اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-31 23:22:00
لم تعد تربية الدواجن في سوريا مشروعاً مربحاً كما في السابق، بل تحولت إلى خطر الخسارة المفتوحة، في ظل ارتفاع التكاليف وتقلب الأسعار وعدم استقرار السوق. داخل مزرعة دواجن شبه فارغة في ريف حلب، يقف المربي أحمد حاج زكور أمام آلاف الطيور التي لم تعد تمثل مصدر دخل بقدر ما أصبحت عبئا ماليا متزايدا. وفي أقل من ثلاثة أسابيع، تكبد خسائر تقدر بـ 8000 دولار. وقال زكور لـ”سوريا 24″ “خلال 20 يوماً فقط خسرت نحو 8 آلاف دولار”، عازياً ذلك إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع دور الجهات المعنية في ضبط السوق، والتذبذب المستمر في الأسعار. تكاليف الإنتاج مربي العادم. تكاليف الإنتاج هي العامل الأبرز في تفاقم خسائر المربين، في ظل ارتفاع غير مسبوق في أسعار مستلزمات التربية. ويوضح زكور أن غياب التدخل الفعال لضبط السوق سمح للتجار بالتحكم في الأسعار، حيث وصل سعر طن العلف إلى نحو 550 دولاراً، فيما وصل سعر الفحم إلى ما بين 350 و360 دولاراً عند التسليم، فيما اقترب سعر الكتاكيت من 90 سنتاً للطائر الواحد. ويشير إلى أن أسعار الصلصة ترتفع بسرعة عندما يرتفع سعر الدجاج، لكنها لا تنخفض بنفس الوتيرة عندما تنخفض، ما يزيد من حدة الخسائر. ويضطر المربون أيضًا إلى بيع منتجاتهم بمجرد أن تصبح جاهزة، مما يمنح المسالخ القدرة على فرض أسعار أقل بما يصل إلى 100 دولار للطن. الأمراض تفاقم الخسائر وبالإضافة إلى ارتفاع التكاليف، يواجه القطاع تحديات صحية متزايدة نتيجة انتشار الأمراض وارتفاع أسعار الأدوية البيطرية. ويؤكد زكور أن ضعف فعالية بعض الأدوية المحلية يجبر المربين على الاعتماد على الأدوية المستوردة باهظة الثمن، محذراً من أن أي خلل في العلاج قد يؤدي إلى خسارة دورة الإنتاج بأكملها، إضافة إلى خطر انتشار الأوبئة. قرارات حكومية متضاربة تربك السوق وبالتوازي مع هذه التحديات، شهدت الأشهر الأخيرة سلسلة من القرارات الحكومية التي أثرت بشكل مباشر على القطاع. وفي نهاية شهر فبراير 2026، تم السماح باستيراد الدجاج اللاحم الحي خلال شهر رمضان بهدف زيادة العرض. من ناحية أخرى، تم منع استيراد الفروج المجمد وأجزائه خلال شهر مارس الماضي، في محاولة لحماية الإنتاج المحلي. ثم قامت الجهات المعنية بتمديد تصريح استيراد الفروج الحية وبيض التفقيس والصيصان حتى نهاية إبريل الجاري. وهذا التحول السريع بين الحظر والإباحة خلق حالة من عدم الاستقرار في السوق، انعكست بشكل مباشر على الإنتاج والأسعار. الواردات تربك السوق. وفي هذا السياق، تشكل الواردات ضغطاً إضافياً على الإنتاج المحلي، خاصة في ظل غياب استقرار السياسات. ويشير زكور إلى أن بعض الكميات تخزنها الجهات الصناعية وتطرحها في الأسواق عند ارتفاع الأسعار، ما يؤدي إلى انهيارها المفاجئ وخسائر مباشرة للمربين. ويؤدي التربية غير المنتظمة إلى تفاقم الأزمة وتزداد تعقيدات القطاع مع انتشار مزارع الدواجن غير المرخصة، حيث تتم تربية أعداد كبيرة من الطيور في بيئات تفتقر إلى الإشراف البيطري، سواء داخل خيم غير مجهزة أو في أماكن عشوائية، ما يساهم في انتشار الأمراض ويؤثر سلبا على جودة الإنتاج، وهو ما يؤكد زكور، داعيا إلى حلول سريعة لمزارع الدواجن غير المرخصة. أسعار الفروج في الأسواق.. ارتفاع رغم التدخلات. ورغم محاولات السيطرة على السوق، شهدت أسعار الدجاج اللاحم ارتفاعا ملحوظا خلال شهر مارس، مع وجود فوارق بين المناطق. ووصل سعر كيلو الفروج الحي في بعض الأسواق إلى نحو 350 ليرة سورية جديدة، بعد أن تراوح بين 220 و270. كما تراوحت أسعار قطع الفروج بين 35 ألفاً و68 ألف ليرة سورية، في ظل شكاوى من عدم التزام الأسواق بالتسعيرة الرسمية. المواطن في قلب الأزمة. وينعكس هذا الواقع بشكل مباشر على المستهلك. يقول محمود العمر، موظف من ريف حلب: “حتى مع كل الحديث عن انخفاض الأسعار، لا نشعر بذلك، فالدجاج أصبح وجبة نحسبها، ولم نعد نشتريها إلا عند الضرورة”. خسائر واسعة النطاق وتراجع في الاستمرارية. وفي هذا السياق، يؤكد التربوي عبد الناصر قوجة، أن نحو 90% من التربويين يتعرضون للخسائر، مشيراً إلى أن هذه الخسائر تراكمت على مر السنين، وأن الكثير منهم يواجه ديوناً تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات. ويظهر أن أسعار الدجاج خلال شهر رمضان بلغت نحو 2000 دولار للطن، وهو مستوى قريب من تكلفة الإنتاج المقدرة بنحو 1800 دولار، ما يجعل هامش الربح شبه معدوم. كما يشير إلى أن نسبة الذين حققوا نتائج إيجابية لا تتجاوز 20%، في حين استمر في التعليم نحو 40% فقط من التربويين. إنتاج واستهلاك الدواجن.. تراجع مزدوج. وتشير البيانات والتقارير الزراعية، بما فيها تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، إلى أن قطاع الدواجن في سوريا شهد تراجعاً ملحوظاً مقارنة بمستوياته قبل عام 2011. وبحسب تقديرات وزارة الزراعة السورية، انخفض عدد منشآت الدواجن من نحو 12 ألف منشأة دواجن إلى نحو 5300 منشأة عاملة حالياً، نتيجة خروج أعداد كبيرة من المربين من السوق، في ظل ارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة واللقاحات. إلا أن إنتاج لحوم الدواجن في السنوات الأخيرة يقدر بنحو 160 إلى 170 ألف طن سنويا، فيما يصل إنتاج بيض المائدة إلى نحو 1.8 إلى ملياري بيضة سنويا، وهو ما يعكس استمرار هذا القطاع كأحد الركائز الأساسية للأمن الغذائي في الدولة. في المقابل، انخفض متوسط استهلاك الفرد من لحوم الدواجن بشكل ملحوظ، إذ تراوح بين 12 و15 كيلوغراماً سنوياً للفرد قبل عام 2011، قبل أن يهبط إلى نحو 6 إلى 7 كيلوغرامات حالياً، وهو مؤشر يعكس تراجع القوة الشرائية أكثر من تراجع أهمية هذا المنتج الغذائي. تراجع الإنتاج.. مؤشرات مقلقة تعكس مؤشرات السوق حجم التراجع الذي شهده قطاع الدواجن، حيث أفاد العاملون في القطاع بانخفاض الكميات المطروحة للأسواق بنحو 50% مقارنة بالفترات السابقة، بحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية. كما انخفضت كميات الذبح اليومية في بعض المسالخ من 6-8 أطنان إلى نحو 3 أطنان فقط، بحسب تصريحات أصحاب المسالخ التي نقلتها وكالة الأنباء السورية (سانا)، وهو ما يعكس تراجعاً حاداً في الإنتاج الفعلي. وبناء على هذه المعطيات، يشير تربويون وخبراء إلى أن مستوى التوظيف الحالي لا يتجاوز 40% إلى 50% من الطاقة الإنتاجية، وهو مؤشر واضح على عمق الأزمة. تكلفة عالية مقابل عائد منخفض. وبالتالي تتسع الفجوة بين تكاليف الإنتاج وأسعار البيع، مما يضعف الجدوى الاقتصادية. ويوضح قوجة أن كيلو الدجاج يباع بدولارين فقط، مقابل 14 دولاراً لكيلو اللحم الأحمر. وتبلغ تكلفة التدفئة حوالي 50 دولارًا للجلسة الواحدة، ويبلغ استهلاك العلف حوالي 2.5 كيلوجرام للطائر الواحد، وهو ما يعكس التكلفة المرتفعة مقابل عائد محدود. فقدان الثقة وتوقف مزارع الدواجن. ومع استمرار هذه الأوضاع، تراجعت ثقة المربين في السوق، في ظل تقلبات الأسعار ودخول المستوردين، ما جعل المخاطرة كبيرة. ويشير كوكا إلى أن عدداً من المزارع أوقفت أنشطتها بالفعل. ويشكو من دور بعض الشركات الكبرى التي كانت تربي نحو مليون طائر، وتخليها عن دورها في الإنتاج بعد تكبدها خسائر فادحة، لافتا إلى أنها لم تعمل الآن إلا على توفير المواد الأساسية لصغار المربين، وبذلك حافظت على أرباحها وحولت خسائرها إلى أصحاب مزارع الدواجن التي يبلغ إنتاجها من الطيور نحو 5000 فقط. أزمة هيكلية متعددة المستويات. ويرى اقتصاديون أن الأزمة لم تعد مجرد ارتفاع في الأسعار، بل تعكس خللاً هيكلياً عميقاً في القطاع. ويشيرون إلى أن الاعتماد الكبير على الواردات وتقلبات أسعار الصرف وغياب التنظيم الفعال للسوق، كلها عوامل ساهمت في تفاقم الوضع. كما أن التغيير المستمر في سياسات الاستيراد بين الحظر والسماح، خلق بيئة غير مستقرة وأدى إلى منافسة غير متكافئة مع الإنتاج المحلي. وفي هذا السياق، يرى مختصون أن السياسات الحالية، رغم محاولاتها السيطرة على السوق، تساهم عملياً في إفراغ القطاع تدريجياً من صغار المنتجين، لصالح أنماط إنتاج أكثر تركيزاً. رواية حكومية مختلفة في المقابل، تربط الجهات الرسمية ارتفاع الأسعار بعوامل استثنائية، من بينها زيادة الطلب خلال شهر رمضان وانتشار الأمراض. مدير مديرية حماية المستهلك حسن الشوا يؤكد أن الإجراءات الحكومية من بينها الاستيراد والتسعير ساهمت في خفض الأسعار. وقال الشوا لموقع سوريا 24 إن قطاع الدواجن تعرض للوباء خلال الفترة الأخيرة، ما أدى إلى منع الاستيراد وارتفاع أسعار مادة الفروج في الأسواق. وأوضح الشوا أن ارتفاع الطلب مع دخول شهر رمضان ساهم في تفاقم الأزمة، ما دفع الجهات المعنية إلى التدخل لضبط الأسعار ومنع حالات الاستغلال. وأشار إلى أن المديرية فرضت تأشيرة الأسعار كإجراء مباشر لإعادة التوازن إلى السوق، مؤكدا أن هذه الخطوة ساهمت في الحد من الارتفاع غير المبرر في الأسعار. وأضاف أنه تم اتخاذ قرار لاحقاً بفتح باب استيراد فروج اللاحم الحية وإخضاعها لرقابة صحية مشددة للتأكد من خلوها من الأمراض وحفاظاً على سلامة المستهلك. وبين الشوا أن تلك الإجراءات كان لها أثر إيجابي على الأسواق، إذ شهدت الأسعار تراجعاً تدريجياً ليصل سعر الكيلوغرام إلى نحو 1800 ليرة بعد أن كان نحو 2800 ليرة بانخفاض نسبته 35% تقريباً. لكن التربويين يرون أن هذه الإجراءات لم تعالج جذور الأزمة، ولم تنصفهم. من الرابح في هذا السوق؟ وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن سوق الدواجن في سوريا يشهد حالة واضحة من الاختلال، إذ يغادر المربون القطاع تحت ضغط الخسائر، ويواجه المستهلكون تراجعاً متواصلاً في القدرة الشرائية، وسوقاً تتأرجح بين القرارات المتغيرة دون استقرار حقيقي. وإذا استمر هذا المسار فإن الخسارة قد لا تظل مقتصرة على المنتجين فقط، بل قد تمتد إلى الأمن الغذائي في البلاد.



