اخبار سلطنة عُمان – وطن نيوز
اخر اخبار سلطنة عُمان اليوم – اخبار سلطنة عُمان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-21 22:11:00
كتب – عاصم الشيدي إن أكثر لحظة تشعر بها أم سالم بالضعف هي اللحظة التي تفكر فيها بمستقبل ابنها أو تواجه أسئلته البريئة وجهاً لوجه حول مستقبله كما يستدعيه حسه الطفولي. كأنها تعاني من الألم المعقد وهي تنظر إلى ابنها عندما يحاول الوقوف أو «تسلق» فخذيه، أو عندما يتعثر في أصغر عائق أمامه… بنفس قدر الألم الذي تشعر به عندما يبدأ بالتفكير والحديث ومواجهتها بالأسئلة. سالم البالغ من العمر سبع سنوات، والذي يحلم بأن يصبح طياراً عندما يكبر، أصبح حديث المجتمع في عمان في الأيام الأخيرة. يعاني من مرض نادر جدًا يسمى “الحثل العضلي الدوشيني”. ويحول المرض عضلات الطفل المصاب إلى حالة ضمور شبه كامل، فلا يستطيع المشي، حتى لو كان قد بدأ بالمشي، كما هو الحال مع سالم، فإن ضمور العضلات يضعف قدرته الصحيحة على المشي مع مرور الوقت. ومن الأعراض الأخرى التي تظهر لدى سالم هي “علامة جاور” حيث “يصعد” المريض على فخذيه بيديه عندما يريد الوقوف! وأعراض هذا المرض كثيرة، وتمتد إلى ما بعد العضلات إلى القلب والتنفس. لم يتفق الأطباء بعد على علاج يشفي المرض تمامًا، لكن هناك علاجًا جينيًا لا يزال في طور الموافقة عليه من قبل أكثر من هيئة دوائية دولية يمكن أن يساعد في وقف تطور الحالة. وقد أثبتت نتائج جيدة حتى الآن في أمريكا، وقد سبق تجربتها مع طفل عماني قبل عدة سنوات ويبدو أنها أعطت نتائج واعدة. ولكنها غالية الثمن، وقيمتها تتجاوز المليون ريال عماني. ويتكاتف الجالية في عمان الآن في حملة لجمع هذا المبلغ من أجل رؤية البسمة تعود إلى وجوه سالم وعائلته وهو يستمتع بطفولته مثل بقية أقرانه. “عمان” التقت والدة الطفل لإجراء مقابلة لفهم حقيقة المرض وأعراضه، وكيف يمكن لضمور العضلات لدى الطفل أن يغير حياة من حوله تماماً. وتقول أم سالم إن ابنها ما زال يبتسم ويمشي ويلتف، لكن هذا يحدث على أطراف أصابعه ولفترة قصيرة جداً، وإذا استمر في محاولة المشي لفترة طويلة يشعر بالتعب ويجلس على الفور. لكن هذه القدرة الحالية لها ثمن أيضًا. يخضع سالم لسلسلة متواصلة من جلسات العلاج الطبيعي الأسبوعية ليظل قادرًا على ممارسة المشي ولو على الأقل. وتتذكر أم سالم أول تفصيل بسيط لاحظته في ابنها، لكنها لم تفهمه حينها. وتقول، وهي تحبس الدموع في عينيها، كان ذلك عندما بدأ يحاول الوقوف من مقعده على الأرض. كان يفعل ذلك وهو يمسك بركبته وكأنه رجل عجوز. ثم تطور الأمر إلى تصلب في عضلات ساقيه والمشي على أطراف أصابعه في محاولة لتحقيق التوازن في جسده. ولم يكن أحد في العائلة يتصور أن هناك مرضاً يتشكل في جسد سالم، أو أن حياته قد تنقلب رأساً على عقب. ولم يكن بوسع والدة سالم أن تتحمل أكثر مما كانت تستطيع أن تتحمله في البداية. لكن عندما سمعت الطبيب يقول عبارة “علامة جاور” شعرت بالصدمة الأولى التي جعلت كل المشاهد تنهار أمامها في ثوان معدودة.. “علامة جاور”! تقول: الكلمة كما قالها الطبيب لا تزال عالقة في وعيي ولا أستطيع التحرر منها. وبسبب عملي في المستشفى، صادفتني بعض هذه المصطلحات، فعرفت معناها على الفور. يعني أعراض مرض دوشين! كنت أسمع الأطباء يقولون وهم يفحصون حالة سالم: “لا يمكننا تأكيد ذلك إلا بعد إجراء الاختبارات الجينية”. ومنذ تلك اللحظة بدأت أم سالم تعيش حياة أخرى وتفكر بشكل مختلف. نظرت إلى وجه ابنها واستحضرت الكثير من الأسئلة. رأته وهو يحاول الوقوف، فحبست دموعها وحسرة قلبها. ولم يعد فشل ابنها في صعود الدرجة الثالثة أو صعود فخذيه عند محاولته الوقوف مجرد “كسل” من جانب طفل، كما كانت تتمنى في البداية. لقد أصبح الأمر مرتبطا بمرض وراثي نادر، حيث ترن المصطلحات الطبية في أذنيها كلما سمعت الأطباء يتحدثون أو كلما اضطرت إلى شرح الأمر لأحد أقاربها. مضى أكثر من عام، وما زال سالم يمشي على أطراف أصابعه، ولا تزال تراقبه بعينها وقلبها. ويخفف العلاج الطبيعي من تدهور الحالة، لكنه يحاول دون جدوى. الأمر يتعلق بالجانب الوراثي، مما يجعل العلاج الطبيعي مجرد أداة لتخفيف الأعراض وليس أكثر. أما سالم، وهو الآن في الصف الأول في مدرسة شيدا، فلم يعدا ينموان؛ ولذلك لا يستطيع الاستمرار في المشي إلا لمسافة قصيرة جداً فرضها إصرار الطفولة ومراقبة ما يفعله الأطفال في مثل عمره، لكن تكلفة ذلك الكثير من التعب والألم. سالم طفل يحمل أحلام الأطفال الآخرين. يريد أن يلعب ويجري ويجري ويتسلق كل ما يجده أمامه. تقول أم سالم: حاولنا تسهيل الأمور عليه قدر الإمكان من خلال إجراء تعديلات في المنزل تناسب متطلباته. وفي المدرسة أصبح الجميع متعاونين معه إلى حد لم أتوقعه. يعامله المعلمون وكأنه ابنهم، لذلك لا أشعر بالقلق عندما يكون في المدرسة وكأنني بجانبه. الخميس هو يوم مختلف بالنسبة لسالم. يقطع المسافة من قريته بولاية صحم إلى مركز الأمل بالمستشفى العسكري بالخوض لإجراء جلسة علاج طبيعي. وتقول الأم إن المركز متعاون للغاية وهم يعرفون حالته جيداً الآن، رغم حساسية الحالة والتعامل الدقيق معها. أم سالم تحمل قدراً كبيراً من الأمل والصبر. ومع ذلك، في مرحلة ما تشعر أيضًا بالعجز. وتقول: “أكثر الأوقات التي أشعر فيها بالعجز هي عندما أحمله أكثر من خمس مرات إلى الحمام في ليلة واحدة”. وتوضح أم سالم: الدواء الذي يتناوله من المستشفى السلطاني هو لتأخير ظهور أعراض مرض مدر البول الحاد، مما يتطلب منه الذهاب إلى الحمام كل ساعة تقريبا. وهذا أمر متعب للغاية، خاصة وأنه يرتدي دعامة ليلاً حتى لا يتغير شكل ساقه بسبب الإجهاد والمشي على أطراف أصابعه. سالم يحب الحياة، ورغم مرضه إلا أنه أصبح أقرب إلى من حوله من الأطفال، وبدأوا يساعدونه كثيراً ويقدمون له الرعاية في المدرسة. كما بدأ يفهم بعض مرضه، ليس على مستوى التشخيص والمسار المستقبلي، بل على مستوى ما يستطيع وما لا يستطيع فعله. والألم الذي يصاحب أي حركة كان يجبره على التحرك ببطء والمشي بحذر حتى لا يشعر بالألم. أم سالم تعود من جديد للحديث عن بدايات اكتشاف المرض. تقول: التشخيص السريري لم يستغرق وقتا طويلا. وأثبت اختبار إنزيم العضلات بشكل مباشر إصابة الطفل بمرض في عضلاته. لكن الأمر كان يحتاج إلى التأكد من خلال الفحص الجيني الذي استغرق حوالي 9 أشهر. وكان لا بد من إرسال اختبار الكروموسومات إلى خارج الدولة لمزيد من التأكيد، الأمر الذي استغرق 6 أشهر إضافية. تم تأكيد الإصابة في أبريل من عام 2025. وكانت الأسرة قد استعدت للأمر وقبلت قدر الله لطفلها. ويصنف المرض على أنه مرض وراثي، لكنه في حالة سالم لم يكن وراثيا. وأكدت الفحوصات التي أجريت على والدته -هذا المرض يأتي من جينات الأم- أنه طفرة جينية وليس وراثيا. استغرق هذا التأكيد حوالي 4 أشهر. تقول أم سالم: أول مرة سمعت عبارة علامة جاور بدأت بالبحث في الإنترنت، وتعرفت على المرض والدواء الوحيد المتوفر في العالم. سألت دكتور الوراثة فقال لي أنها تحت الدراسة ولكنها مكلفة جدا. في ذلك الوقت كان يعطى فقط للأطفال دون سن 6 سنوات، لكن إدارة الدواء الأمريكية أثبتت فعاليته عند الأطفال فوق سن 6 سنوات. أم سالم صمتت قبل أن تعود وتكمل حديثها: بدأت أسعى للحصول على الدواء بأي وسيلة وطرقت باب وزارة الصحة، لكن الوزارة قالت إن الدواء لا يزال قيد الدراسة ولم تتم الموافقة عليه، وتكلفته مرتفعة جداً. تقول أم سالم: هذا الرد قادني إلى وزارة التنمية الاجتماعية للبدء في إجراءات أخرى. وبمقاييس أخرى، تعني أم سالم العمل على بناء حملة مجتمعية لجمع التبرعات للحصول على الدواء. وبدأت الحملة عشية الليلة الأولى من شهر رمضان الجاري بعد الحصول على كافة الموافقات القانونية. وعندما سألت أم سالم: ماذا تريدين من المجتمع؟ فصمتت ثم قالت: أريد أن يقوم المجتمع بدوره. أن يتكاتفوا لبعضهم البعض، حيث أن جمع مبلغ مليون ريال أمر مستحيل بالنسبة للفرد. ولكن من السهل على المجتمع أن يتكاتف مليون شخص بدفع ريال واحد. وصمتت أم سالم طويلاً قبل أن تجيب على سؤال: ماذا يعني «التوقيت» في هذه المعاملة؟ لماذا لا يمكن تأجيله؟ التوقيت هو ما يحدنا ويخيفنا. ومع كل ساعة تمر، تقل فرص فعالية العلاج. وهذا النوع من العلاج الجيني يتطلب السرعة وعدم التأخير حتى يستفيد منه المريض. سألت أم سالم إذا كانت تواجه ابنها بهذه التحديات حتى على مستوى وعيه، وأن علاجه ليس بالسهولة التي يتصورها: أم سالم تقول إن قدرات ابنها العقلية عالية جداً ويفهم أكثر من عمره؛ ولذلك فهو يعلم الآن أن علاجه مكلف للغاية، ويعلم أن عليه أن يتعاون أكثر مع من يشرفون على علاجه الطبيعي. ويعلم أنه بالتعاون مع المعالج الطبيعي الذي يشرف على حالته يساعد نفسه. كما أصبح رقم “المليون” من أحلام سالم أن يتمكن من المشي فقط! لا تواجه أم سالم التحديات التي يواجهها ابنها فحسب، بل يجب عليها أيضًا مواجهة تفسيرات المجتمع. لمواجهة تحليل المجتمع بأن المصابين بهذا المرض لا يعيشون طويلا، خاصة عندما يصل الضمور العضلي إلى عضلة القلب! أم سالم لا تسمح لمثل هذه التحليلات أن تضعف عزيمتها وأملها في أن يشفي الله ابنها ويسهل عليه حاله. حتى تلك اللحظات التي تشعر فيها بالضعف أو العجز سرعان ما تتلاشى عندما تفكر في قدرة الله وقوته، ثم في قوة المجتمع الذي تنتظره لدعم حملتها من أجل طفلها… لكي يستعيد سالم قدرته على المشي والحياة.




