اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-01-09 12:34:49
كتبت نهى غنام: تُفهم قيمة الرقم في الفيلم الفلسطيني 200″ متر” مثلما يفهم “المكتوب” من عنوانه، فهي تساوي المسافة بين بيتين لعائلة فلسطينية شتتها جدار الفصل العنصري الذي أقامه الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية في العام 2002؛ الأب مصطفى يقيم في مدينة طولكرم الفلسطينية فيما تقيم الأم سلوى وأبنائها في الداخل المحتل، وهذه المسافة لا تمّكن الأب من التواصل مع عائلته يومياً، إلا من خلال ثلاث ومضات من الإضاءة الموجودة في شرفة بيته وثلاثة من نافذة البيت المقابل، والسبب في ذلك رفض مصطفى عامل البناء للهوية الإسرائيلية (الزرقاء) التي تمكنه من العيش مع عائلته داخل الخط الأخضر لزواجه من مواطنة إسرائيلية، وهذا ما جعله يتكبد عناء الحصول على التصريح ومفارقة عائلته لمدة أسابيع، وعدم تواجده بجانبهم في أوقات الطوارئ، كما حصل معه حين تعرض ابنه مجد لحادث سير، فيما كان الأب بعيدا عنه وتصريح العمل منتهي الصلاحية، مما اضطره الى الخروج في (رحلة تهريب) مع مجموعة من العمال ومخرجة أجنبية، خاض خلالها مغامرة مع أناس جدد أضافوا أبعاداً أخرى لواقع الهوية الفلسطينية واشكالياتها والعراقيل التي تزرع في الطريق الى حياة طبيعية ومستمرة.
لم يشوه صانع الفيلم مادته الخام التي تقوم على تناول الواقع مع المحافظة على الإيهام، وجاء اهتمامه الأساسي بالمضمون الذي يروي معاناة الفلسطيني مع الجدار والحاجز اللذين شكلا صورتين لسلطة الاحتلال وتجبره، وذلك عبر قيمة كبرى هي البساطة، ولعل ذلك سبباً مهماً لاتسام الفيلم بالواقعية؛ فقد عرض جزء من حياة الفلسطيني المعقدة والمتشعبة التي لعبت أسلوبية المخرج دوراً في تفسيرها باللغة السينمائية لتناسب عين المشاهد.
وفي معرض الحديث عن الواقع والواقعية يرى لوي دي جانيتي في كتابه (فهم السينما) أن هناك فرق بينهما؛ الواقعية هي أسلوب بينما الواقع هو مصدر المادة الخام في الفيلم، بالتالي كل مخرجين السينما يبحثون عن العالم الذي يمكن تصويره من خلال مادتهم، ولكن ما يفعلونه مع هذه المادة وكيف يتعاملون معها هو الذي يقرر تأكيدهم الأسلوبي، المخرج الواقعي إذن يحاول أن يحافظ على الإيهام بأن عالم فيلمه هو مرآة موضوعية غير مُحرّفة عن العالم الفعلي.
ويقول اندرو كانيا أن هناك ثلاثة أسس يجب تحديدها لتمنح الواقعية معناها، وهي: ما الشئ الموصوف بانه واقعي؟ وما معنى الواقع؟ وما العلاقة المفترضة بينهما؟
وقد ظهرت هذه العناصر الثلاثة مترابطة في فيلم 200 متر؛ فالجدار وما ينتج عنه من معاناة هو الشئ الواقعي ومعناه أن الفلسطيني يدفع ثمن ذلك باضطراره للبقاء في الطرق الالتفافية لأيام أو التعرض للذل على حواجز الاحتلال المنصوبة بين المدن، والعلاقة بينهما سببية ومتشابكة بالطبع، وربما هذا ما منح الفيلم رغم حداثته سمة النضج في اشتغال الواقعية، من حيث علاقة السينما بالواقع وارتباطه بمجريات الحياة التي تميزها خصوصية الوضع الفلسطيني.
.jpg)
الخروج الى الطريق.. واقعية المكان
لقد تجلت الواقعية في فيلم 200 متر بدءاً من اختيار مواقع التصوير في أماكن محددة ومعروفة كمدينة طولكرم، التي رصدتها الكاميرا في عدة مشاهد لا سيما موقف السيارات، والطرق الطويلة التي صورت بلقطة long shot للدلالة على أهمية الطريق في الحياة الفلسطينية وعناء التنقل بين المدن، ولتحقيق قدر من جمالية اللقطات من الناحية الفنية فتمتع عين المشاهد، وقد أنطقت الكاميرا كل ما في هذه الطريق من علامات لتجيرها لصالح واقعية الفيلم الذي مثل شريحة من الحياة في فلسطين.
بدأ الفيلم بمشهد يحمل البطولة الثنائية والاستثنائية لمصطفى الذي يقف على سطح منزله ويواجه بطلا آخر صامت وثقيل هو جدار الفصل العنصري، الذي شيدته دولة الاحتلال الإسرائيلي بطول 402 كم على أراضي الضفة الغربية في العام 2002 بدعوى وقف تسلل الفلسطينيين إليها.
لقطة جانبية لمصطفى وهو يدخن سيجارته ومنظر البيوت المترامية حوله ضمن الكادر أشارت جزئياً الى طبيعة المكان، ثم لقطة خلفية للبطل أظهرته بمواجهة الجدار الذي يلتف حول مجموعة أخرى من البيوت وتحته مساحات من الأراضي الفارغة إلا من أشجار الزيتون، يمسك مصطفى أسفل ظهره بكلتا يديه، فيما ينفث دخان سيجارته فوق الجدار الذي في الخلفية، مما أضاف بعداً للمشهد أعمق من مجرد النظر والتأمل بكتلة الاسمنت العملاقة، التي بدا وكأنها تشق مظاهر الحياة وتقطع تواصل الشجر مع الحجر على الأرض التي صار واضحاً أنها فلسطينية؛ فصوت (الحدادي) يتردد في الأجواء بحنجرة وكلمات ولحن تراثي شكل مع العناصر الأخرى الإشارة الأولى للهوية المكانية للبطل، الذي يتبين فيما بعد أنه يقطن في مدينة طولكرم.
يدير البطل ظهره للجدار وتدخلنا الكاميرا الى دفء بيته، حيث اهتمام الزوجة وصخب الأطفال وملاعبتهم وتنقل الجدة في زواياه، لتظهر لنا حياة عائلية متكاملة، يشكل ذروة أحداثها الخلاف الذي دار بين سلوى ومصطفى في المطبخ حول تسجيل ابنهم مجد في (مكابي حيفا) لكرة القدم، ينفجر بعدها الحوار الى مواجهة يرفض مصطفى خلالها أن يسجل ابنه في نادي إسرائيلي، فتظهر هنا إشكالية الهوية للمرة الأولى من خلال الحوار الذي كشف أن العائلة منقسمة بين مكانين، بل ثقافتين مختلفتين.
لم يغفل صانع الفيلم عن تصوير تفاصيل الحياة الدقيقة في البيت الفلسطيني، تحديداً في المطبخ الذي شهد أغلب النقاشات والقرارات المهمة بخصوص العائلة، وفي أغلب الأحيان كانت سلوى هي المنتصرة، في دلالة على أهمية الدور الذي تلعبه المرأة الفلسطينية في اتخاذ القرار ضمن خريطة الواقع وليس السينما فقط، مع التذكير هنا بأن أحد أهم عناصر الواقعية خروج الكاميرا من نطاق الاستوديو الضيق الى رحابة الطبيعة، وهذا لم يتعارض مع كون المطبخ في 200″ متر” مكاناً واقعياً كسر طول المشاهد التي صورت في الطريق والحاجز و الباص.
من زاوية أخرى، بدا الحوار بين الزوجين مصطفى وسلوى عنيفاً عند الحديث عن الهوية في المشهد الذي دار في مطبخ “بيت الداخل”، يقصد بها البطاقة الزرقاء التي سيحصل عليها مصطفى لزواجه من مواطنة إسرائيلية وهي واحدة من مليونين و48 ألف فلسطيني (حسب دائرة الإحصاء المركزي الإسرائيلي) يعيشون في الأراضي المحتلة ويملكون جنسية الاحتلال، لكنهم في الوقت نفسه يحملون جوهر فلسطينيتهم في قلوبهم، رفض مصطفى الهوية الزرقاء وامتيازاتها التي ستسمح له بالإقامة والعمل بحرية في إسرائيل، علما أنه واحد من 178 الف عامل فلسطيني يعملون داخل الخط الأخضر حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وهنا تتجلى قوة انتماء مصطفى لوطنه رغم معيقات الرفاهية التي نتجت عن ذلك، وهذا ما يمثل واقع صمود الفلسطيني على أرضه رغم المغريات.
بالنسبة لسلوى تجاوزت الهوية حدود البطاقة السحرية للمواطنة الى الهوية الاجتماعية للمرأة الفلسطينية، فبدت أم المجد ثابتة وصلبة في الدفاع عن حق ابنها في لعب كرة القدم، حتى لو انضم الى فريق إسرائيلي، فيما بدا واضحاً تأثرها النفسي من بُعد زوجها عن الأسرة، حيث اضطرت للعمل بوظيفتين بالإضافة الى قيامها بمسؤوليات البيت والأولاد، بمعنى أنها بذلت جهداً مضاعفاً لتغطية غياب الأب، محافظة في الوقت نفسه على عمق هويتها الفلسطينية من خلال صفات الصبر والصمود التي تحلت بها المرأة الفلسطينية على مر الأوقات.
لم تخلو طبيعة العلاقة بين الزوجين رغم توترها وتسلط الزوجة من الرومانسية ومحاولة التجاوز في أغلب الأحيان، وهذا ما يثبت متانة العلاقة التي بنيت عليها هوية الأسرة المشتتة مكانياً، حتى يمكن القول بأن المعنى الحقيقي للصمود والانتصار على الجدار هو دفء العناق بين الزوجين في المشفى، على الرغم من فترة الخصام التي سبقت الحادثة، لقد أنهى اللقاء بينهما رحلة العذاب التي أشقت مصطفى، وهذا بحد ذاته ترسيخ لقوة روابط الأسرة العاطفية، المكونة من قطبين مختلفين من مكونات الشعب الفلسطيني، وبمواصفات شخصية مختلفة من حيث الأبعاد المادية والاجتماعية والنفسية لكليهما.
لقد حافظ صانع الفيلم على الخيط الرومانسي بين الزوجين رغم التوتر الذي شاب العلاقة بحكم الظروف، وهذا بهدف جذب المشاهد الذي سيخرج من دائرة الوضع الجغرافي والسياسي الى الاجتماعي العاطفي الذي يحبذه بطبيعة الحال، فيبقى مشدوداً حتى نهاية الفيلم، ويجدر القول هنا أن المخرج أجاد جذب خيوط بنية الفيلم باستخدام العلاقة العاطفية الواقعية، لا سيما أنه استخدم لذلك لقطة Close up shot التي تظهر التفاصيل وعمق الملامح للطرفين المشحونين بالغضب والحب في آن واحد، مع استخدام الإضاءة الدافئة في المطبخ الذي سبق وذكر أنه إحدى أهم الزوايا المكانية في البيت مما يعزز واقعية الفيلم.
يصل مصطفى الى الحاجز وكأنه يدخل الى حياة أخرى، فالمكان مكتظ بالرجال وملامح الحركة والحياة متجسدة فيه، يشتري طعامه ويدخل الى (قضبان القفص) الذي هو عبارة عن بوابات الكترونية تنظم دخول الفلسطينيين الى الداخل المحتل باستخدام ما يعرف بالبطاقة الممغنطة، وقد تبنت إسرائيل هذه الظاهرة بعد الانتفاضة الثانية للحد من تنقل الناس بين مدنهم وقراهم، وطورتها بشكل متدرج حتى أصبحت الكترونية وحديثة بل مؤسسة للبنية التحتية لنظام الفصل، وهذا ما أظهرته زوايا التقاط الكاميرا بشكل سمح للمشاهد بأن يعيش التجربة الحقيقية للمرور من الحاجز وأزمته ثم الدخول الى مرحلة التفتيش الدقيق للأمتعة والملابس والتحقيق والفحص.
لقد طغى الديكور على مشهد الحاجز ببصمة واقعية بكل تفاصيله، من الشبك الى القضبان المكهربة واصطفاف العمال داخلها، الى الفاصل الزجاجي بين الموظف الإسرائيلي والعامل الفلسطيني وكثرة البوابات الالكترونية كل ذلك جرى توظيفه من صانع العمل لتجسيد المعنى الحقيقي للحاجز في البيئة الفلسطينية، يذكر أن العديد من الأفلام الفلسطينية قد عالجت صورة الحاجز وما يحصل عليه من قصص إنسانية كفيلم (القدس في يوم آخر) و(عيد ميلاد ليلى) و(تذكرة الى القدس) و(يد إلهية) ولعل فيلم (الهدية) هو الأحدث بينها، فقد التقط الصورة الأكثر قرباً للمكان وتفاصيله، لكن فيلم (200 متر) كان أجرأها في الدخول الى تفاصيل المكان الذي أنهى حياة العديد من الفلسطينيين في الواقع.
يرغب المخرجون الواقعيون كما يرى جانيتي في الحفاظ على الاستمرارية المكانية للمشهد، ويفضلون اللقطات البعيدة، ويميلون الى الزوايا المتعارف عليها في التصوير، وأكثر مشاهدهم تلتقط على مستوى زاوية العين، والواقعي يرغب في أن يجعل الجمهور ينسى أن هنالك تصوير، وأما فيما يخص الإنارة فإن الواقعي يفضل النور الطبيعي السائد في التصوير.
وهذا ما تجسد في مشهد مرور العمال عبر القضبان الحديدية للحاجز، وكأنهم يمشون على الأرضية الخضراء لسجن (Green Mile) في الفيلم الأمريكي الذي حمل الاسم نفسه، حيث يسير عليه المحكومون بالإعدام، فيما توجد في نهايته غرفة العزل الانفرادي، ومن يمر عليه له مصير محتوم إما الموت أو الانصياع لتعليمات الفصل، كما يفعل الاحتلال بالفلسطيني المهدد بهويته ولقمة عيشه، وقد استخدمت الإضاءة الخافتة (الليلية) لتتكاتف مع واقعية الديكور وأداء الشخصيات للتعبير عن تمازج التجربتين على أرض فلسطينية.
كما أظهرت الكاميرا معاناة العامل الفلسطيني من خلال توليفة من اللقطات المختلفة، فاللقطة العامة long shot التي استخدمت في تصوير الحاجز أظهرت أن مصطفى جزء من الكل، ومعاناته الفردية لا تنفصل عن معاناة مئات العمال الذين تكدسوا على الحاجز، وزاوية الالتقاط من أعلى high-angle shot بينت حجم تنكيل الاحتلال بهؤلاء العمال ومحاولة إذلالهم في سبيل لقمة العيش، ثم تم التركيز على مرور مصطفى عبر الحاجز باستخدام اللقطة القريبة Close up shot من مختلف الزوايا، أي من الخلف والجانب والأمام، فرصدت الكاميرا مشاعر الضيق والخوف والتحدي في الوقت نفسه، وبذلك أدت الكاميرا وظيفتها التفسيرية لتبرير هذا التنقل دون الإخلال بالهيكل الفيلمي.
وبالعودة الى المكان كبطل للفيلم، فقد وُظفت عناصر اللغة السينمائية كالإضاءة الطبيعية والموسيقى والحركة لتسليط الضوء على الجدار، من خلال تنوع ظهوره في المشاهد؛ مرة يظهر بمحاذاة البيوت دلالة على قطعه للترابط المجتمعي في المكان، ومرة يظهر من خلال لقطة سفلية تظهر عظمة حجمه في دلالة على ضخامته، كما ظهر بلقطة جانبية بينت طوله الممتد لمساحات واسعة على أطراف الطريق، وكأن كل لقطة كونت علامة أشارت للجدار في نهاية المطاف، فكونت سردية سمعية وبصرية خاصة به.
انطلاقاً من هنا أخذ صانع الفيلم بفرض عناصر لغته السينمائية بأسلوبه، مركزاً بالدرجة الأولى على الطريق وتعرجاتها التي هي جزء من الطبيعة الفلسطينية وعرة التنقل، فكثرت اللقطات العامة والطويلة لمعالجة ظهور الطريق، وتم توظيف الباص في خلق صورة فنية جمالية للمشوار عبر التقاط الطريق من مرآة السائق أو من إطار النافذة أو من خلال الزجاج الأمامي، وتخلل ذلك كله سرد صوتي عبر الحوار بين ركاب الباص، بالإضافة الى الموسيقى التي رافقت لحظة الانطلاق مع أصوات للطبيعة تمثلت في حركة ماكينة المركبة وصوت الهواء.
لم تقتصر بطولة المكان على الجدار والحاجز والبيت، إنما تعدتهم الى الطرق الالتفافية ما قبل الحاجز وما بعده، وعورة هذه الطرق وزراعتها بأشجار الزيتون وطبيعة تربتها كل هذه العناصر دعمت معالجتها للواقع بواقعية، إنها أرض فلسطين التي اعتاد المشاهد أن يراها في نشرات الأخبار عند الاستيلاء عليها من قبل المستوطنين، الذين التقطهم صانع الفيلم وهم يرفعون علمهم على أرض فلسطينية، في دلالة الى أن مستوطنتهم التي بنوها بقوة السلاح قريبة من مكان مرور العمال الذين شعروا بالخطر وهذا هو الطبيعي أمام إرهاب المستوطنين المسلحين.
.jpg)
ملامح الشخصيات.. واقع التعايش
يرى محمد حسن في كتابه “الواقعية الإيطالية الجديدة وانعكاساتها على السينما المصرية” أن الواقعية تهتم بالإنسان والواقع الذي يعيش فيه؛ فلا غرابة أن يقدّم صانع الفيلم شخصيات نمطية، ويرسم الواقع مثلما يراه في مخيلته من دون تحريف، ولا بأس في أن يقدّمه من زاويته الإبداعية الحرة، شرط ألا تطغى ذاتية الفنان على الموضوع.
لقد تماشى بناء شخصيات “200 متر” مع النمطية التي تحدث عنها حسن وشكل هذا جزءاً من واقعيتها، لكنه في الوقت نفسه لم يخف صراع هذه الشخصيات مع نفسها أولاً ثم مع غيرها، فكانت متانة بنائها لمصلحة البناء الدرامي للفيلم، نجد مثلاً أن شخصية مصطفى شهدت تطوراً ملحوظاً على مدار تصاعد الأحداث وهبوطها؛ فانتقل من صورة الأب الحنون اللطيف مع أبناءه الى الأب المنفعل الذي اختلق مشكلة وضرب السائق من أجل الوصول الى المستشفى، كما توطدت علاقة مصطفى مع رامي وانتقلت من الزمالة الى الأبوة؛ فقد وجد فيه ابنه المحب للاعب محمد صلاح لا سيما بعد انتباه الثاني الى الاسوارة في يد الأول والتي أوصلها في نهاية الفيلم الى ابنه بعد أن عاقبه بمصادرتها، ولعل أكثر الروابط تطوراً بين الشخصيات هي علاقة مصطفى بآني التي تحولت الى ثنائية، مع استمرارهما في الطريق حتى النهاية، وثقته بها رغم اكتشاف أنها إسرائيلية، فيما أبدت هي بالمقابل شعورها بصدق الرجل وأصالته فعمدت الى مساعدته، من جهة أخرى تزعزعت علاقتها بكفاح بعد اكتشافه لحقيقتها، مما حول مرافقته لها الى مواجهة وصدام حاول من خلالها الاستيلاء على كاميرتها، وقد ساهم ذلك في تصاعد عنصر التشويق في الفيلم.
جسد الممثلون الآخرون نماذج مختلفة لشخصية الفلسطيني “ابن البلد” الذي تبدو له مغامرة الموت من أجل لقمة العيش (طشه) يمارسها بكل برود، كما ظهر في مشهد ركوبهم في الباص بعد أن دخل ضيوف جدد الى عملية التهريب، وبدا فضولهم حول وجود الفتاة الأجنبية آني بالأبعاد المادية لشخصيتها physiological مألوفاً؛ فالفتاة نحيفة وشقراء وجميلة ونشيطة وتركز على مرمى كاميرتها بذكاء(عملية)، قام أحدهم بالتنمر عليها وطلب يدها للزواج، فيما حرص الآخر على استعراض عضلاته اللغوية أمامها فلفظ كلمة سجن prison بشكل خاطئ (بيرزون) صححه مصطفى، بعد أن أوضح الآخر أن الفلسطينيين الذين يعملون في الداخل هم من حملة الشهادات العلمية وظروفهم الصعبة أجبرتهم على ذلك، وقد وظف كل هذا لخلق نوع من الكوميديا والخفة في الفيلم الذي جثمت عليه جدية المعاناة.
في الباص أيضاً طلب العمال من أحدهم أن يتغنى بجمال الفتاة الأجنبية بموال أظهر جمال صوته، الذي رافقهم ليكسر طول الرحلة والتوتر فيها، وهذا ليس غريباً على أرض الواقع الفلسطيني فقد اعتاد الناس على مواجهة متاعبهم بالغناء والرقص والدبكة كما فعل العمال في ورشة البناء احتفالاَ بزواج زميلهم، هنا يمكن القول أن هذا النسيج المتشابك من العلاقات ساهم بإرساء دعائم الواقعية في الفيلم.
قرّب صانع الفيلم الكاميرا من وجوه العمال في الباص بلقطة close up shot التي أظهرت عمق ملامح للوجه، وأهميتها في كادر الصورة وما تحمله من جدية، لقد بدت التجارب واضحة على وجوه الشخصيات مما خلق تنوعاً ملحوظاً في حركة المشهد وانتقال اللقطات، فعكس التمثيل المزاج العام، وجرى التركيز تحديداً على مصطفى الحالم الذي نظر من النافذة الى ما هو أبعد من جمال صوت زميله، ووجود آني الجميلة بصحبة كاميرتها بين مجموعة من الرجال، وهنا بدا الصبر والتحمل مغروساً في وجه مصطفى الذي أتعبه وجع ظهره، في إشارة الى واقع عمله في البناء ومدى صعوبته.
اللغات الثلاث.. واقعية الحوار
استخدم صانع الفيلم اللغات العربية والانجليزية والعبرية للتواصل بين الشخصيات، برفقة عناصر اللغة السينمائية المتماشية مع الحدث الذي تطلب تغيير اللغة بالتناسب مع الشخصيات، ويتماشى هذا مع واقع الصورة في فلسطين، التي تجبر الفلسطيني في أغلب الأحيان على التحدث مع المحتل المعروف بأنه يجمع العديد من الجنسيات تحت خيمة الدولة اليهودية، وقد لعب الحوار باستخدام هذه اللغات دوراً مهماً في الإيحاء لبعض الأحداث المهمة في الفيلم، فقد اكتشف المهرب الإسرائيلي أن آني تفهم العبرية بالتالي هي ليست ألمانية وقد تشكل خطراً على عمله، عندما فهمت مكالمته على الهاتف والتي عرفت من خلالها أن العمال الذين خرجوا بالسيارة الأخرى قد القي القبض عليهم، ترتب على ذلك تصرف المهرب معها بعنف، خاصة عندما اكتشف أنها صوّرته بكاميرتها، ولما احتدمت المواجهة ضربها على رأسها فسقطت على الأرض ليهرب من المكان بعدما اعتقد أنها ماتت، لقد خلقت هذه الحادثة تصاعداً مهماً في الأحداث لا سيما أن مصطفى وكفاح ورامي كانوا متخفيين في صندوق السيارة، بدأت علامات الاختناق بالظهور على العمال، وقد صورتها الكاميرا بدقة بصحبة الإضاءة الخافتة وصوت اللهاث المتقطع لانحباس أنفاسهم، وكان مشهد نهوض آني من غفوتها على الأرض درامياً بامتياز تصارعت خلاله الشخصية مع التصاقها بالأرض وحركة خفيفة لأصابع يدها، ثم فتحت عينيها ونهضت لتنقذ العمال.
لقد أنشأ نهوض آني من الموت وندمها على تعريض العمال للخطر وبكائها بطريقة مبالغ فيها، قصة حميمة جذبت الجمهور، وهذه استراتيجية يتم استغلالها لتحقيق غايات الواقعية في الفيلم السينمائي، كما يقول الأكاديمي كريس هيكمان في مقاله (What is Realism in film?) وهذا ما ساهم في رفع التشويق لما هو آت، خاصة أن مصطفى اكتشف حقيقة آني فيما بعد من خلال المكالمة التي أتتها باللغة العبرية، حين استخدم جهازها للحديث مع سلوى.
تم توظيف الحوار بصورة دعمت واقعية الفيلم؛ فالحوار باللهجة العامية كان بسيطاً وحقيقياً لدرجة أنه احتوى على ألفاظ شعبية بذيئة مثلت لغة الشارع، فيها دلالة على الكبت وظلم المحتل، كما لم تخلُ حوارات الرجال من التنمر على الآخرين وتبادل النكت لاختصار طول الطريق.
من جهة أخرى، أكمل مصطفى الذي يتحدث اللغات الثلاثة بطلاقة، حواره مع آني باللغة الإنجليزية “لحاجة في نفس يعقوب”، وهي رغبته في الاستمرار مع آني في الداخل لتساعده أمام نقاط التفتيش الاسرائيلية، فالواقع أيضاً يقول أن الاحتلال يحترم مواطني الدول الأجنبية، بالتالي لن يتعرضوا للتعطيل لوجود الفتاة معهم وهذا ما جرى فعلياً، وحين وصل كفاح ومصطفى مع آني الى آخر نقطة تفتيش في الأراضي المحتلة، فشعرت المجندة بالارتياح للثلاثة لمجرد ظهور الكاميرا معهم، وأخبرتهم أنها بحاجة لكاميرا كهدية لصديقها، حينها تحدثت آني بلغتها العبرية بكل طلاقة، مما كشف هويتها أمام كفاح، فصّعد من الصراع والمواجهة بينهما التي رفعت من نسبة التشويق كما ذكر سابقاً.
وهنا لا يمكن تجاوز بعض مواطن الضعف في الحوار، حيث أخفقت بعض الجمل الواردة على لسان الشخصيات في توصيف المشهد بدقة أو تبريره، لا سيما عند الانتقال من لغة الى أخرى، في مشهد الجلوس خارج المستشفى الذي يرقد فيه رامي، تأتي آني باتجاه مصطفى ويتبادلان الحديث حول الحقيقة والاعتراف، فيسألها مصطفى عن حقيقة أن والدها إسرائيلياً وليس فلسطينياً، ويجيب على السؤال بنفسه دون أن يعطي صانع الفيلم تبريراً قوياً لإخفاء آني لجنسيتها الإسرائيلية، كما دخل كفاح الى المشهد نفسه وأخذ يتكلم باللغة الإنجليزية رغم أن كلامه كان موجهاً لمصطفى الذي اعتاد أن يخاطبه بالعربية كونه ابن البلد، وقد يوصف هذا بنوع من الانفلات في توزيع النص على الممثلين، مما يخلق نوع من التشويش لدى المشاهد.
كما في السينما العالمية فإن أيقونة الجدار في الفيلم السريالي The Wall شكلت حاجزاً بين الإنسان وذاته وحدوداً للعنصرية بين الشعوب، ورغم الصراعات التي عانى منها البطل والتي بدت غير مفهومة أو مترابطة في أغلب الأحيان، إلا أن الجدار هُدم في نهاية الفيلم بأمر من القاضي، أما الجدار العنصري في الأراضي الفلسطينية فبقى موجوداً حتى اللحظة التي ابتسم فيها مصطفى فرحاً بانتظار عائلته أن تزوره في اليوم التالي، لقد تُركت النهاية مفتوحة وهذا واقع تم التحايل على مرارته بالأمل الذي قدمه الشكل الجديد لديكور الأضواء(الكشافات) التي تستخدمها العائلة في طقوس ما قبل النوم، فتطفئ وتشعل الأضواء على الطرفين 3 مرات، ولعل جمالية الفيلم تكمن في النهاية، النور يشق الظلمة والأطفال يتشاقون رفضاً للنوم والزوجة تشتاق والزوج يبتسم، وهذا واقع الأسرة الفلسطينية نهاية كل يوم رغم كل ما مرت به من متاعب.



