بعد غزة.. بداية عهد جديد من حروب الشعوب نحو المعنى

اخبار فلسطين5 فبراير 2024آخر تحديث :
بعد غزة.. بداية عهد جديد من حروب الشعوب نحو المعنى

اخبار فلسطين – وطن نيوز

فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-02-05 10:52:29

ومن يعتقد أن ما يحدث في غزة اليوم هو شأن محلي يتعلق بمساحة جغرافية ضيقة فهو واهم. أو مجرد أحداث عابرة لا تمتد إلى المستقبل. إن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إبادة جماعية وتطهير، على مرأى ومسمع من عالم عاجز عن التدخل، يدعونا إلى وقفة تأمل لتوضيح المعاني الكبرى التي تفسر حقيقة الصراع الدائر اليوم بين شعب أعزل. المتشبثين بحقهم في البقاء والوجود، والدولة التي تصر على حرمانهم من ذلك. يمين.

ليس من السهل التفكير في المعاني الكبرى التي تمكن العقل من التغلغل في صورة لواقع غير واقع التفاصيل اليومية الدموية وأعداد الضحايا الأبرياء التي تتساقط على مدار الساعة في غزة. وخلاصة القول أن الصراع، في جوهره، هو صراع على المعنى. فهو لا يجمع الفلسطينيين والإسرائيليين فحسب، كما يبدو ظاهرياً، بقدر ما يجمع بين نظامين ثقافيين فكريين، كل منهما مستقل بنظرته الخاصة إلى السلطة والوجود. فلسطين وإسرائيل، عند التحقيق، ليسا سوى رأس الحربة في الصراع على المعنى بين عالمين متنافرين.

وهذا ما يظهر من حديث المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم، حيث يرددون، منذ هرتزل وحتى اليوم، أن دولتهم ستقف كحصن منيع في وجه الوحشية والظلامية. خدمة الحضارة والتنوير. وهذا القول يتضمن معاني ظاهرة وخفية، بسيطة ومعقدة. ويكفينا هنا أن نشير إلى معنى واحد نعتبره صريحا وضمنيا في نفس الوقت، وهو أن إسرائيل، بما أن حقها في الوجود متمثل كحق تاريخي، فإنها تستعين بأحدث وسائل القوة المتاحة للغرب الحديث للدفاع عن هذا الحق في الوجود.

تحاول إسرائيل منذ نشأتها بناء شرعية وجودها على عنصرين: التاريخ والثقافة الغربية الحديثة، التي تبرر الاستعمار وتبرره. وهذا على النقيض من المجتمع الفلسطيني الذي يستمد شرعية حقه في الوجود من الأرض.

كلما انغمس الناس في عوالم مجردة، كلما أصبح من الأسهل اقتلاعهم من بيئتهم الثقافية، وأصبح من الأسهل إلقاءهم في نظام اقتصادي مالي تحكمه ضوابط رأس المال وقيم السوق. كما أنه من الأسهل استخلاصها من روايتها التاريخية وإلحاقها بروايات الآخرين.

إن فلسطين، على النقيض من إسرائيل، ليست رواية تاريخية يهتف بها الناس من أقاصي الأرض، أو فكرة محمولة على ظهر القوة المادية الغربية الحديثة. بل فلسطين شعب يعيش على أرض؛ شعب قوض وجوده المعنى الأساسي الذي حاولت الثقافة الاستعمارية أن تبني عليه شرعية قيام دولة إسرائيل، وهو أن فلسطين «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».

ومن هذا نستنتج أن هناك اختلافاً يتعلق بصنع المعنى بين إسرائيل وفلسطين. وإذا كانت إسرائيل تستحضر التاريخ وقوة الحداثة المادية لتخلق المعنى الذي يدل على شرعيتها في الوجود والبقاء، فإن الفلسطينيين ينبثق من انتمائهم إلى الأرض ووجودهم عليها ليستفيدوا من معنى حق المقاومة. وهكذا نخرج من الدائرة الضيقة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، إلى صراع أكبر، صراع بين روايات تاريخية تستحضر قوة الحداثة المادية، وروايات تقوم على التفاعل مع الأرض باعتبارها الموطن الأصلي للوجود.

وللصراع الإسرائيلي الفلسطيني تجليات في عالم المعاني. ولا يتوقف هذا الصراع عند حدود جغرافية ضيقة، بل يمتد ليشمل العالم أجمع. وذلك لأنه يجمع بين نظرتين مختلفتين للعالم: أما الرأي الأول فينطلق أصحابه من فكرة توسعية تحثهم على بسط سلطتهم وسيطرتهم على الأرض، الأرض كلها، حتى لو تطلب ذلك تجريد الشعوب من حقوقها. الانتماء إلى أماكنهم. أما الرأي الثاني فإن أصحابها متمسكون بكل ما أوتوا من قوة بحقهم في البقاء في أرضهم.

إذا كان الصراع على الأراضي يتخذ شكلاً مسلحاً بشكل واضح في السياق الإسرائيلي الفلسطيني، فإنه يتخذ أشكالاً رمزية وثقافية كلما ابتعدنا عن جغرافية هذا الصراع. وبالتحقيق نجد أن شعوب المنطقة برمتها – إن لم تكن شعوب العالم أجمع – تتعرض لأفظع عملية لزعزعة علاقاتها القائمة مع أرضها. لقد أصبح العالم مسطحاً، كما يقول توماس فريدمان في عنوان كتابه: (العالم مسطح).

ومن مظاهر تسطيحنا أنه أينما التفت تجد كائنات غريبة لا علاقة لها بثقافتها الأصلية، نابعة من تفاعل أجيال وأجيال مع الأرض.

ويكفي إلقاء نظرة سريعة على البرامج الترفيهية الإذاعية والتلفزيونية التي تبث في العالم العربي والإسلامي، للتأكد مما يحدث من جهل ونزوح للعقول من عالم معانيها الأصلية، إلى عوالم مجردة. المعاني، غارقة في التفاهة والرداءة والسخافة.

ومن المعروف أنه كلما زاد انغماس الناس في هذه العوالم المجردة، كلما كان من الأسهل اقتلاعهم من بيئتهم الثقافية، وأصبح من الأسهل زجهم في نظام اقتصادي مالي تحكمه ضوابط رأس المال وقيم السوق. ومن الأسهل أيضًا إخراجهم من روايتهم التاريخية وإلحاقها بروايات الآخرين.

تستطيع أن تقول؛ تمثل غزة المعقل الأخير لصمود العالم العربي والإسلامي في مواجهة نظام حضاري يرى في التوسع الجغرافي قدرا لا مفر منه ومسؤولية يمليها الواجب الديني الأخلاقي، كما كان سائدا في المجتمع الأمريكي خلال القرن التاسع عشر من خلال القول المأثور: “القدر المحتوم” أو “القدر المبين” (القدر المبين).

وبعد غزة، سيضطر العالم العربي والإسلامي إلى خوض واحدة من أشرس حروب المعنى لاستعادة الشعور بالانتماء إلى الأرض، وهو الشعور الذي يقوم عليه نظامهم الثقافي.

لقد أدرك العديد من الشعراء والفلاسفة والمفكرين في تاريخ الغرب، منذ القرن التاسع عشر، أن الحداثة أسست لثقافة تقوم على تجريد المعاني من علاقتها بالأرض، الموطن الأصلي للوجود. وكأننا ننظر بعين ثاقبة إلى ما سيصبح عليه العالم تحت قيادة هذه الحداثة من ثقافات مجردة مع إحكام قبضة المذهب النفعي الأنجلو أمريكي، ومن ثم مع انتصار النظام التكنولوجي. التي تؤسس عوالم افتراضية وتخلق واقعا فوق الواقع.

وعندما نتأمل قصائد والت ويتمان التي نظمها في ديوانه الشعري “أوراق العشب” نجد أنها محاولة لتخليص الثقافة الأمريكية الناشئة من ثقل السرد القائم على منطق التطور التدريجي الذي يهدف إلى نقل العوالم من حدودها الجغرافية نحو الأفق الوجودي الموعود.

ويكفي أن نتأمل عنوان المجموعة «أوراق العشب» لندرك المعاني التي يطمح إليها ويتمان، والتي تدعو إلى تأسيس الحياة الثقافية في أمريكا على دراسة تفاصيل الأرض الصغيرة. ويصرح في إحدى قصائده التي يضمها الديوان أنه «يغني لحن الأرض». أي بأشكالها التي تلهم المعاني الحقيقية للوجود.

ولم ينتصر الاتجاه الذي دعا في السياق الأمريكي إلى الاكتفاء بالأرض موطنا للوجود، بل ساد الاتجاه العملي الذي وظف القوة المادية لتحقيق المرتفعات في الأرض. طلب فرض ثقافة عالمية خالية من الخصوصيات الجغرافية المتعددة والمتنوعة.

وليس من المستغرب -في هذا الوضع- أن تجد إسرائيل الدعم لنفسها في أمريكا، وهي بدورها تتفوق جغرافيا على شعوب المنطقة، معلنة أن لها هوية غربية وليست شرقية، وتتباهى بأنها الكيان الوحيد الذي يستطيع أن يجسد في أرض الشرق القيم العالمية للغرب.

وهذا هو جوهر ما يسعى برنارد لويس وأتباعه إلى ترسيخه في الخيال الغربي. ولا يجد لويس أي حرج في دعوة العالم العربي والإسلامي إلى تخليص ثقافته من الشعور بالارتباط بالأرض كشرط للدخول إلى العصر العالمي للحداثة الغربية.

كلما أعاد المرء قراءة كتابه عن العلاقة المتوترة بين الإسلام والحداثة (ما الخطأ)، كلما زاد يقينه أن صراع إسرائيل مع الفلسطينيين هو من نوع الصراع الذي يجمع معنيين: معنى خلق هويتك الثقافية في العالم. التفاعل مع الأرض، ومعنى السعي للعلو في الأرض وسيلة لخلق… الثقافة.

المستوطنون الإسرائيليون ومن يقفون خلفهم من المتطرفين يشنون حرباً ضد المزارع الفلسطيني البسيط. فتجدهم يقتلعون زيتونه ويهدمون أسس وجوده. ونجد في هذا السلوك دليلاً على عمق الأزمة الوجودية التي تعاني منها إسرائيل. تريدون استبدال المستوطن بالفلاح، المستوطن الذي يأتي على ظهر دبابة، بدلا من المزارع الذي يخرج من قلب الأرض.

إذا قبل العالم العربي والإسلامي بالهدم الممنهج لأسس وجود الفلسطينيين على أرضهم، فإنه سيقبل حتماً بالهدم الممنهج الذي يمس أسس وجودهم ككيانات تستمد خصوصيتها الثقافية من تفاعل طويل مع الأرض. ومصدر المعنى وموطن الوجود.

وعندما ننظر إلى ما أصبح يطالب به الصحفيون والمثقفون والأكاديميون ورجال الدين من بطولات تافهة على مواقع التواصل الاجتماعي، وهم على قدم المساواة مع الأشخاص غير الأسوياء، فإننا نميل إلى القول إن العبثية قد شددت حلقاتها حول الثقافة في العالم العربي، مما سيصعب الدخول إلى عالم المعاني الأصيلة. بالضرورة.

لكن رغم كل ذلك، هناك مؤشرات كثيرة تشير إلى تنامي الوعي بأن ما يحدث في غزة يدشن حتما مرحلة جديدة في تاريخ العلاقة بين الغرب والشعوب العربية والإسلامية، إن لم يكن بين الغرب والشعوب. من الأرض كلها.

الخط السفلي؛ ومن يبحث عن معنى لوجود إسرائيل كما هي، وللجرائم التي ترتكبها بحق الشعب الفلسطيني، لن يجد أي معنى. والمعنى – كما لا يخفى – يدل على معنى الاتجاه الذي يسلكه الإنسان في عالم المعنى الطبيعي الفطري الحسي.

إن وجود إسرائيل وما تفعله لا معنى له إلا في عالم مجرد يحتكر فيه الأقوياء خلق المعنى من أجل فرضه على الآخرين.


اخبار فلسطين لان

بعد غزة.. بداية عهد جديد من حروب الشعوب نحو المعنى

اخبار فلسطين عاجل

اخر اخبار فلسطين

اخبار فلسطين لحظة بلحظة

#بعد #غزة. #بداية #عهد #جديد #من #حروب #الشعوب #نحو #المعنى

المصدر – المركز الفلسطيني للإعلام – أخبار فلسطين – أخبار القدس