سوريا – العالم داخل علبة السردين… أخلاقيات السلطة في زمن الحروب الجديدة

اخبار سوريا9 مارس 2026آخر تحديث :
سوريا – العالم داخل علبة السردين… أخلاقيات السلطة في زمن الحروب الجديدة

اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز

سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-09 16:11:00

عماد الحصري مشكلة التاريخ مع الأنظمة الاستبدادية ليست في سقوطها، بل ربما على العكس تماما. إن التاريخ السياسي للإنسانية يكاد يكون سلسلة متتالية من انهيار الأنظمة المنغلقة عندما تصل إلى أقصى مستويات القمع أو عندما تفقد قدرتها على التكيف مع مجتمعاتها. ومن هذه الزاوية، لا يبدو سقوط أي نظام استبدادي حدثا استثنائيا، بل لحظة مألوفة في دورة الصراع الطويلة بين السلطة والمجتمع. إن النظام الذي حكم إيران لعقود طويلة بعقلية أيديولوجية منغلقة، ارتكز على بنية استبدادية وأمنية وأدار سياسات قمعية ضد ملايين الإيرانيين، والذي ارتبط اسمه أيضا بتدخلات إقليمية ساهمت في تعميق أزمات المنطقة، لا يخرج عن هذه القاعدة التاريخية. بل يمكن القول إن نهاية نظام من هذا النوع قد تكون، من حيث المبدأ، مصلحة حقيقية للشعب الإيراني نفسه قبل أن تكون مكسباً لأي طرف آخر. لكن المشكلة الحقيقية لا تبدأ بسقوط النظام نفسه، بل بالطريقة التي يتم بها إعادة هذا السقوط إلى المشهد السياسي الدولي. ولا تظل الأحداث السياسية الكبرى محصورة في معناها الداخلي، بل يتم إعادة صياغتها دائما ضمن سرد أوسع يتحكم فيه توازن القوى العالمي. وهنا تتحول لحظة السقوط، التي قد تبدو ظاهرياً وكأنها انتصار لحق الشعوب في التحرر، إلى فرصة لإعادة توزيع الأدوار الأخلاقية على الساحة الدولية. وقد اكتسب هذا السؤال بعداً أكثر حدة بعد الضربة العسكرية الأميركية، والحرب المعلنة التي أعقبتها، والتداعيات الإقليمية المتسارعة. ولم يعد الحدث مجرد احتمال سياسي أو تصعيد يمكن احتواؤه، بل أصبح واقعا يفرض نفسه على المنطقة والعالم، ويعيد فتح ملفات قديمة حول طبيعة النظام الإقليمي وتوازناته. في هذه اللحظة بالذات، يبرز من هو «المنقذ»، حاملاً خطاباً أخلاقياً يتحدث عن الحرية أو الاستقرار أو إنقاذ المنطقة من الفوضى. والمفارقة أن بعض هؤلاء الفاعلين هم أنفسهم شخصيات ارتبطت سياساتهم بحروب أو تدخلات أو قرارات أثارت جدلا واسعا في العالم. ومع ذلك، فقد أصبحوا فجأة أصحاب رواية أخلاقية جديدة. لكن لفهم هذه المفارقة، لا يكفي الحديث عن المعايير المزدوجة. تفترض ازدواجية المعايير وجود معيار أخلاقي ثابت يتم انتهاكه في بعض الأحيان. وفي النظام الدولي المعاصر، تكون المشكلة أعمق: فالمعيار ذاته يتغير تبعاً لموقف القوة. فالسياسة هنا لا تنتهك الأخلاق فحسب، بل تعيد تعريفها وفقاً لتوازن القوى. ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال الأهم ليس فقط لماذا حدثت الضربة، بل لماذا حدثت في هذا الوقت المحدد. فالتاريخ السياسي لا يتحرك وفق أسباب معلنة فحسب، بل أيضاً وفق حسابات التوقيت. إن ما نشهده قد يكون محاولة لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي قبل أن تتشكل توازنات جديدة أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتحكم. وفي هذا السياق، تبدو التحولات في علاقة النظام الإيراني بمحيطه الإقليمي ذات أهمية خاصة. فالنظام، الذي تمكن على مدى عقود عديدة من بناء شبكة واسعة من التحالفات والأدوات السياسية والعسكرية، اعتمد في كثير من الأحيان على مزيج من الردع الأيديولوجي والتفاهمات البراغماتية. لكن المفارقة أن بعض القوى التي كانت حتى وقت قريب تلعب دور الوسيط أو الشريك في إدارة التوازنات، خاصة في بعض دول الخليج، بدأت تظهر اليوم في وضع مختلف تماما. وكأن ما تم تقديمه سابقاً على أنه شبكة من التوازنات الإقليمية يتحول تدريجياً إلى أدوات ضغط في معادلة سياسية جديدة. وهنا يبرز سؤال آخر: هل الهدف مجرد إضعاف النظام الإيراني سياسيا واقتصاديا، أم أن هناك وظيفة أعمق لهذا التحول؟ أي محاولة لإقناع الجميع بأن الدور الذي لعبه هذا النظام خلال العقود الماضية قد انتهى، وأن استمراره لم يعد مجرد مشكلة سياسية لبعض الدول، بل أصبح عبئا تاريخيا يجب إنهاؤه. وبهذا المعنى فإن الضربة لا تتحول إلى مجرد عمل عسكري أو ضغط اقتصادي، بل إلى إعلان سياسي لنهاية مرحلة كاملة من توازنات المنطقة. مرحلة بدأت عملياً بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، عندما وجد النظام الإيراني نفسه ضمن نظام دولي جديد أعاد توزيع ميزان القوى. ولهذا السبب، يمكننا أن نشهد تحولات تبدو للوهلة الأولى متناقضة للغاية. فالشخص الذي كان حتى وقت قريب مصنفاً على أنه إرهابي ومطلوب بمكافأة مالية قد يصبح فجأة شريكاً أو حليفاً. ليس لأن تاريخه تغير، بل لأن موقعه في شبكة المصالح تغير. في هذه اللحظة بالتحديد يصبح العالم السياسي بمثابة خط إنتاج ضخم. وهنا نستطيع أن نفهم الاستعارة الأكثر دقة لوصف النظام الدولي المعاصر: العالم اليوم يبدو وكأنه علبة سردين ضخمة. في هذه العلبة، لا تتغير الحدود لتناسب الأسماك. وبدلا من ذلك، يجب أن تتقلص السمكة وتأخذ الشكل الذي يسمح به القفص. الأمر لا يتعلق بالدول فحسب، بل يتعلق بالأشخاص أيضًا. إن النظام العالمي الجديد لا يقتصر على إدارة السلطة، بل يعمل على تحويل المجتمعات والأنظمة، بل وحتى الأفكار، إلى منتجات قياسية تتناسب جميعها في قالب واحد. تتحول الأنظمة إلى خطوط إنتاج، والسياسات إلى عمليات تعبئة، والشعوب إلى محتوى مرتب بعناية داخل الصندوق. أما أولئك الذين لا يستطيعون التكيف مع هذا الشكل المحدد مسبقاً فلا يُطلب منهم التفاوض، بل يتم ببساطة طردهم من السوق. وهنا تكمن المفارقة الأشد قسوة في عالم السياسة المعاصر. ولا تكمن المشكلة في أن الظلم قد يستمر فحسب، بل إن النظام الذي ينتج عنه يتمتع بقدرة هائلة على تقديم نفسه باعتباره الحل. القوة لا تخلق الواقع فحسب، بل تشكل أيضًا اللغة التي يُفهم بها هذا الواقع. وعندما تنجح السلطة في احتكار اللغة، تصبح السياسة أقل التزاما بالأخلاق ولكنها أكثر مهارة في الظهور بمظهر الأخلاقي. وفي ختام هذا الحديث لا بد من توضيح نقطة أساسية، وهي أن قراءة الأحداث بهذه الطريقة لا تعني الانزلاق في نظريات المؤامرة. ولكنه يعني الاعتراف بأن السياسة الدولية تقوم في الأساس على تقاطع المصالح المتغيرة باستمرار. وهذه التقاطعات هي التي تخلق حقائق جديدة، وهي التي تدفع الدول إلى إعادة تعريف تحالفاتها وتنافساتها. وكثيراً ما يجد الناس أنفسهم ضمن هذه المعادلات، يتحركون وفق المسارات التي ترسمها تلك المصالح، سواء برضاهم أو رغماً عنهم. إن العالم، في النهاية، لا يتحرك وفقًا لما يريده الناس فحسب، بل أيضًا وفقًا لما يسمح به الصندوق الذي يوضع فيه الجميع. ذات صلة إذا كنت تعتقد أن المقال يحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية أرسل شكوى

سوريا عاجل

العالم داخل علبة السردين… أخلاقيات السلطة في زمن الحروب الجديدة

سوريا الان

اخر اخبار سوريا

شبكة اخبار سوريا

#العالم #داخل #علبة #السردين.. #أخلاقيات #السلطة #في #زمن #الحروب #الجديدة

المصدر – عنب بلدي