تونس – وعن بيانها الأخير، كتب المحلل الصحفي فهيم بوكدوس: وزارة الخارجية مرة أخرى….

اخبار تونس9 مارس 2026آخر تحديث :
تونس – وعن بيانها الأخير، كتب المحلل الصحفي فهيم بوكدوس: وزارة الخارجية مرة أخرى….

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-09 01:14:00

“بيان بلا أسماء: عندما يصبح العدوان “تصعيدا” والمعتدي مجرد احتمال دبلوماسي، يبدو أن وزارة الخارجية قررت منذ بيانها قبل الأخير افتتاح مدرسة دبلوماسية جديدة يمكن تدريسها يوما ما في كليات العلوم السياسية تحت عنوان جذاب: “البلاغة الاستراتيجية في فن تجاهل الواضح”. إن بيانها، أو ملخص نشاطها ليوم الأحد 8 مارس/آذار، لا يعتمد لغة دبلوماسية رصينة فحسب – وهو أمر محمود في حد ذاته – بل يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، ليقدم تجربة فريدة في الكتابة السياسية: الحديث مطولاً عن حدث ما دون الاقتراب منه فعلياً. البيان، من حيث المبدأ، جاء على خلفية التصعيد العسكري الخطير للغاية في المنطقة، وهو التصعيد الذي يعرفه الجميع ويذكر بالاسم في نشرات أخبار المؤسسات الإعلامية العامة والخاصة قبل أن ينهي المذيع جملته الأولى: “العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران”. اختفى من النص، واختفى الموضوع، وبقيت لدينا عبارة أنيقة ومريحة: «التصعيد العسكري في المنطقة». وهكذا، فإن الحدث المركزي الذي يدور حوله البيان يشبه ظاهرة طبيعية غامضة، أقرب إلى منخفض جوي مفاجئ منه إلى عملية عسكرية معلنة. لا أحد يقصف أحداً، ولا أحد يهاجم أحداً. بل ليس هناك سوى «تصعيد» يحدث بطريقة غامضة، وكأن الصواريخ قررت إطلاق نفسها في إطار برنامج طموح لاستقلال التكنولوجيا العسكرية. ولعل هذا الأسلوب الجديد يعكس حرصا شديدا على عدم إحراج أي طرف – فذكر الأسماء – كما يبدو – قد يسبب إحراجا دبلوماسيا غير مرغوب فيه، في حين أن الغموض يتيح مجالا واسعا للتفسير، ويمنح الجميع الفرصة للشعور بأنهم غير معنيين بشكل مباشر بما يحدث. وهي الدبلوماسية التي تشبه إلى حد كبير أسلوب بعض الأطباء الذين يفضلون الحديث عن «مرض عام» بدلاً من تسمية المريض. لكن هذا الإبداع الخطابي لم يتوقف عند الحدث الإيراني فقط. وبعد موجة من الانتقادات بسبب التجاهل شبه الكامل لما يحدث في لبنان، استذكرت الوزارة: شكرا – هناك بلد شقيق يتعرض للاعتداء. وجاءت الفقرة الجديدة لتعلن تضامن تونس مع الجمهورية اللبنانية الشقيقة. ومع ذلك، ومرة أخرى، تماشيا مع المدرسة الدبلوماسية الجديدة، حافظ البيان على القاعدة الذهبية: التضامن ممكن، ولكن ذكر المعتدي ليس ضروريا. وهكذا، في الصياغة الرسمية، يصبح لبنان ضحية هجمات قد يكون مصدرها الدقيق صواريخ ضائعة، أو اضطرابات جيولوجية مفاجئة، أو ربما سوء تفاهم إقليمي خرج عن نطاق السيطرة، والباب مفتوح على كل الاحتمالات، باستثناء الاحتمال الوحيد الذي يعرفه الجميع. ولعل هذا الأسلوب يندرج ضمن رؤية أوسع للعلاقات الدولية، والتي يمكن وصفها بدبلوماسية الأسماء المحذوفة. في هذا النموذج الجديد، لا يتم ذكر المعتدي، ولا يتم تحديد المسؤول، ولا تسمية الوقائع إلا بالقدر الذي يسمح به الحد الأدنى من المرجع المجرد. وهكذا تتحول السياسة الدولية إلى نص أدبي مفتوح، يقرأه كل طرف بما يناسبه. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن البيان تضمن لحظة مشرقة حقا. والتي غالبا ما تشكل بوصلة الخطاب السياسي التونسي، كانت حاضرة في النص بحضور واضح نسبيا. وأكد البيان مرة أخرى على حق الشعب الفلسطيني في “إقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف”. إلا أن البيان – ومن أجل الحفاظ على اتساقه المنهجي – التزم مرة أخرى بالقاعدة الكبرى: ذكر الحق دون ذكر من يأخذه. وتظهر فلسطين في هذا السياق كقضية تحرر وطني ذات تعريفات غامضة. هناك شعب يريد الحرية، وهناك دولة لم تقم بعد، وهناك أرض من المفترض أن تستعاد. لكن من يحتل هذه الأرض؟ من يبني المستوطنات؟ وهي تفاصيل ربما لم تضف الوزارة الكثير لجمال النص. ويمكن القول إن هذا التوجه يمنح القضية بعدا فلسفيا متميزا، حيث تتحول فلسطين إلى فكرة مجردة: شعب يبحث عن الحرية في مواجهة ظروف غير محددة، في مكان مجهول، في مواجهة قوة مجهولة. وهي صيغة تجعل الصراع يبدو أقرب إلى مسألة وجودية منه إلى واقع سياسي، وإطالة الكلام واقتصاد المعنى. ويمتد النص على فقرات متعددة، مليئة بمفردات رفيعة المستوى مثل “الأمن الإقليمي”، و”القانون الدولي”، و”الحوار”، و”تغليب العقل”. وكلها تعابير نبيلة بلا شك، لكنها تتحرك في فضاء لغوي واسع يكاد يخلو من أي اتصال مباشر بالواقع. وبهذا المعنى يمكن القول إن البيان نجح في تحقيق معادلة دقيقة: الحديث عن الحرب دون ذكر من يشنها، والتضامن مع الضحايا دون تحديد المعتدي. وعليهم أن يدافعوا عن قضية التحرير دون الإشارة إلى من يمنع هذا التحرير. وهي مهارة دبلوماسية متقدمة قد تمثل في الواقع بداية مرحلة جديدة في كتابة البيانات الرسمية، مرحلة يصبح فيها الوضوح مخاطرة غير ضرورية، بينما يتحول الغموض إلى أداة سياسية متعددة الاستخدامات. وقد يكون من الظلم تحميل البيان أكثر مما يستطيع تحمله. وربما لم يكن هدفه تفسير ما يحدث في المنطقة بقدر ما كان محاولة أنيقة لتمريره بهدوء، وفي هذا المجال بالذات، لا بد من الاعتراف بأن النص أدى مهمته بكفاءة: فقد نجح في قول الكثير… دون الحاجة إلى قول الشيء الوحيد. “الجميع كان ينتظر سماع ذلك.” *إف بي كيه