اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2021-11-01 13:39:00
وتدهورت الحالة الصحية لراضية في الأيام الأخيرة. لذلك كتبت هذا النص تحت تأثير الصدمة. كتبتها دفاعاً عن الوجود (وجود راضية) ضد الموت والعدم (موت راضية). نصحني أحد الأصدقاء بعدم نشرها في الوقت الحالي لما تحتويه من ألم… أو لأنه يمكن أن يفهم على أنه رثاء لشخص حي. ولم يكن لدي خيار سوى وضع النص جانبا. لكن صديقاً آخر رآه قال لي ألا أترك أي شيء محبوساً بداخلي أو في دفاتري… قال لي: “انشر كل شيء حتى تتحرر من ألمك ولا تجعله يتراكم ويهددك”. وهذا هو نفس الموقف الذي عبر عنه منذ البداية أحد رفاقي وهو أستاذ الأدب. وفي النهاية توجهت إلى صديقتين عزيزتين أخريين: أمل الشاهد الصحفية المعروفة، والناصر الرديسي شاعرنا اللطيف، ودفعاني لنشر النص. هذا هو النص الذي كتبته بمقدمته ومضمونه: قال جان جوريس، الزعيم الاشتراكي الفرنسي المعروف: “إذا لم تكن خائفا من الموت، يمكنك أن تفعل/تحقق ما تريد”. قال نجيب محفوظ: “الخوف لا يمنع الموت، لكنه يمنع الحياة”. من المؤكد أن كل من يعرف راضية النصراوي يعرف أنها إنسانة لا تخاف من الموت وأنها لا تخاف على الإطلاق. والحقيقة أنه لا يوجد شيء اسمه الخوف في قاموسه. إلا أنها امرأة لطيفة تحب الحياة، تحب الضحك واللهو والغناء، وخاصة التراث التونسي. لكن يهتز كيان هذه المرأة الرقيقة عندما يسمع قصة أي شخص من عرقها، مهما كانت ميوله الفكرية والسياسية وانتماءاته الاجتماعية، يتعرض للتعذيب أو الظلم، فتتحول فجأة إلى بركان هائج يهاجم كل ظالم/ظلام يعترض طريقها. راضية امرأة على قناعة راسخة بأن الخوف/الجبن يتعارض مع إرادة الإنسان ويهين كرامته. “لا ينبغي للإنسان أن يخاف”، لأن الخوف يساوي الموت الحقيقي، وهو موت أخلاقي أشد قسوة وقسوة من أي موت آخر. تقول راضية في أحاديثنا الكثيرة على مدار أربعة عقود: “الإنسان؟ لماذا يخاف؟ مما يخاف؟ مما يخاف؟ وماذا يستفيد إذا كان خائفا؟ أليس خوف الإنسان على كرامته أهم من الخوف من تلقي ضربة أو رصاصة في الرأس لأنه دافع عن كرامته؟ نهاية العالم الموت… وأن يموت الإنسان. أن تقف خير من أن تموت منحني الرأس… ارفع رأسك يا رجل”. كلمات تذكرني بما قاله المجاهدون الليبيون العظام العظيم عمر المختار: “لا نستسلم، نموت أو ننتصر”. تذكرت كل ذلك عندما تعرضت راضية في اليومين الأخيرين لوعكة صحية جديدة جعلتها غير قادرة على الحركة… لا أخفي أنني في البداية كنت في حيرة من أمري وأنا أنظر إلى جثتها ملقاة على سريرها في الغرفة التي تؤوينا في المستشفى العسكري… ولكن عندما نظرت إلى وجهها وجدتها هادئة مبتسمة تحدق في عيني وكأنها تختبر رباطة جأشي في هذه اللحظات الحرجة… ثارت وثارت على نفسي… واستعدت نفسي التي هي لا يخاف من الموت ولا يبالي. بخوف… أخذت قلمي وكتبت هذه الكلمات تنفيذاً لنصيحة أحد أصدقائي الطبيب: “لا تترك شيئاً بداخلك…” الحقيقة أنني أشعر براحة شديدة لأنني على الأقل قادر على الكتابة لكي أحرر نفسي مما يختمر في أعماقي حتى لا يقتلني… كم هو فظيع أن تشعر بشيء محاصر بداخلك ولا تستطيع التعبير عنه بأي طريقة تريد… في رسالة قصيرة كتب لي صديقي فتحي بلحاج يحيى معلقاً على أ نص نشرته مؤخرا: “ابك على من لا يملك قلما.. أما أنت فقد أنقذك قلمك…” فشكرا لوالدي الذي فكر ذات يوم في إرسالي إلى المدرسة عام 1958. المدرسة الابتدائية في قرية العروسة (ولاية سليانة). حملني على كتفيه مرارا وتكرارا ليأخذني عبر “وادي سليانة” في أعماق الشتاء حتى لا تجرفني سيوله وحتى لا تفوتني دروسي… وشكرا للأستاذ عبد الجليل معلمي الأول الذي علمني الحروف الأبجدية لأتمكن فيما بعد من تركيبها وتحويلها إلى كلمات وجمل ونصوص… ما أفظعك أيها الجهل… (1) يا موت… يا من تأخذ النفوس يا عاشق الأسى والبؤس والسواد والرثاء والرثاء… لست منا ولسنا منكم نحن شعب يحتفل فهو حي ويحتفل بالصباح… ويكره الظلام والأشباح… (2) أيها الموتى الذين قطعوا النفس تربصوا بها… يحوم حولها كما يحوم الذئب… طائر جريح لكن حذار أن تطير هنا… بوجهك القبيح… هي لنا… ليست لك… الأم الفقراء والمساكين والمعذبين في الأرض. والمعذبة… راهبة النضال. لديها حراسها وأولئك الذين يحتفظون بسجلاتها في جميع الأوقات. (3) يا موت يا لئيم… انكشف عنوانها فلا تجهد نفسك في البحث عنه. تسكن في الطابق الحادي والعشرين بالمستشفى العسكري بالعاصمة. تطل غرفتها الجميلة على المدينة من الأعلى. غرفتها مليئة بالسعادة. وهي مفعمة بالحياة والأمل ومليئة بالغناء كل يوم (4) “يا هجلتليت، معاليا، حجطاليت الجبل، أخبري الرفاق عن حالتي. الرفاق سوف يرويون القصة”. «الحجل» ——- يا مزارعنا الخضراء يا رفاق انتظروا يوم نلتقي. سنعانقها بالشوق الباقي وسنملؤها ثورة يا حجل” (1) (5) يا موت، آه من العدم، غرفتها يملؤها الحب، وتنتشر فيها بشائر الفرح، ومن نافذتها الصغيرة تظهر في الأفق نجوم حمراء، تراقبها من بعيد… وأنا… وأنا حارسها العنيد، أبقى بجانبها، أراقب أنفاسها، أراقب كل زفير تطلقه من أعماق صدرها الحلو، وأتجسس عليها. أنت أيها الملعون لكي تمر وأنا في وجهك أبواب وفتحات… وأغني لك بصوت عالٍ… النصر للحياة… النصر للأمل… يا قاهر الموت والعدم… (1) من أغاني الحركة الطلابية التونسية الأغنية الأصلية للسيدة فيروز.



