اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-27 11:20:00
تظهر الصور الجوية التي بثتها قناة الجزيرة مدينة الرقة كمنطقة متوقفة في لحظة الدمار: أحياء مدمرة، وبنية تحتية مهملة، وغياب شبه كامل لمشاريع إعادة الإعمار الحقيقية. وتصبح هذه الصورة أكثر إرباكاً عندما توضع في سياقها الأوسع. وتقع الرقة في قلب منطقة الجزيرة السورية، وهي من أغنى مناطق البلاد بالثروات الزراعية والنفطية، وقد تلقت خلال السنوات الماضية دعماً دولياً ومالياً واسعاً تحت عنوان الاستقرار ومرحلة ما بعد داعش، دون أن يعكس ذلك تغييراً ملموساً في حياة المدينة أو سكانها. في المقابل، تم الكشف عن شبكة واسعة من الأنفاق تحت المدينة ومحيطها، تمتد بين أحياء الرقة والطبقة وعين عيسى، ويصل بعضها إلى منشآت حساسة مثل سد الفرات والمراكز الأمنية والمشافي. وبحسب مصادر هندسية مطلعة، فإن هذه الأنفاق لم يتم حفرها كممرات طوارئ محدودة، بل تم تشييدها كهيكل متكامل يتضمن تسليح خرساني كثيف، وغرف متعددة الاستخدام، وأنظمة تهوية وكهرباء، وأقسام مجهزة بتقسيمات داخلية عالية التكلفة. المفارقة لا تكمن في وجود الأنفاق نفسها، بل في أن الاستثمار الأكبر جرى تحت الأرض، فيما تركت المدينة فوقها في حالة من الركود والدمار المزمن. ويثير هذا التناقض مسألة الأولويات، وليس مسألة الموارد. ولا يبدو أن غياب التنمية ناجم عن ندرة الأموال، بل عن طريقة توجيهها. منطقة تتمتع بموارد طبيعية وزراعية، وتلقت دعماً دولياً معلناً بمئات الملايين من الدولارات، لا ينبغي أن تبقى مدينتها المركزية على هذا المستوى من الإهمال، إلا إذا تمت إدارتها كملف أمني طويل الأمد وليس مشروعاً مدنياً لاستعادة الحياة. وحتى هذه اللحظة، لم تشهد الرقة دخول فرق هندسية دولية مستقلة لتقييم الأثر الهيكلي لشبكات الأنفاق. ولم يتم الإعلان عن أي مسح جيولوجي شامل، ولا تقارير منشورة عن قدرة المباني المتضررة على تحمل هذا الفراغ الممتد تحتها، ولا تقديرات رسمية لاحتمالات الانهيارات المستقبلية. وفي تجارب دولية مماثلة، كما حدث في الموصل بعد داعش أو سراييفو بعد الحرب، كان إرسال خبراء التربة والبناء هو الخطوة الأولى قبل أي عملية إعادة إعمار. غياب هذه الخطوة في الرقة يفتح الباب أمام مخاطر مؤجلة لا تناقش علناً. وعلى عكس ما تم الترويج له في بعض الخطابات، فإن أنفاق قوات سوريا الديمقراطية في الذاكرة الشعبية لم تتحول إلى أسطورة صمود أو رمز للمقاومة، كما هو الحال مع أنفاق غزة أو أنفاق الفيتكونغ في فيتنام. والفرق هنا ليس تقنيا فقط، بل نفسي واجتماعي وسياسي أيضا. ارتبطت أنفاق غزة بمحاولة تحييد التفوق الجوي وحماية مجتمع محاصر، في حين شكلت أنفاق فيتنام نمط حياة متكامل تحت الأرض، بما في ذلك المستشفيات والمدارس والأسواق، كامتداد لبيئة شعبية حاضنة. أما أنفاق قوات سوريا الديمقراطية، فقد ارتبطت في الذاكرة الشعبية بجنود حزب العمال الكردستاني القادمين من جبال قنديل، وبأسلوب حياة منعزل تحت الأرض، أقرب إلى ملاذ آمن مغلق يلجأ إليه المقاتلون فوق الأرض منه من القصف الجوي نفسه. ولم تكن هذه الأنفاق تعبيرا عن الاندماج مع المدينة أو دفاعا عنها، بل كانت انعكاسا لعلاقة متوترة مع بيئة اجتماعية لا ترى فيها قوة تمثلها أو تحميها. ومن هذا المنطلق، أدت الأنفاق وظيفة نفسية لمقاتليهم، باعتبارها مساحة مخفية عن بيئة لم ترحب بهم، أكثر من كونها جزءًا من عقيدة الصمود الجماعي. وتشير تقديرات خبراء هندسة الأنفاق والبنية التحتية إلى أن تكلفة حفر الأنفاق المعززة والمجهزة لهذا المستوى، بأنظمة الكهرباء والتهوية وتحسينات أمنية، قد تتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف دولار للمتر الواحد، وترتفع أكثر مع الأخذ في الاعتبار الحماية والأفخاخ المتفجرة وسنوات العمل. ومع الحديث عن شبكات طويلة ومتفرعة تحت أحياء بأكملها، فمن المرجح أن تكون تكلفة الحفر وحدها قد وصلت إلى مئات الملايين من الدولارات، وربما تجاوزت المليار دولار، وهو ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول مصادر التمويل وأولويات إنفاقه. وما هو أكثر تعقيدا هو ما يأتي بعد اكتشاف هذه الأنفاق. وقد تستغرق عمليات المسح الهندسي وإزالة المتفجرات والردم وتقوية التربة ما بين سنتين وخمس سنوات، وقد تتراوح التكلفة التقديرية لها بين مائتين وخمسمائة مليون دولار كحد أدنى. وفي بعض الأحياء، قد يصبح هدم المباني القائمة وإعادة بنائها بالكامل خياراً إلزامياً بسبب فقدان الاستقرار الهيكلي، ما يعني أن معالجة آثار الأنفاق قد تقترب من تكلفة إعادة بناء المدينة من جديد. وفي المدن التي خرجت من حروب مدمرة، تم التعامل مع مترو الأنفاق كجزء من ملف السلامة العامة وليس كأمر ثانوي. أما في الرقة، فلا توجد خطة معلنة، ولا ميزانية شفافة، ولا جدول زمني واضح، في وقت يُعاد فيه استخدام خطاب الاستقرار كوصف سياسي وليس كواقع حضري أو اجتماعي. الرقة اليوم ليست مدينة بلا موارد، بل مدينة بلا مسار معلن. تم استثمار مبالغ هائلة تحت الأرض، بينما تركت المدينة في الأعلى مدمرة، ويعيش سكانها في فراغ معماري ونفسي في نفس الوقت. وما لم يتم فتح ملفات التمويل، وإرسال فرق الخبراء، ومناقشة تكلفة الحفر والردم بشفافية، ستبقى الرقة مدينة غنية تدار كملف أمني مؤجل، وليس كمدينة من المفترض أن تعود إلى الحياة.



