اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-22 17:16:00
عنب بلدي – محمد ديب بغداد في قلب مدينة حلب، حيث تتقاطع الطرق بين الأسواق الأثرية والأحياء القديمة، تقف ساعة باب الفرج شامخة، ليس كبرج حجري يعلو فوق الساحة، بل كإحدى العلامات القليلة التي لا تزال تلخص معنى المدينة نفسها. من باب الفرج، مروراً بباب جنين، إلى أزقة التلال، لم تكن الساعة يوماً مجرد وسيلة لمعرفة الوقت، بل هي مرجع يومي، ونقطة التقاء، وعين مفتوحة على حياة كاملة انكشفت أمامها. وكل من عاش في حلب أو مر بها يعلم أن السؤال عن الوقت لا يحتاج إلى ساعة. نظرة واحدة إلى البرج كانت كافية لتحديد بداية النهار أو اقتراب المساء. لم تكن الأيدي تعمل بمفردها، بل كان المربع بأكمله يدور معها. كان الباعة يرتبون بضائعهم، والطلاب يندفعون نحو مدارسهم، والنساء يعبرن الساحة ليعودن إلى بيوتهن قبل غروب الشمس. من قصر السلطان إلى برج الساعة بدأت قصة الساعة في عام 1316هـ، 1898م، في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، عندما وضع والي حلب رائف باشا حجر الأساس لها في ساحة باب الفرج، في موقع آثار السلطان سليمان القانوني ابن السلطان سليم العثماني، والتي يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر. وبحسب موسوعة الآثار السورية، وبعد عام واحد، وتحديداً في عام 1317هـ، 1899م، تم الانتهاء من بناء البرج الذي يبلغ ارتفاعه حوالي 28 متراً، وهو تصميم شارك فيه المهندسان الفرنسيان شارل شارتييه والسوري بكر صدقي. وجمع المبنى بين الزخرفة الإسلامية المحلية والتأثيرات الأوروبية، في وقت كانت المدينة تعيد تنظيم نفسها على إيقاع العصر الحديث، ولم تكن الساعة تعمل وفق نظام واحد، بل كانت تشير إلى توقيتين شرقي وغربي. بتلك التفاصيل الصغيرة، كانت المدينة تعكس موقعها بين عالمين، وبين زمنين متجاورين بنفس الوجه. لم تكن الساحة التي حملت اسم الساعة مشهدا من الحياة اليومية فحسب، بل كانت أيضا شاهدة على تنفيذ أحكام الإعدام العلنية على مراحل مختلفة، آخرها عام 2007، عندما كان الناس يتجمعون في نفس المكان الذي كانوا يمرون به كل يوم، ولكن هذه المرة لمراقبة نهاية حياة، ومنذ ذلك الوقت ظلت الساعة تحمل ذاكرة مزدوجة، ذاكرة الحياة التي كانت تنتظم على إيقاعها، وذاكرة العدالة التي تتم تحت ظلها. مرجع يومي للحياة بالنسبة لمحمد قدماتي (60 عاما) الذي يعمل منذ أكثر من 40 عاما في محل للصابون والزعتر قرب ساحة ساعة باب الفرج، لم تكن الساعة مجرد معلم بصري، بل جزءا من تفاصيل حياته. وقال محمد لعنب بلدي، إن يومه بدأ عندما رأى العقارب تشير إلى الثامنة صباحًا، وهو الوقت الذي كان يفتح فيه المحل. لم يحمل ساعة، ولم يشعر قط أنه في حاجة إليها. ساعة باب الفرج تكفي، على حد تعبيره. يتذكر كيف كانت الساحة تمتلئ تدريجياً بالعمال القادمين من مختلف أحياء حلب وريف حلب، والطلاب يحملون حقائبهم المدرسية، والباعة يجرون عرباتهم نحو الأسواق. رأى أكثر من الوقت في اليدين، رأى انتظام الحياة نفسها. تم تحديد كل المواعيد بالنسبة لها: الاجتماعات، بداية العمل، وحتى أوقات العودة إلى المنزل، إذ كانت الساعة مرجعاً مشتركاً ولغة زمنية يفهمها الجميع دون اتفاق مسبق. من جهتها، تستعيد جومانا طحان (54 عاماً) علاقتها بالمكان كجزء من تفاصيل الحياة اليومية، أكثر من مجرد معلم أثري. جومانا قالت لعنب بلدي إن الجلوس قرب الساعة عادة تكرر دون تخطيط، سواء بعد جولة في الأسواق أو أثناء العودة من التلال سيرًا على الأقدام. وكان المكان بمثابة نقطة استراحة طبيعية، حيث يجلس الناس لبعض الوقت قبل مواصلة طريقهم، يراقبون حركة المارة ويشعرون وكأنهم في قلب المدينة. الساعة، في ذهن أهل حلب، لا تقل أهمية عن قلعة حلب، وإن كان لكل منها رمزيتها الخاصة، بحسب جمانة. وبينما تمثل القلعة عمق التاريخ البعيد، فإن ساعة باب الفرج تمثل ذاكرة الحياة اليومية القريبة. وما يزيد من جمال المكان موقعه القريب من المكتبة الوطنية بحلب بجانب أسواق باب الفرج المعروفة حيث تمتزج روائح الصابون والزعتر مع حركة الناس مما يضفي على الساحة طابعا خاصا. إن الوصول إلى الساعة بعد مسيرة طويلة فوق التلال أعطى شعوراً بالراحة، كما لو أن الطريق انتهى هناك. ولم تكن الساعة مجرد برج يعلن عن الوقت، بل محطة يتوقف فيها الناس، ومكان يشعرون فيه بأنهم أقرب إلى مدينتهم، حتى لو لم ينتبهوا إلى عقاربها. ووصفت المرأة الحلبية المكان بأنه يمنح الشعور بالأمان، إذ لن يضيع أحد في حلب طالما عرف طريقه إلى الساعة. ذاكرة لا تقيس الزمن. ولم تكن الساعة بمنأى عن التحولات التي شهدتها المدينة، فمرت سنوات توقفت فيها أيديها، وأخرى عادت فيها إلى العمل، وتغيرت الوجوه في الساحة، واختفت أسماء كثيرة، لكن البرج بقي في مكانه. لكن حتى مع تغير وظيفة المكان، من مركز للحياة اليومية إلى مكان أقل ازدحاما خلال سنوات الحرب، ظلت الساعة عامل جذب صامت، وكان المارة يرفعون رؤوسهم إليها دون وعي، كما لو كانوا يحققون في شيء أعمق من الزمن. لم تعد ساعة باب الفرج مجرد أداة لقياس الوقت. لقد أصبحت ذكرى في حد ذاتها. في حجارته تفاصيل لا توصف: خطوات من مر بالقرب منه، وأصوات من انتظر، ووجوه من لم يعود. من باب الفرج إلى باب جنين، ومن هناك إلى التلال، لا تزال الطرق نفسها تؤدي إلى البرج، ولا يزال المكان يؤدي وظيفته الأعمق، وهو كونه نقطة التقاء المدينة بنفسها. وقال محمد قدماتي إن الساعة لم تكن يوماً مجرد مبنى بالنسبة لهم، بل كانت جزءاً من حياتهم اليومية، مضيفاً “شعرنا أن المدينة كلها تعيش على إيقاعها، عندما ننظر إليها اليوم لا نرى الوقت فقط، بل نرى حياتنا التي مضت من هنا، الساعة بقيت وتغيرنا، لكنها ما زالت تذكرنا بأن حلب مهما تغيرت لا تفقد قلبها”. متعلق ب




