اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-16 19:34:00
خالد المطلق تجد سوريا نفسها مع بداية عام 2026 أمام مشهد استثنائي بملامح متناقضة تضع الدولة والمجتمع في عين العاصفة. وبينما تخطو “دولة ما بعد الأسد” خطوات كبيرة نحو ترسيخ أركان السلطة، خاصة في الشمال الذي ظل خارج خريطة السيطرة المركزية منذ سنوات، لا يزال المواطن السوري يعاني تحت وطأة تحديات معيشية خانقة تتجاوز مجرد “أزمة اقتصادية” لتصبح تهديداً وجودياً لاستقرار هذا التحول التاريخي. المرحلة الحالية لم تعد تكتفي بالشعارات السياسية الكبرى، بل انتقلت إلى مربع «النتائج». ونحن اليوم أمام معركة مزدوجة ومعقدة تخوضها الحكومة المؤقتة: معركة «الرمزية والسيادة» على الخريطة لاستعادة وحدة الأرض والمؤسسات، ومعركة «الكرامة والرغيف» على الطاولة لإقامة الحاضنة الشعبية. يعلمنا التاريخ أن التحولات الكبرى التي لا تحمي الأمن الغذائي للناس تظل عرضة للانتكاس، واستعادة الجغرافيا لا تكتمل إلا بإعادة الطمأنينة في نفوس الجائعين. ملف الشمال السوري هذا العام يتجاوز فكرة “الهدنة العسكرية” ويدخل في قلب إعادة هندسة الدولة. ولا تمثل التفاهمات مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في الحسكة والقامشلي مجرد بروتوكولات لضبط الحدود، بل هي محاولة لإنهاء عهد “دولة داخل الدولة”. إن بسط السيطرة الإدارية على مناطق شرق الفرات يعني استعادة الحكومة “القلب النابض” لمواردها. والنجاح هنا لا يقاس فقط برفع العلم، بل أيضا بكفاءة تكامل المؤسسات الخدمية والتعليمية والأمنية. هل تستطيع دمشق تقديم نموذج؟ إداري يستوعب الخصوصيات المحلية في الشرق دون المساس بمركزية صنع القرار السيادي؟ هذا هو جوهر التحدي، واستعادة الرئة الاقتصادية من خلال السيطرة على حقول النفط مثل “العمر” و”رميلان” وسلات القمح في الجزيرة السورية، يعني نظرياً إنهاء حالة التبعية للخارج في ملفي الطاقة والغذاء. واستعادة هذه الموارد هي «فجرة الرحمة» التي تنطلق على اقتصاد الحرب وبداية تأسيس اقتصاد وطني متكامل. ومن خلال إدارة هذا الملف المعقد، تقدم القيادة السورية المؤقتة نفسها للعالم كقوة “استقرار” وليس “صراع”، وإذا أثبتت قدرتها على دمج القوى المحلية ومكافحة فلول التنظيمات. والتطرف سيمنحها شرعية وظيفية أمام القوى الإقليمية والدولية، مما يمهد الطريق لرفع العقوبات أو تخفيفها تدريجيا. معضلة الرغيف أزمة لا تنتظر السياسة. وبينما تنشغل الغرف السياسية برسم خرائط السيطرة، يبقى «الأمن الغذائي» هو المجال الذي تخسر فيه الحكومات ولاء شعوبها أو تكتسبه. المواطن السوري عام 2026 لم يعد يكتفي بالوعود السياسية، بل ينتظر تأثيراً ملموساً على “موقفه التسوقي” حيث تواجه الحكومة واقعاً مريراً يتمثل في “التضخم الموروث”، وحتى مع استعادة الموارد، لا يزال سعر الصرف يعاني من ندبات سنوات الحرب، ولا شك أن تآكل القوة الشرائية يجعل أي تحسن في الإنتاج المحلي غير كاف إذا لم يرافقه رقابة صارمة على الأسواق وحماية العملة من النقد الدولي والمالي. تكهنات محلية. أما بالنسبة للإغاثة إلى الاستدامة، فالجميع يعلم أن سوريا تعيش اليوم في “فجوة إغاثية” حرجة. وقد بدأ المجتمع الدولي يسحب بساط المساعدات المباشرة للتحرك نحو «التعافي المبكر». وهذا التحول يضع الحكومة أمام مسؤولية مباشرة لتأمين القمح والمحروقات بتمويل ذاتي، وهو ما يشكل عبئا ثقيلا في ظل موازنة منهكة تحاول التوفيق بين الرواتب وإعادة الإعمار. أما ضغط الاستحقاق الشعبي، فهنالك حالة من «نفاذ الصبر» الشعبي، فالشارع السوري يرى في عودة حقول النفط والغاز في الشرق «عصا سحرية» يجب ترجمتها فوراً إلى زيادة ساعات الكهرباء وانخفاض سعر رغيف الخبز. وهذا الضغط يجعل صاحب القرار في سباق مع الزمن لإثبات أن «السيادة» لها ثمن إيجابي مباشر على جيب المواطن. ومن خلال هذا التوازن الحاسم بين السيادة والخبز، لا بد من تنفيذ العديد من الإجراءات للوصول إلى الأمن السيادي والمعيشي. وأعتقد أن أهم هذه الإجراءات هو الإصلاح الهيكلي ومحاربة الفساد المستشري. إن استعادة الموارد من دون إصلاح مؤسسي قد يؤدي ببساطة إلى ظهور “نخب اقتصادية” جديدة تستفيد من عقود إعادة الإعمار على حساب الشعب. إن محاربة الفساد في 2026 ليست ترفاً أخلاقياً، بل هي ضرورة فنية لضمان وصول أموال النفط والقمح إلى مستحقيها ومنع تسربها إلى الخارج. كما تحتاج سوريا إلى تحويل موقعها الجيوسياسي من «ساحة لتصفية الحسابات» إلى «عقدة دولية»، والانفتاح على البيئة العربية والإقليمية (تركيا، العراق، الأردن، ودول الخليج) يهدف إلى تحويل سوريا إلى ممر للتجارة والطاقة، وهذا الانفتاح هو الضامن لتوفير «العملة الصعبة» اللازمة لتحريك عجلة الإنتاج الصناعي والزراعي المتعثرة. وفي الختام، فإن سوريا عام 2026 لن تُختبر فقط بمدى قدرتها على رسم حدودها الدولية أو توحيد فصائلها العسكرية تحت علم واحد، بل ستختبر في الاختبار الأشد قسوة، وهو مدى قدرتها على إطعام مواطنيها بكرامة وكفاية. فالسيادة التي تكتفي بفرض الهيبة الأمنية من دون إشباع الجياع تبقى هشة وفاقدة للشرعية، والرغيف الذي قد يأتي مغموساً في التنازل عن الثوابت الوطنية يبقى رغيفاً مراً لا يبنى. وطن مستقل. إن العبور إلى «سوريا الجديدة» اليوم يتطلب شجاعة في الإدارة تعادل الشجاعة الميدانية، شجاعة قطيعة مع تراث الفساد والمركزية المقيتة، وتؤمن بأن حقول النفط في الشرق ليست أرقاماً في الميزانية، بل وقود لتدفئة بيوت السوريين ومحرك لأفران خبزهم. يبقى عام 2026 عام «المعبر الكبير» واختباراً صعباً لمفهوم الدولة. وإما أن تنجح الحكومة في موازنة هيبة الدولة وتأمين لقمة العيش لإرساء أساس متين للاستقرار على المدى الطويل. أو يظل الجوع بمثابة ثغرة يمكن للعيوب أن تتسلل من خلالها لتهديد كل ما تم تحقيقه على طاولة السياسة. ذات صلة إذا كنت تعتقد أن المقال يحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية أرسل شكوى



