة والتبادل الثقافي. لكن هذا الواقع الرياضي المتعدد لا ينفصل عن السياق السياسي الأوسع الذي تقام فيه البطولة، خاصة في أوروبا وأميركا الشمالية، حيث تتزامن استضافة كأس العالم مع الصعود السريع للخطابات اليمينية والشعبوية في عدد من الدول. غالبًا ما تجعل هذه الخطابات الهجرة محورًا للصراع السياسي الداخلي، وتعيد تقديمها كتهديد للهوية الوطنية، أو ضغط على الدولة الاجتماعية، أو سبب لاختلال التوازن الثقافي، على الرغم من أن الحقائق الاقتصادية والديموغرافية تقدم في كثير من الحالات صورة أكثر تعقيدًا. وفي هذا السياق تصبح كرة القدم فضاء رمزيا يكشف التناقض بين واقع فعلي متعدد ومتشابك وبين خطاب سياسي يميل إلى التبسيط والتجريد. وبينما تظهر الملاعب أن الانتماء الرياضي يمكن أن يتشكل من خلال مسارات الهجرة والاندماج والتنوع، فإن الخطابات التي تبحث عن هوية نقية أو متجانسة تظهر في الخطاب العام، وتربط الاستقرار بإغلاق الحدود أو الحد من حركة الإنسان. هذا التوتر بين الواقع والخطاب هو أحد أبرز سمات المرحلة الحالية، خاصة في المجتمعات التي تستضيف كأس العالم، وتشهد في الوقت نفسه سجالات حادة حول الهجرة والاندماج. الأطروحات التي تتحدث عن “التغير الديموغرافي” أو “فقدان الهوية” غالبا ما تبني تصورها على فكرة أن المجتمع كيان ثابت، في حين أن التاريخ الاجتماعي لأوروبا وأمريكا نفسه هو تاريخ طويل من التحولات والهجرات وإعادة تشكيل الهويات. ولم تكن الهجرة أبدا عنصرا طارئا في هذه المجتمعات، بل كانت أحد محركاتها الأساسية، سواء في مراحل التصنيع أو إعادة الإعمار أو توسع الاقتصاد الحديث، أو حتى في بناء القوة الرياضية والثقافية التي تظهر اليوم على الساحة. كما أن ربط الهجرة بالأزمة حصرا يتجاهل الأبعاد الاقتصادية والديموغرافية المعاصرة، حيث تواجه العديد من الدول الغربية شيخوخة السكان ونقص العمالة في قطاعات متعددة، مما يجعل الهجرة عنصرا وظيفيا في استمرارية الاقتصاد، وليس مجرد قضية ثقافية أو أمنية. ومن ناحية أخرى، فإن تحويل هذه القضية إلى صراع هوية حاد ينعكس في السياسات الإقصائية أو خطاب الكراهية قد يعمق الانقسام الاجتماعي بدلا من معالجته، ويضعف قدرة المجتمعات على إدارة تنوعها الداخلي. وفي هذا السياق، تصبح كرة القدم مرآة دقيقة لهذه التحولات: فهي تظهر كيف يمكن أن يتحول التنوع إلى مصدر قوة داخل الفريق الواحد، وكيف أن النجاح في العالم المعاصر لم يعد يعتمد على التجانس، بل على القدرة على التكامل وتوظيف الاختلافات. وفي حين تميل بعض الخطابات السياسية نحو الانغلاق، فإن الملاعب تقدم صورة مختلفة لعالم يتحرك نحو قدر أكبر من الترابط، حيث تصبح الهجرة والاندماج جزءا من البنية الطبيعية للمجتمع، وليس استثناء لها. * فهيم بوكدوس مدير المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين



