اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-18 20:23:00
في مدينة تحاول استعادة إيقاع الحياة بعد سنوات طويلة من الحرب، تحولت القمامة في حلب إلى أكثر من مجرد أزمة خدمية. أكوام النفايات المنتشرة في الشوارع، والحاويات الممتلئة، والروائح الكريهة التي تغلف بعض الأحياء، دفعت آلاف السكان للتعبير عن غضبهم عبر الحملات الإلكترونية والشكاوى اليومية، في مشهد أعاد قضية الخدمات الأساسية إلى واجهة النقاش العام في العاصمة الاقتصادية السابقة لسوريا. وانتشرت في الأسابيع الأخيرة صور ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تحت عناوين مثل “حلب تختنق” و”#طلعت_ريحتكم”، مما يشير إلى تدهور متزايد في واقع النظافة، خاصة في الأحياء الشرقية والشعبية التي تعاني من ضغط سكاني متزايد بعد عودة آلاف العائلات إلى المدينة. وأعلنت محافظة حلب، منذ نحو عام، أن المدينة بحاجة إلى ما يقارب ثلاثة آلاف عامل نظافة وفق المعدلات الطبيعية، فيما يشكل توفير ألف عامل فقط حلاً طارئاً مؤقتاً، في ظل تراجع القدرات البشرية واللوجستية وتآكل جزء كبير من آليات التشغيل. ويشكو المواطنون من تراجع الخدمات في بعض الشوارع. ولم تعد الحاويات قادرة على استيعاب النفايات المتراكمة، فيما تحولت الأراضي الفارغة ومحيط الحاويات إلى مكبات مفتوحة. ويقول سكان لموقع “سوريا 24” إن منظر النفايات أصبح جزءاً من الحياة اليومية، وسط مخاوف متزايدة من انتشار الحشرات والأمراض مع اقتراب فصل الصيف. ويعرب علي فرواتي، أحد سكان المدينة، عن استيائه من واقع النظافة، قائلا إنها “أصبحت معدومة”، مضيفا أن البلديات لم تعد قادرة على مواكبة حجم النفايات المتزايد. وحمل فرواتي الجهات الحكومية مسؤولية ما يحدث، مطالبا بتشديد الرقابة على عمال النظافة وزيادة حملات رش المبيدات. وفي حي الخالدية، يرى جمال الهنداوي في حديث لموقع “سوريا 24” أن هناك “جهوداً مستمرة بالفعل”، لكنها تبقى أقل بكثير من حجم الاحتياجات المتزايدة. ويشير الهنداوي إلى أن قلة العمال والحاويات تؤدي إلى تفاقم الأزمة، خاصة في الأحياء المزدحمة التي شهدت عودة السكان تدريجياً خلال العامين الماضيين، لكنه يشير أيضاً إلى قلة الوعي المجتمعي، معتبراً أن مسؤولية النظافة “لا تقع على عاتق عامل النظافة وحده”، بل تشمل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية، في ظل استمرار رمي النفايات بشكل عشوائي في العديد من المناطق. أما سليمان حسين الذي عاد إلى حلب منذ أسابيع بعد سنوات من الغياب، فيصف صدمته على مستوى الخدمات قائلاً: “كنت أظن أن المدينة تجاوزت هذه المرحلة، لكن القمامة في كل مكان تقريباً”. وفي حديثه لموقع “سوريا 24″، حمل حسين السكان والسلطات المحلية المسؤولية المشتركة، معتبراً أن غياب التنظيم وضعف الالتزام المدني ساهم في تفاقم الأزمة، لكنه يرى في الوقت نفسه أن المؤسسات المعنية لم تتمكن حتى الآن من تقديم حلول عملية ومستدامة. ومع اتساع نطاق الانتقادات، تحولت أزمة النظافة إلى ملف سياسي وإداري مفتوح، أثر بشكل مباشر على أداء مجلس مدينة حلب ورئيسه طلال الجابري. انتقاد أداء الإدارة المحلية. وقال عضو مجلس الشعب عن مدينة حلب عقيل حسين، في منشور له على حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، إن ما يحدث “يكشف فشل الإدارة المحلية في التعامل مع مرحلة استثنائية”، مشيراً إلى أن هيئة التموين وافقت مؤخراً على طلب شراء مركبات خدمية للمدينة بقيمة تجاوزت سبعة ملايين دولار، بعد أشهر من الجدل والانتقادات. ويرى حسين أن نقص الآليات والعمالة يمثل سببًا حقيقيًا للأزمة، لكنه لا يبرر استمرارها بهذا الحجم، خاصة في مدينة مثل حلب، مضيفًا أن مؤسسات الإدارة المحلية خلال السنوات الأولى من الحرب عملت بقدرات شبه معدومة، لكنها مع ذلك تمكنت من تقديم الحد الأدنى من الخدمات. كما اتهم حسين رئيس مجلس المدينة بـ”الاستسلام للواقع” وعدم السعي الجاد لإيجاد حلول بديلة، معتبراً أن المجلس “أصبح مختزلاً بشخص رئيسه”. اتهامات بالتسييس وتبادل المسؤوليات. في المقابل، يرى الناشط عبد الرحمن إسماعيل، في منشور له على فيسبوك، أن الحملة ضد مجلس المدينة لها أبعاد سياسية، متهمًا محافظة حلب بمحاولة تحميل المجلس وحده مسؤولية الأزمة، رغم أن جزءًا من المشكلة -حسب قوله- يتعلق ببطء الاستجابة من قبل السلطات المركزية في دمشق. ويشير إسماعيل إلى أن إمكانيات البلدية استنفدت خلال الزيارات والمناسبات الرسمية، ومن بينها زيارة بلال أردوغان للمدينة، حيث تم توجيه فرق وآليات التنظيف نحو مناطق محددة على حساب بقية الأحياء. كما تحدث عن خلافات مالية وإدارية بين المحافظة ومجلس المدينة السابق، معتبراً أن هذه التوترات انعكست سلباً على أداء المجلس الخدمي والإداري. غياب الشفافية وتراجع مكافحة الفساد. من جهته، انتقد عضو مجلس الشعب بشر الحاوي، في منشور له على فيسبوك، ما وصفه بـ”انعدام الشفافية” في التعامل مع الأزمة، معتبرا أن المسؤولين لم يخرجوا لتوضيح أسباب التدهور إلا بعد تصاعد الضغوط الشعبية والإعلامية. كما أشار الحاوي إلى أن ملف مكافحة الفساد داخل المؤسسات الخدمية تراجع خلال الفترة الأخيرة، وهو ما انعكس -بحسب رأيه- على أداء مجلس المدينة وواقع الخدمات. مجلس المدينة: قلة الإمكانيات تعيق الحلول. وأمام هذه الانتقادات، دافع رئيس مجلس مدينة حلب، طلال الجابري، عن أداء المجلس، مؤكدا أن الواقع الخدمي في المدينة “صعب للغاية”، في ظل التراجع الكبير في القدرات التشغيلية. ويقول الجابري إن البلدية تضطر أحياناً إلى استخدام «الشاحنات» وآليات بديلة لنقل النفايات بسبب عدم وجود ضواغط متخصصة، مشيراً إلى أنه قدم رسائل رسمية إلى هيئة التموين يطالب فيها بآليات وضواغط جديدة «لكن دون استجابة منذ فترة طويلة». ويضيف أن الزيادة الكبيرة في أعداد السكان العائدين إلى المدينة، زادت الضغط على قطاع النظافة بما يفوق الإمكانيات الحالية، في وقت تعاني البلدية من نقص كبير في عدد العمال والآلات الصالحة للعمل. ورد عقيل حسين بالقول إن معلوماته تشير إلى قيام هيئة التموين بصرف سبعة ملايين دولار لشراء معدات مخصصة لقطاع النظافة، معربا عن أمله في أن ينعكس القرار على واقع الخدمات في أحياء المدينة. وسبق أن تحدث مسؤولون محليون عن مبادرات لدعم قطاع النظافة، شملت تغطية رواتب مئات العمال، وإصلاح عدد من ضاغطات النفايات المتوقفة، بالإضافة إلى مشاريع تتعلق بفرز النفايات وإعادة تدويرها وتحسين عمليات النقل والمعالجة. إلا أن العديد من هذه الوعود لم تنعكس بشكل ملموس على الواقع الخدمي حتى الآن. مديرية النظافة: استنفاد الآليات ونقص في الكوادر. بالتوازي مع الجدل السياسي والإداري، تعترف مديرية النظافة في مجلس مدينة حلب بوجود أزمة حقيقية. وقال مدير المديرية بكر العبد الله لموقع “سوريا 24” إن العديد من الآليات الموجودة “مستهلكة وتحتاج إلى صيانة مستمرة”، فيما تعاني المديرية من نقص حاد في العمال. ويضيف أن المديرية بدأت مؤخرا بطلب المساعدة من القطاع الخاص، من خلال التعاقد مع مقاولين لتغطية بعض الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، إضافة إلى إنشاء مراكز فرعية لنقل النفايات مباشرة إلى المكب النهائي في منطقة تل الضمان. لكن بالنسبة للعديد من سكان حلب، لا تبدو الأزمة مجرد مشكلة خدماتية مؤقتة، بل هي صورة مكثفة لمدينة لا تزال تحاول التعافي من آثار الحرب، بينما تسبقها القمامة إلى شوارعها اليومية، مما يكشف هشاشة البنية الخدمية في مرحلة من المفترض أن تكون مرحلة التعافي واستعادة الاستقرار.



