اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-10 13:41:00
هذا المقال تعليق على مداخلة السيد أحمد ونيس الوزير والسفير السابق حول أصول الدبلوماسية التونسية التي تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر وحتى قبل ذلك بكثير. خالد الزيتوني * بمناسبة الاحتفال بالذكرى السبعين لترميم المرفق الدبلوماسي وإنشاء وزارة الخارجية في 3 مايو 1956، نظمت جمعية قدامى السفراء والقناصل العامين تظاهرة لطيفة للاحتفال بعدد من أعضائها والسفراء الموقرين والقناصل العامين المتقاعدين. وتضمنت عدداً من الكلمات المهمة لرئيس الجمعية سعادة السفير والأخ العزيز السيد الهادي بن نصر ولعدد من أعضائها الكرام استعرضوا فيها المعاني السامية لهذا الحدث في سياقات استقلال الدولة الفتية. واستعادة مقومات سيادتها وتعزيز حضورها على الساحة الدولية والإقليمية.. كما تحدث عدد من الزملاء الكرام عن تجاربهم المختلفة وذكرياتهم الجميلة في مختلف المواقع والمراكز التي عملوا فيها. وبهذه المناسبة ألقى السيد أحمد ونيس الوزير والسفير السابق مداخلة هامة حول الظروف والسياقات والمراحل التي مرت بها عملية استعادة المنشأة الدبلوماسية وإنشاء وزارة الخارجية، مستعرضا تاريخ هذه المؤسسة المهمة في زمن النضال الوطني والمكاتب التي افتتحت في عدد من العواصم الغربية والعربية والإسلامية الآسيوية. وذلك للتعريف بالقضية الوطنية وجلب الدعم الدولي لها، مستذكرين تاريخ تعيين أول وزارة للخارجية سنة 1860 في عهد الصادق بك وما سبق ذلك التاريخ وما تلاه من أحداث تتعلق بالشؤون الدبلوماسية… وأشار في هذا الصدد إلى أن أول من تولى هذه الحقيبة هو يوسف رافو. وهو تونسي من أصول إيطالية. وتقول بعض المصادر إنه عم المشير أحمد باي الذي حكم من 1837 إلى 1855. كما ذكر السيد أحمد ونيس أسماء عدد من السفراء الذين أرسلهم باويات تونس إلى عدد من العواصم العالمية (فرنسا وأمريكا وبريطانيا على وجه الخصوص). وما أود إضافته إلى هذه المداخلة القيمة هو أن الحاجة إلى إنشاء مرفق دبلوماسي قائم بذاته أملتها، على وجه الخصوص، عدد من الظروف. أولها احتلال فرنسا للجزائر الشقيقة سنة 1830، وما يثيره هذا الحدث من مخاوف وهواجس، خاصة في سياق حراك القبائل الحدودية التونسية الجزائرية، مثل قبيلة النهضة التونسية، من مشاكل بسبب حركتها بين تونس والجزائر، واحتمالات اتخاذ ذلك ذريعة لاحتلال الأراضي التونسية… والشعور المتزايد بضرورة الاستعداد لمراحل جديدة تتطلب من بين أمور أخرى التفاوض… وذكر المحاضر أن النواة الأولى كانت مكتب فيه عدد من المترجمين إلى اللغات الأجنبية: التركية، الفرنسية، الإنجليزية، والإيطالية… السياق الثاني لنشوء الحاجة إلى المنشأة الدبلوماسية هو الحوار مع الجنرال برتراند كلاوزيل (1772-1842) الذي احتل الجزائر، فيما يتعلق بإدارة شؤون المنطقة. السبب الثالث والأهم هو استعداد المشير أحمد بك للقيام بزيارة رسمية إلى فرنسا بدعوة من الملك لويس فيليب. وهي الزيارة الأولى التي يقوم بها ملك تونسي ومسلم إلى فرنسا خلال شهري نوفمبر وديسمبر 1846. ويذكر أن هذه الزيارة المهمة وثقها أحمد بن أبي الضياف الذي كان ضمن الوفد المرافق للملك التونسي، في كتابه “الإتحاف” بنص جميل ختمه بقوله: “وقال له الملك: أنت تتكلم الإيطالية وأنا أتكلمها فلا نحتاج إلى مترجم بيننا…” حتى لا يذكر محتوى هذه المقابلة كان حساسا”. واستمرت هذه الزيارة حوالي شهر. واشترط أحمد باي أن يتم استقباله ملكا لتونس، وألا يكون سفير الباب العالي حاضرا معه في المحادثات مع المسؤولين الفرنسيين في ذلك الوقت. واعتذر عن الدعوة التي وجهت له لزيارة بريطانيا لأن لندن أكدت وجود سفير الباب العالي معه باعتبار أن تونس تعتبر ولاية عثمانية. علاقات بريطانيا هي مع تركيا وليس مع تونس. إضافة إلى كل هذه الاعتبارات، فإن سياق اللجنة المالية والحاجة الملحة للتواصل مع الدول الدائنة، ساهمت أيضاً في الشعور بالحاجة إلى منشأة دبلوماسية للتعامل مع المفاوضات مع الدول الأجنبية. واللافت في المقابل أن بوادر الدبلوماسية التونسية بدأت تتشكل، خاصة في عهد حمودة باشا الحسيني (1782-1814)، مع التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة والعالم بعد الثورة الفرنسية، والتغير المفاجئ في أدوات السلطة والهيمنة، وتراجع العالم الإسلامي. ظروف المنطقة في ذلك الوقت اقتضت أن يتفاوض هذا الباي مع نابليون بونابرت عن طريق القنصل الفرنسي في تونس، أثناء حملة الجنرال الفرنسي على مصر واحتلاله لمالطا وهو في طريقه إلى القاهرة… وأيضا عن طريق دبلوماسيين فرنسيين آخرين منهم شاتوبريان الذي زار تونس في يناير 1806 في نهاية رحلة استكشافية قادته من البندقية إلى أثينا واسطنبول والقدس والقاهرة وتونس ثم مدريد، وهو ما وثقه في كتابه. “Itinéraire” الذي وصف فيه هذا الباي الذي استقبله بأنه ماهر ومن أكثر الأشخاص معرفة بالسياسة الأوروبية. علماً أن حمودة باشا كان قد ساوم نابليون بونابرت -الذي هدد بتحول الحملة على تونس إذا لم ترسل بلادنا الطعام لجنوده- للتدخل لدى فرسان مالطا لإطلاق سراح 400 تونسي محتجزين في السجون المالطية، وقد تم ذلك من أجله. وكان حمود باشا هو من أرسل أول سفير إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وتكريماً له أقام الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون (1801-1807: توماس جيفرسون) مأدبة إفطار في شهر رمضان. ويُذكر أيضًا أن أول اتفاقية وقعتها بلادنا مع دولة أجنبية كانت في عام 1237. كما وقعت عددًا من الاتفاقيات المماثلة المتعلقة بالسلام والتجارة، خاصة خلال القرن الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر مع عدد من المدن الإيطالية (جنوة والبندقية وبيزا) ومع عدد من دول شمال أوروبا… وفي نهاية العصر الحفصي، تم تشكيل حي دبلوماسي يتكون من فنادق قنصلية على أطراف المدينة القديمة، والتي لا تزال آثارها موجودة حتى اليوم في شارع الديوانة القديم. ألف مبروك لجميع المكرمين، وشكر للجمعية التونسية لقدامى السفراء والقناصل العامين التي ولدت سنة 2011 والتي شرفها وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج بحضورها هذا الحفل البهيج. *سفير سابق.


